تصاعد الجدل في العراق بعد تحرك القوى الشيعية داخل البرلمان لإعلان عيد الغدير الخاص بالمسلمين الشيعة عطلة رسمية في عموم البلاد.

وفيما انتقد مراقبون عراقيون محاولات القوى السياسية فرض عطلة رسمية دينية خاصة بالمكون الشيعي على باقي المكونات، وصفها البعض بأنها محاولة لخلق فتنة طائفية في البلاد وفرضها بطريقة قانونية عبر مجلس النواب.

ويعتبر المسلمون الشيعة "عيد الغدير" من أهم الأعياد الدينية، حيث يعتقدون بأن العيد هو ذكرى تجديد البيعة والولاء للإمام علي إبن أبي طالب رضي الله عنه، ويحيي الشيعة هذه المناسبة في الثامن عشر من شهر ذي الحجة من كل عام.

وخلال إحياء ذكرى عيد الغدير تعطل جميع المحافظات العراقية ذات الأغلبية الشيعية الدوام الرسمي منذ عام 2003، في حين صوت مجلس الوزراء في تموز الماضي 2023 على اعتبار يوم الغدير عطلة رسمية.

 

دعوة الصدر

بدأ الحراك الشيعي الأخير بشأن هذه المناسبة، بعد دعوة وجهها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في 19  نيسان الجاري، للبرلمان العراقي لاعتبارها عطلة رسمية في العراق.

وقال الصدر، إنه "يجب على مجلس النواب العراقي تشريع قانون يجعل من الثامن عشر من شهر ذي الحجة عيد الغدير عطلة رسمية عامة لكل العراقيين بغض النظر عن انتمائهم وعقيدتهم".

وطالب الصدر "التيار الوطني الشيعي" الذي أسسه مؤخرا بالتزامن مع دعوة "تشريع عطلة عيد الغدير" مساندة هذا القرار بكل الوسائل السلمية المتاحة والقانونية كل بحسبه"، ولفت إلى أن "هذا الأمر فيه نصرة للدين والمذهب والعقيدة والوطن ولكل محبي الاعتدال من الشيعة والسنة والمستضعفين الذين دافع عنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب"، حسب تعبيره.

 

حراك البرلمان لتشريع عيد الغدير

الأسبوع الماضي، أعلن مجلس النواب تسلمه مقترح قانون عطلة عيد الغدير الذي قدمه النائب القريب من التيار الصدري برهان المعموري، كما ووجه بإحالته إلى اللجنة القانونية للمضي بإجراءات تشريعه.

يتزامن مع ذلك جمع توقيع أكثر من مئة نائب على طلب موجه إلى رئيس البرلمان، يتضمن المطالبة بالموافقة على مشروع قانون العطلات الرسمية في البلد، والمتضمّن إعلان عيد الغدير عطلة رسمية لجميع أبناء الشعب العراقي.

عضو اللجنة القانونية النيابية والنائب عن ائتلاف دولة القانون عارف الحمامي أكد أن قانون عطلة عيد الغدير حاليا قيد الإنجاز، وسيتم التصويت عليه قريبا بعد اكتمال أركانه القانونية.

وقال النائب عارف الحمامي: إن "أي مقترح قانون أو مشروع قانون عند اكتمال أركانه القانونية من حيث جوانبه التشريعية واللجان المختصة ويعرض للتصويت، فإن حصل على موافقة البرلمان يكون القانون ساري المفعول، أما إذا لم يحصل توافق عليه يرفض".

 

تحذيرات من فتنة طائفية

النائب السابق مشعان الجبوري، حذر من أن فرض عطلة دينية بمناسبة عيد الغدير سيؤدي إلى إثارة خلافات ومشاكل طائفية العراق في غنى عنها حاليا، مؤكدا أن المناسبة لدى الشيعة تقوم على سردية تتعلق بالإمامة والولاية التي يُكفِّر أغلب علماء الشيعة منكرها بشكل غير قابل للتأويل ولا وجود لها بالمطلق في السردية السنية.

وكتب الجبوري في تغريدة على منصة "X" توتير سابقا: إن "محاولة تشريع قانون يجعل من عيد الغدير عطلة وطنية رسمية يعني عملياً تبني سردية دينية شيعية تتعلق بالإمامة -الولاية التي يُكفِّر أغلب علماء الشيعة منكرها بشكل غير قابل للتأويل ولا وجود لها بالمطلق في السردية السنية".

وأضاف الجبوري: ان "الشيعة يحق لهم الاحتفال بعيد الغدير كما يشاؤون، لكن تحويله إلى عيد وطني وفرضه حتى على من تكفرهم هذه السردية وهم نصف الشعب العراقي سيؤدي الى مشكلات وحساسيات الشعب العراقي في غنى عنها".

 

فرض معتقدات مذهب على آخر؟

أما محافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي فأكد أن الدولة العراقية مطالبة بأن تجمع مكوناتها وأن تتجنب فرض وجهات نظر مذهب على آخر.

وكتب النجيفي في منشور في موقع التواصل "فيسبوك": أن "عيد الغدير مناسبة خاصة بالمذهب الشيعي نحترم معتقدهم ولا نؤمن به وهم يخالفون في تقييم هذه المناسبة جميع السنة بلا خلاف .. بل هي أساس الخلاف بين الرؤية السنية والشيعية للإمامة".

وأضاف: "إذا "كنا نتحدث عن دولة تجمع مكوناتها فعليها أن تتسامى عن نقاط الخلاف والا تفرض وجهات نظر مذهب على آخر".

 

تأكيد الحاكمية الشيعية للدولة

رئيس مشروع المواطنة العراقي غيث التميمي وصف أن تحرك القوى الشيعية في الوقت الحالي نحو تشريع عطلة عيد الغدير يأتي ضمن مساعيها للتاكيد على الحاكمية الشيعية للدولة العراقية.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "القوى الشيعية لا تتصارع على مصلحة الدولة ولكن على تأكيد الحاكمية الشيعية للدولة"، وذلك يظهر من خلال تحركها الأخير لتشريع قانون تعطيل الدوام رسميا في عموم البلاد بمناسبة عيد الغدير.

وأضاف التميمي: أن "عيد الغدير هو مناسبة دينية للمسلمين الشيعة وينبغي أن ينحصر إجراءات الاحتفال به وإحياؤه وتعطيل الدوام الرسمي خلاله في المناطق والمحافظات الشيعية، على اعتبار أن المسلمين السنة في المحافظات السنية والكردية والمسيحيين والإيزيديين في أماكنهم ينبغي عدم إجبارهم على الاحتفال بهذا العيد بينما لا تربطهم بالمناسبة علاقة دينية".

وحذر التميمي من أن "الرسالة من وراء تمرير هذا التشريع واعتماد وإثارته في الوقت الحالي يهدف إلى أبراز فكرة تشييع الدولة العراقية"، مشيرا إلى أنه "كما إنها رسالة خارجية للخارج أكثر من كونها رسالة داخلية تؤكد على الحاكمية الشيعية للدولة".

ولفت إلى أن خطورة هذا الموضوع تكمن في الاستغلال السياسي للمناسبة الدينية، وتوظفيها في إطار تصدير وإظهار الهوية المذهبية الشيعية للعراق"، منوها إلى أن "المسلمين السنة وباقي العراقيين لا توجد لديهم أي حساسية من الإمام علي رضي الله عنه، بل وحتى أن بعضهم يقدس شخصية الأمام علي أكثر من الشيعة أنفسهم، ولكنهم يرفضون فكرة إبراز هوية الدولة المذهبية وفرضها عليهم وتبني الدولة فكرة المذهب الواحد في بلد تعدد فيه المذاهب والأديان".

ويرى التميمي أن "القوى الشيعية الموجودة في السلطة هي من تتحمل حاليا تبني وإثارة الموضوع، على الرغم من أن التيار الصدري هو صاحب الفكرة"، مشيرا إلى أن "التيار اقترح تعطيل الدوام في عيد الغدير رسميا لكن المشكلة تبرز في تبني القوى السياسية داخل السلطة لهذا الموضوع ومحاولتهم استغلال فرض المذهب الواحد على شكل الدولة العراقية".

 وأوضح التميمي على أن "بعض التحذيرات بدأت تتصاعد على اعتبار أن فرض فكرة عيد الغدير على العراقيين تعني الإقرار والتأكيد على تكفير منكري ولاية الإمام علي رضي الله عنه"، مشددا على أن "تلك الدعوات لا أساس لصحتها ولا توجد مبررات لها لان الفكر الشيعي لم يقم على أساس تكفير المسلمين الذين لا يقرون بولاية الإمام علي".

 

بدعة سياسية

أما الباحث في الفكر الشيعي أحمد الكاتب فوصف عيد الغدير بأنه "بدعة سياسية ابتدعها البويهيون ضد العباسيين في القرن الرابع الهجري".

وقال الكاتب في مقال منشور تابعته شبكة "الساعة": إن "السنة والشيعة يتفقون على حديث الغدير الذي قال فيه النبي محمد عليه الصلاة والسلام "من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم انصر من نصره، واخذل من خذله"، وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه له: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب فقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة".

وتابع الكاتب: أن "حديث الغدير لم يتضمن أي معنى سياسي أو نص على الإمام علي بالخلافة، ولذلك لم يفهم الإمام نفسه هذا المعنى المتأخر الذي حمله الشيعة الإمامية على النص، كما لم يفهم عامة المسلمين ولا سيما المهاجرون والأنصار معنى الخلافة، فقد ترك رسول الله أمر الخلافة للناس ولم يتحدث القرآن الكريم عن نظام الحكم ولا حق سلالة معينة به، ولا عن كيفية انتقال السلطة وعلاقتها بالناس وكيفية انتخاب الحاكم".

وأشار إلى أن حديث الغدير ظل في أذهان المسلمين في القرون الثلاثة الأولى حدثا جزئيا شخصيا عابرا، لا ينطوي على معنى سياسي، ولكن اختلاف الهاشميين (عترة الرسول) فيما بينهم بين عباسيين وعلويين، دفع الشيعة الإمامية إلى إضفاء معنى جديد على حديث الغدير، وعندما سيطر الفاطميون على مصر في القرن الرابع الهجري، ثم لحقهم البويهيون في السيطرة على بغداد، حاولوا القضاء على النظام العباسي، بالتأكيد على المعنى السياسي لحديث الغدير، وتجريد العباسيين من الشرعية الدينية، والاحتفال باليوم الثامن عشر من ذي الحجة كعيد أكبر".

واستدرك قائلا: أن "السؤال الذي يدور الآن بعد ألف عام من ذلك الصراع  السياسي بين العباسيين والفاطميين والبويهيين، وبعد انقراض جميع تلك العوائل الحاكمة، وقيام الأنظمة الديمقراطية في العصر الحديث، والتي يشارك فيها السنة والشيعة: هل يجب النظر إلى حديث الغدير من الزاوية  الإمامية الفاطمية والبويهية؟ أم يجب طي صفحة ذلك التاريخ السحيق وتجاوز بدعه السياسية، وتأويلاته والتعسفية وقراءاته الخاصة؟

كما أضاف متسائلا: "ما الذي يدعو ممثلي  الشعب العراقي في مجلس النواب الى الخوض في معارك التاريخ الغابرة، من خلال الدعوة إلى اعتبار (يوم الغدير) عطلة و عيدا رسميا"، منوها إلى أن "ذلك سيجر البلاد إلى فتنة طائفية قد تمتد عقودا من الزمن، لا سمح الله، كما كان يحدث في أيام البويهيين والعباسيين". حسب تعبيره.

 

العراق الأول في العطل

يحتل العراق صدارة دول العالم بعدد أيام العطل الرسمية وبتنوع مناسباته الوطنية والدينية، فضلا عن عطل غير رسمية تفرضها ظروف خاصة، وهي ما يكبد خزينة الدولة خسائر بملايين الدولارات -عن كل يوم عطلة- وفقا للخبراء، نتيجة عدم تعويض ساعات العمل في دوائرها ومؤسساتها.

وبلغة الأرقام هناك 52 أسبوعا في السنة، يومان عطلة في كل أسبوع، فيكون مجموع عطل نهاية الأسبوع 104 أيام في السنة، يضاف إليها 22 مناسبة رسمية في السنة، فيرتفع مجموع أيام العطل سنويا إلى 126 يوما، من دون احتساب أيام المناسبات الدينية والعطل الاضطرارية التي تعلنها الحكومة والتي تقدر بـنحو 22 يوما في السنة.

يقول الأكاديمي في علم الاقتصاد محمد مثنى في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما يقرب من نصف أيام السنة في العراق هي عطل تتوزع بين رسمية وغير رسمية وعطل نهاية الأسبوع وعطل المناسبات الدينية والاضطرارية وغيرها"، مبينا أن "بعض الدراسات أثببت أن إنتاجية الموظف العراقي في القطاع الحكومي في اليوم الواحد لا تزيد عن 11 دقيقة فقط"، وأشار إلى "التقديرات الخاصة بخسائر تعطيل الدوام المتكرر في العراق تصل لنحو 140 مليون دولار في اليوم الواحد.