على الرغم من إعلان السلطات العراقية تراجع معدلات الجريمة المنظمة في البلاد، إلا أن جميع المؤشرات والإحصائيات الحكومية تؤكد عكس ذلك، فالعراق ما يزال يسجل زيادة في أحداث القتل الجنائية، إلى جانب تسجيل مشاهد مروعة غير مسبوقة في تنفيذ تلك الجرائم.
فالكثير من الجرائم الجنائية ما تزال تثير صدمة في الشارع العراقي، وخاصة الجرائم التي ترتكب داخل الأسرة الواحدة، والمتمثلة بقتل الأب على يد ابنه، ومقتل الوالد على يد ولده والقتل بين الأخوة، إضافة إلى قتل النساء لأزواجهن، وغيرها من الجرائم البشعة.
ولا تزال بعض الحوادث ماكثة في الذاكرة، من بينها حادثة مريدي والطريقة السينمائية التي تم الاشتباك بها والتي انتهت بمقتل شخص خلال شهر شباط من العام الجاري.
وتكشف الإحصائيات الخاصة بأعداد الجرائم في العراق عن ارتفاع حالات القتل الجنائية خلال الشهرين الأولين من العام الجاري 2024، مقارنة بالشهرين السابقين لهما أي شهري تشرين الثاني وكانون الأول من العام الماضي 2023.
وبلغ عدد حوادث القتل في شهر يناير/كانون الثاني 2024، 46 حالة قتل، أما في فبراير/شباط أي الشهر الذي بعده، بلغت حوادث القتل 44 حالة، وفقًا لبيانات تم تجميعها من مواقع مختصة.
وتأتي هذه الأرقام مقارنة بـ 34 حالة قتل فقط في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، و28 حالة قتل فقط في ديسمبر/كانون الأول 2023.
العراق في مؤشر خطير
وأظهر مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، ارتفاع تصنيف العراق في مؤشر الجريمة خلال عام 2023 مقارنة بعام 2021، حيث جاء العراق في المرتبة الثامنة عالميا والمرتبة الثانية في قارة آسيا.
وبحسب المؤشر فإن درجة الإجرام في العراق خلال عام 2023 بلغت 7.13 درجة، مقارنة بعام 2021 التي بلغت حينها 7.05 درجة.
ويظهر المؤشر أن العراق في المرتبة الثامنة من بين 193 دولة عالميًا في مؤشر الجريمة، كما جاء في المرتبة الثانية من بين 46 دولة في قارة آسيا، وفي المرتبة الأولى من أصل 14 دولة بمنطقة غرب آسيا.
وأشارت إحصائيات صادرة عن جهات أمنية عراقية إلى تسجيل نحو (ربع مليون) جريمة في عام 2023 في محافظات العراق عدا إقليم كردستان، ولفتت تلك الإحصائيات إلى أن الجرائم وزعت بالشكل الآتي:
- 41582 دعوى جزائية محالة لمحاكم الجنايات، وبمعدل 114 جريمة خطرة يومياً.
- 172785 دعوى جزائية محالة لمحاكم الجنح وبمعدل 474 جريمة جنحة متوسطة الخطورة يومياً.
- 9243 دعوى جزائية محالة لمحاكم الأحداث وبمعدل 25 جريمة يرتكبها أطفال وأحداث بأعمار أقل من 18 سنة يومياً.
الداخلية توضح
بدورها، قالت وزارة الداخلية إن "تصنيف العراق في مؤشر الجريمة العالمية "غير دقيق"، مشيرة إلى انخفاض معدل الجريمة إلى ما يقارب 20 % في عام 2023".
المتحدث باسم الوزارة العميد مقداد ميري قال إن "تصنيف العراق في المرتبة الثانية على قارة آسيا في الجريمة المنظمة، أمر غير دقيق"، لافتا إلى أن "الكثير من البلدان فيها نسب جريمة مرتفعة جدا مقارنة بالعراق".
وأوضح أنه "في العام 2023 وبعد تنفيذ البرنامج الحكومي، ولاسيما فيما يتعلق بمتابعة الجريمة المنظمة ومنع وقوعها وخفضها، وبالفعل تحقق هذا الهدف"، مبينا أن "معدلات الجريمة انخفضت إلى ما يقارب 20 % في عموم العراق".
ولفت ميري إلى أن "وضع الجريمة مسيطر عليه وجيد جدا في الوقت الحاضر وهناك إجراءات جديدة سيتم العمل عليها وستكون مكثفة باتجاه ملف الجريمة المنظمة في العراق.
الجرائم بالأرقام
وتضمنت أنواع الجريمة المنظمة المنتشرة في العراق العديد من القضايا، وجاءت في المراتب الأولى الأسواق الإجرامية والمتمثلة بالاتجار بالبشر وتهريبه، والابتزاز، والتجارة بالسلع المقلدة، وتجارة الأسلحة والمخدرات.
وخلال شهر أغسطس/ آب من العام 2022، سجل العراق 713 حالة وفاة بحوادث جنائية مختلفة، وهي أعلى نسبة وفيات بحوادث جنائية، لكنها شملت أيضا الوفيات بحوادث السير والقتل الخطأ والحرائق والصعقات الكهربائية وغيرها من الحوادث المتفرقة.
وخلال العام 2022، سجل العراق 5300 جريمة قتل بنسبة سنوية تتجاوز 11.5% لكل مئة ألف نسمة، وهي أعلى نسبة لجرائم القتل في العراق تاريخياً والوطن العربي وإيران وتركيا .
وسجل العراق خلال السنوات الماضية جرائم قتل كانت كما يلي:
- 4300 حالة قتل في 2015
- 4400 حالة قتل في 2016
- 4600 حالة قتل في 2017
- 4600 حالة قتل في 2018
- 4180 حالة قتل 2019
- 4700 حالة قتل 2020
- 5000 حالة قتل في 2021
- 5300 حالة قتل في 2022
أسباب الجرائم الجنائية
ويرهن معنيون تنامي هذا النوع من الجرائم بأسباب عديدة أهمها البطالة والفقر وتفشي السلاح المنفلت والمخدرات، مشددين على ضرورة ضبط الحدود والعمل أكثر على مكافحة المخدرات والمافيات التي تقف خلف هذه التجارة.
الخبير في الشأن الأمني أحمد الشريفي فأوجز العوامل التي أثرت في سلوك الأفراد حتى أوصلتهم إلى هذا الحال بأن يكون العراق الأول عربياً في عدد حالات القتل بأن "سببها الحروب وأثرها في سلوك الشعوب، بالإضافة إلى تراجع القيم والتفكك الاجتماعي والالتزام الأخلاقي والبطالة"، منتقداً "ضعف الرادع القانوني وعجز المؤسسات عن إنفاذ القانون، فضلاً عن الضعف في هيبة الدولة وفي مؤسساتها التي أدت إلى حالة من الانفلات وعدم الانضباط الاجتماعي".
من جهته، يرى الخبير الأمني صفاء الأعسم أن "إحصائية معدل أعداد الضحايا التي سجلت خلال الفترة الماضية تجاوزت ما سجله العراق خلال الحرب الطائفية بين عامي 2006 و2008"، لافتا إلى أن "هناك شكوكا بأن أعداد الضحايا أكبر مما هو معلن".
وقال الأعسم: إن "هناك تهاونا في العقوبات الخاصة بتجارة وتعاطي المخدرات، وينبغي أن يكون للقانون سلطة أقوى في فرض عقوبات مشددة لردع جرائم المخدرات التي تفضي إلى الجرائم الجنائية، وهو ما يؤشر لوجود ضعف في الجانب الأمني وفرض القانون".
إلى ذلك، قال الناشط علي جاسم ـ عضو منظمة النجدة الشعبية إن "العامل الاقتصادي يعد أحد أهم العوامل التي تساعد في تغذية الجريمة بغض النظر عما إذا كانت منظمة أو غير منظمة".
وأضاف جاسم أن "هناك تفاوتا اقتصاديا كبيرا ومعاناة بالغة في هذا الجانب، وهذا ما تؤكده نسب البطالة والفقر والتسول في الشوارع"، وأشار إلى أن "هذه القضايا لم تتم معالجتها بصورة حقيقية حتى الآن"، ومؤكدا أن "البطالة والفقر يخلقان بيئة مناسبة لانتشار الجريمة بمختلف أنواعها".
أما الخبير في الشأن الاقتصادي نبيل جبار العلي فأشار إلى أن "الظروف الاقتصادية للعراقيين أسهمت بزيادة الجرائم، فما زالت المؤشرات الاقتصادية مخيفة وتدعو للقلق، فمؤشر الفقر ارتفع إلى ما يزيد على 30 %، ومؤشر البطالة ما زال ضمن مستويات كبيرة قد تكون الأكبر خلال العقود الثلاثة بنسبة تقارب 14 % وأكثر، في حين اتسعت فجوة الطبقية بين فئات المجتمع العراقي، وانعدمت الاستراتيجيات التي تعالج المشكلات العالقة، فإنها حتماً ستؤدي إلى مزيد من المشكلات والمعضلات؛ ومنها بروز أكبر لظواهر الجريمة وما يرتبط بها".
انهيار المجتمع والأمن والقانون
في السياق، قال عضو اللجنة القانونية في البرلمان العراقي محمد عنوز، إن "الجرائم التي تحدث حالياً، ليست مألوفة لدى العراقيين، وهي حالات تشير إلى انهيار على مستويات المجتمع والأمن والقانون"، مشددا على "ضرورة رسم خريطة طريق لإنهاء هذا الانفلات".
وأوضح عنوز أن "العراق وبسبب المشاكل الكثيرة التي تؤثر على المجتمع فيه، يتحول تدريجياً إلى أرضية خصبة لارتكاب الجرائم، وتصاعد أعدادها، بسبب التأثيرات السلبية لحالة الاحتقان اليومي الأمني والسياسي، وتردي الوضع الاقتصادي الذي يدخل الأسر في معاناة كبيرة، وتراجع مستوى التعليم، إضافة إلى انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات في شكل غير مسبوق"، منوها إلى أن "هناك حالة اجتماعية جديدة، لا تؤمن بالقانون، وأنها تظن أن ضعف الدولة يعني ممارسة الجرائم، بالتالي فإن استمرار هذا الضعف في الدولة، واستمرارها بالخضوع أمام إرادات الأحزاب، يغذي تواصل الجرائم".
أبرز المعالجات المطلوبة
عضو مفوضية حقوق الإنسان السابق في العراق، أنس أكرم محمد، دعا إلى اتخاذ جملة من الإجراءات لتقليل معدلات العنف والحوادث الجنائية:
- الحاجة إلى تعديل وتصويب القوانين التي تعاقب الجرائم المجتمعية كـ(قانون حماية الطفل، قانون مكافحة العنف الأسري، قانون مكافحة تجارة المخدرات والمؤثرات العقلية، قانون الاتجار بالبشر، قانون مكافحة الاختفاء القسري).
- تشديد العقوبات الواردة والمنصوص عليها في قانون العقوبات العراقي 111 لسنة 1969 المعدل، أو القوانين الخاصة بمكافحة الجرائم الواردة في الفقرة (ثالثاً) أعلاه لغرض وقاية المجتمع منها.
- منع الإفلات من العقاب لمرتكبي الجرائم الواردة في الفقرة (ثالثاً) تحت أي مسمى سياسي، أو حزبي أو حكومي أو عشائري أو مناطقي.
- تنفيذ الحكومة لالتزاماتها الدولية المنصوص عليها بالاتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان والتي وقعت عليها الدولة العراقية تباعاً.
- مواءمة الحكومة العراقية للتشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.
- تحمل المسؤولية التضامنية في صياغة وتنفيذ وإعادة النظر في السياسات العامة والبرامج التأهيلية والتوعوية والعلاجية والإيوائية لوزارات (العمل، الداخلية، الصحة، التربية، العدل، الهجرة والمهجرين، والأمانة العام لمجلس الوزراء)، فضلاً عن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في العراق.
- إعطاء دور أكبر لمؤسسات المجتمع المدني المحلية (المنظمات غير الحكومية، النقابات، الاتحادات، وغيرها).
- تعشيق العمل بين الأجهزة التنفيذية ذات الصلة بحقوق الإنسان، المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، ومؤسسات المجتمع المدني المحلي لصياغة - أو تطوير - تنفيذ برامج التأهيل المجتمعي والنفسي والقيمي.
- الاستفادة من تجارب المنظمات الدولية والأممية العاملة في العراق في تصميم - أو بناء - تنفيذ برامج التأهيل النفسي والمجتمعي وتحجيم تأثير الظواهر السلبية على المجتمع، وتقليل معدلات ومؤشرات العنف والحوادث الجنائية في العراق.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام