"انتصر العراق في حربه على المخدرات"، هكذا أعلن وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري والذي كشف عن خطط الوزارة في مكافحة المخدرات التي باتت تعد مصدر الخطر الأكبر للعراق بعد القضاء على الإرهاب.
الشمري وخلال زيارته إلى محافظة المثنى يوم الأحد الماضي، أعلن نجاح وزارة الداخلية في حربها لمكافحة المخدرات على مستوى البلاد، وبين أن الوزارة اعتمدت طريقين اثنين في هذه المعركة.
وقال الشمري في مؤتمر صحفي تابعته شبكة "الساعة": إن "الطريق الأول هو عبر تقليل العرض والذي يشمل ضبط الحدود الدولية ومنع التهريب من جهة وملاحقة كبار تجار المخدرات من جهة أخرى"، لافتا إلى أن "العراق قطع شوطاً في هذا المجال من خلال القبض على عدد كبير من المتورطين بتجارة المخدرات، إلى جانب تنظيم اتفاقيات وتفاهمات مع جميع دول الجوار بشأن مكافحة المخدرات".
وأضاف الشمري أن "الطريق الثاني في مكافحة المخدرات يكون عبر تقليل الطلب من خلال العمل مع مؤسسات الدولة على زيادة الوعي لدى المواطنين ومعالجة المدمنين عبر نوعين من المصحات القسرية والطوعية التي تتولى علاج حالات الإدمان وضمان عدم عودة المدمنين إلى تعاطي المخدرات".
ضبط كميات من المخدرات
وبشكل يومي، تعلن وزارة الداخلية القبض على متهمين بتجارة وتعاطي وترويج المخدرات، فضلا عن ضبط كميات كبيرة من المواد المخدرة.
وفي آخر عمليات القوات الأمنية العراقية في مكافحة المخدرات، أكد جهاز الأمن الوطني ضبط نحو مليون و400 ألف حبة مخدرة في العاصمة بغداد.
وذكر الجهاز في بيان تلقته "الساعة"، أن "مفارزه تمكنت من ضبط نحو مليون و400 ألف حبة مخدرة نوع كبتاجون مخبأة بطريقة سرية داخل رولات قماش مختلفة الأحجام يقدر عددها بـ 440 رولة كانت معدة للتهريب عن طريق إحدى شركات شحن البضائع".
كما أعلن جهاز المخابرات الوطني منتصف شباط الماضي الإطاحة بشبكة دولية مختصة بتجارة المخدرات وضبط بحوزتهم مليونا حبة في العاصمة بغداد.
وأصدر القضاء العراقي خلال العام الماضي 2023 أحكاماً بحق أكثر من 7 آلاف مدان بجرائم تتعلق بالإتجار والتعاطي والترويج للمخدرات توزعت بين السجن المؤبد والإعدام وأحكام أخرى.
لكن إحصائيات وزارة الداخلية تشير إلى القبض على 17 ألفا و249 متهما، بينهم 121 أجنبيا، بتهمة تجارة المواد المخدرة خلال العام الماضي 2023.
مصدر المخدرات
ويشهد العراق انتشارا واسعا للمخدرات؛ بسبب الأوضاع المأساوية التي تعاني منها البلاد، والمتمثلة بالفقر والبطالة، فضلا عن سيطرة فصائل مسلحة تتبع لجهات متنفذة في البلاد على أغلب المنافذ الحدودية؛ مما سبب استمرار تدفقها إلى الشباب العراقي.
في السنوات الأخيرة، تحول العراق من معبر وممر للمخدرات إلى مستهلك لها، فضلا عن محاولات لإنتاج المواد المخدرة وصناعتها، الأمر الذي دعا السلطات الأمنية إلى تنفيذ حملة واسعة لمكافحة المخدرات.
وفي وقت سابق، كشف وزير الداخلية العراقي، عبد الأمير الشمري عن أن المخدرات تأتي إلى البلاد من إيران وسوريا وعبر شبكات مرتبطة ببعضها.
وتدخل أغلب المخدرات إلى العراق عبر الجانب الإيراني من محافظتي البصرة وميسان والسليمانية، كما تدخل من الجانب السوري عبر محافظة دهوك وقضاء سنجار بمحافظة نينوى والمناطق الحدودية بمحافظة الأنبار.
مصدر أمني مطلع قال في وقت سابق لشبكة "الساعة" إن "مافيات وشبكات دولية تعمل على تهريب المخدرات من وإلى العراق، وأن فصائل مسلحة تسيطر على تجارتها في المناطق السنية كالأنبار وصلاح الدين ونينوى".
تشكيك بالنصر
وفي وقت سابق كشف وزير الداخلية السابق عثمان الغانمي عن تورط جهات سياسية متنفذة في الدولة بالوقوف وراء تجارة المخدرات في البلاد.
وقال الغانمي: إن "بعض الجهات السياسية وغيرها من الجهات المتنفذة تقف وراء تجارة المخدرات"، مؤكدا أن "هذا العمل الكبير والخطير لا يمكن لأي جهة صغيرة القيام به".
غير إن إعلان وزير الداخلية العراقية عبد الأمير الشمري تحقيق النصر في الحرب على المخدرات لا يتوافق مع الواقع، بحسب ما يؤكد الخبير الأمني والباحث في مركز راسام للدراسات العقيد حاتم الفلاحي.
وقال الفلاحي في حديث لشبكة "الساعة": إن "تفشي المخدرات بعد 2003 في العراق له العديد من الأسباب وأبرزها ضعف الدولة والقانون وعدم قدرة السلطات على مواجهة هذه الآفة الخطيرة، لا سيما بعد تحول العراق من ممر إلى مستهلك للمخدرات"، مبيناً أن "الفقر والبطالة وقلة الوعي وفساد الأجهزة الأمنية وفتح الحدود ساعد على انتشار المخدرات وتفشيها بين فئة الشباب".
وأشار الفلاحي إلى أن "الأرقام والإحصائيات التي تصدر عن وزارة الداخلية بشأن المخدرات تؤكد خطورة الوضع، فبحسب تلك الإحصائيات فإن ما يقرب من نصف الشباب العراقي يتعاطى المواد المخدرة وخاصة في المناطق والأحياء الفقيرة".
من يدعم تجارة المخدرات؟
واستبعد الفلاحي: "قدرة الدولة في السيطرة على هذا الملف أو تحقيق النصر كما تعلن السلطات العراقية، لأن مشكلة المخدرات باتت متفشية في المجتمع وفي جميع مناطق العراق ولاسيما المناطق الجنوبية، حيث تحولت المخدرات إلى كابوس خطير يؤرق العائلات في تلك المناطق".
ولفت إلى أن "عجز السلطات في مكافحة المخدرات يعود لأسباب أبرزها أن جهات متنفذة في الدولة والأجهزة الأمنية هي من تتولى عملية تجارتها شبكات مختلفة تقول بنقل وإدخال وبيع المخدرات"، مؤكداً أن "بعض الأجهزة الأمنية متورطة وضالعة في تجارة المخدرات، كما أن عدم التطبيق الصارم للقانون وفرض العقوبات المشددة على المتاجرين بها تسبب في عدم السيطرة على هذا الملف، إلى جانب عجز السلطات في ضبط الحدود وخاصة مع الجانب الإيراني".
وأشار الفلاحي إلى أن "موضوع المخدرات أصبح تجارة ومصدرا مهما للتمويل للجهات المتنفذة"، منوها إلى أن "مكافحة المخدرات في ظل الظروف الحالية التي يشهدها العراق يعد أمرا في غاية الصعوبة، خاصة وأن الجهات المتنفذة التي تقف وراء عمليات تجارة المخدرات باتت أقوى من الدولة ودليل ذلك سيطرة تلك الجهات ومنها الفصائل المسلحة على مناطق واسعة وعدم قدرة القوات الأمنية العراقية الدخول لتلك المناطق فضلا عن إخراج الفصائل منها".
واقترح الفلاحي للحد من مشكلة المخدرات، "تمرير تشريعات قانونية من شأنها تجريم تجارة ومحاسبة المتورطين بذلك مهما كان نفوذهم في الدولة، لكنه يرى أن تطبيق هذه الفقرة في غاية الصعوبة لأن هذه الجهات تعتبر أقوى من أجهزة الدولة"، مبينا أن "تفعيل القوانين الخاصة بمكافحة المخدرات سيكون كفيلا للحد من انتشار هذه الآفة والحد منها".
ضرب المنظومة المجتمعية
أما رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي فحذر من تداعيات انتشار المخدرات على ضرب القيم المجتمعية، مشددا على أن هذه الآفة تتطلب أن تمنح الأولوية في المعالجات الحكومية ولاسيما على الصعيد الأمني.
وقال الغراوي في حديث لشبكة "الساعة": إن "مشكلة المخدرات تحولت إلى ظاهرة خطيرة تمس المجتمع بشكل كبير في السنوات الأخيرة"، مبيناً أن "انتشار المخدرات المتمثلة بحبوب الكبتاجون تركزت في المحافظات الغربية والعاصمة بغداد ومدن إقليم كردستان، بينما تركز انتشال الكرستال في العاصمة بغداد نزولا إلى المحافظات الجنوبية.
وأضاف: أن "عصابات الجريمة المنظمة تعمل على استغلال المناطق الهشة أمنيا لترويج تجارة المخدرات فيها وتستهدف الأحداث وحتى النساء في ترويجها ونشرها باعتبارها تجارة اقتصادية مهمة لتلك العصابات".
وأكد الغراوي أن "المخدرات ساهمت مؤخرا في زيادة حالات الانتحار في البلاد إلى جانب ضرب القيم المجتمعية"، مشددا على أن "ذلك يستدعي أن تكون لها الأولية من المعالجات لاسيما في الجانب الأمني".
وكان يُنظر إلى العراق طوال عقود على أنه ممر لعبور المخدرات من أفغانستان وإيران إلى أوروبا ودول الخليج، إلا أن البلد تحول إلى مستهلك رئيسي لمختلف أنواع المخدرات، منذ الإطاحة بالنظام السابق عام 2003 على يد قوات دولية قادتها الولايات المتحدة، إذ تسود البلاد حالياً نزاعات وأوضاع أمنية واقتصادية غير مستقرة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام