تتزامن زيارة رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع جملة من التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية على صعيد العلاقات بين البلدين من جهة، وعلى صعيد الأوضاع في المنطقة والتي تشهد توترا على خلفية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتداعيات ذلك الصراع وصولا إلى التصعيد الأخير بين إيران والاحتلال الإسرائيلي.

وأكد السوداني الذي وصل إلى العاصمة الأميركية أن زيارته تأتي في ظرف دقيق وحساس على مستوى العلاقات الثنائية الأميركية العراقية، وكذلك على مستوى ظروف المنطقة وما يحصل في فلسطين، فضلا عن المخاوف من اتساع نطاق الصراع.

وبحسب السوداني فإن "زيارته تهدف إلى الانتقال بالعلاقات مع الولايات المتحدة إلى مرحلة جديدة تتضمن تفعيل بنود اتفاقية الإطار الإستراتيجي المتماشية مع برنامج الحكومة الذي يركز على الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وكذلك على الشراكات المنتجة مع مختلف دول العالم".

وأكد أن "اللقاء بالرئيس بايدن، سيتناول البحث في ظروف المنطقة وما تشهده من تصعيد، والدور المشترك في العمل على التهدئة ومنع الصراع من الاتساع بما يؤثر على مجمل الاستقرار في العالم"، وأشار إلى أن "الزيارة ستبحث أيضا عمل اللجنة العسكرية العليا بين العراق والتحالف الدولي، والهادفة للوصول إلى جدول زمني لإنهاء مهمة التحالف والانتقال إلى علاقات ثنائية مع الدول المشاركة فيه".

ولفت رئيس مجلس الوزراء إلى أن "الزيارة ستشهد لقاءات مع وزراء الخارجية والدفاع والخزانة الأميركيين، فضلا عن مستشار الأمن القومي، وغرفة التجارة الأميركية وكبار المسؤولين في الشركات النفطية والصناعية".

وشدد السوداني على أن "الزيارة تحمل الرغبة في بناء شراكة استراتيجية مستدامة، قائمة على الاحترام المتبادل، وحفظ أمن العراق وسيادته ووحدة أراضيه".

ويرافق السوداني في زيارته الرسمية إلى واشنطن وفد حكومي ونيابي يضم عددا من الوزراء وأعضاء مجلس النواب والمستشارين، فضلا عن رجال أعمال وصناعيين متخصصين في مختلف القطاعات.

وستشهد الزيارة عقد الاجتماع الأول للجنة التنسيقية العليا المشتركة (إتش سي سي)، بهدف المضي في تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي، في محاور الطاقة، والتعاون المصرفي والمالي، والنقل، ومكافحة الفساد، واسترداد الأموال العراقية، وقطاع الأعمال، إضافة إلى التعليم والثقافة.

 

تفعيل الإطار الاستراتيجي

أكد المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي، أن زيارة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى واشنطن تستهدف تفعيل أطر التعاون التي تضمنتها اتفاقية الإطار الاستراتيجي.

وقال العوادي في تصريح تابعته شبكة "الساعة": إن "زيارة السوداني لواشنطن واحدة من أهم الزيارات في تاريخ العلاقات العراقية - الأميركية، وتستهدف تفعيل أطر التعاون في جميع المجالات، وهناك بنود كثيرة في اتفاقية الإطار الاستراتيجي لم تفعل بصورة صحيحة منذ أن وقع الاتفاق في العام 2008".

وأضاف، أن "العلاقات سابقاً كانت تقتصر على الجوانب الأمنية والعسكرية والآن هنالك مسعى لتحقيق قفزة في نوعية العلاقات الثنائية"، مبينا أن "الزيارة تستهدف تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي بجوانبها السياسية والاقتصادية والاستثمارية والمصرفية والطاقة والمناخ وما تبقى من بنود نستطيع استثمارها لتوسيع أطر التعاون".

 

زيارة اقتصادية بامتياز

مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون المالية مظهر محمد صالح أكد أن "زيارة السوداني ستفعل وبشكل واسع ولأول مرة الجانب الاقتصادي (الاستثماري والتنموي والتمويلي) من اتفاقية الإطار الاستراتيجي المبرمة بين البلدين منذ العام 2008".

وقال صالح إن "الزيارة ستركز على توفير الفرص الواعدة التي تستطيع الشركات الكبرى في الولايات المتحدة بموجبها المساهمة في مشاريع التنمية الاستراتيجية الكبرى في العراق سواء في طريق التنمية أو غيره، ولا سيما في حقلي الطاقة المتجددة والغاز والتكنولوجيا الرقمية ومشاريع اتحادية أساسية في مجالات النقل والاتصالات والزراعة والاستثمار في الموارد الطبيعية ومفاصل مهمة من الصناعة التحويلية".

وأوضح أن "التطورات الإيجابية في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة ستفتح صفحة أساسها العلاقات الاقتصادية المباشرة وفرص الاستثمار المنتج والتأسيس لعلاقات مصرفية رصينة بين البلدين تساعد على النماء والازدهار، وعلى أن تساهم السياسة الإصلاحية المصرفية القائمة اليوم بإضافة عنصر من عناصر القوة في العلاقات التمويلية بين البلدين".

وتابع صالح: أن "الجانب الاقتصادي (الاستثماري والتنموي والتمويلي) سيُفعّل للمرة الأولى بهذا الشكل الواسع من اتفاقية الإطار الإستراتيجي لكي ينسجم ومعطيات ومبادئ البرنامج الحكومي بما يخدم مصلحة الاستقرار والازدهار الاقتصادي في العراق".

 

الوجود العسكري الأمريكي

قبيل زيارة السوداني إلى الولايات المتحدة روجت جهات قريبة من الفصائل العراقية المسلحة إلى أن الزيارة ستبحث بشكل رئيس مستقبل الوجود العسكري الأمريكي وجدولة انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق.

منذ مطلع شباط/ فبراير الماضي، أعلنت الفصائل المسلحة في العراق وقف عملياتها العسكرية ضد القوات الأمريكية، مبررة ذلك بجملة من الأسباب، أبرزها منح حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الفرصة للتفاوض على إخراج القوات الأميركية من البلاد، ورهنت تلك الفصائل تمديد الهدنة ببدء الانسحاب الأمريكي من الأراضي العراقية".

الخبير والمحلل السياسي الناصر دريد استبعد أن يناقش السوداني والوفد المرافق له الوجود العسكري الأمريكي في العراق، على اعتبار أن هذا الملف أحيل في وقت سابق إلى لجنة مختصة من الجانبين، وهذه اللجنة لم تفرغ من أعمالها لغاية الآن.

وقال دريد في حديث لشبكة "الساعة": إن "زيارة السوداني لن تناقش ملف الوجود العسكري الأمريكي في العراق، لأن الموضوع أحيل في وقت سابق إلى لجنة خبراء من الطرفين، وأن هذه اللجنة لم تضع نتائجها النهائية بشأن بقاء تلك القوات من عدمه".

وأضاف: أن "ما يعزز هذا الرأي يظهر من طبيعة الوفد الذي يرافق السوداني والذي لا يضم قيادات عسكرية وأمنية، بل ركز على رجال الأعمال والاقتصاد والاستثمار".

 

3 ملفات رئيسية

لكن الباحث في الشأن العراقي نزار حيدر يرى أن هناك ثلاث ملفات رئيسية تهتم بها واشنطن، ويتركز عليها خلال زيارة السوداني.

وقال حيدر أن "أول تلك الملفات هو إعادة تنظيم علاقة العراق مع التحالف الدولي أي التواجد العسكري الأمريكي وغير الأمريكي في العراق، والملف الثاني المهم يتعلق بالإصلاحات المالية التي تنفذها حكومة السوداني، إذ ترغب واشنطن بالسيطرة على حركة الدولار، لأن واشنطن ترى أن العراق لا يقوم بما فيه الكفاية لوقف تهريب الدولار إلى إيران، وكذلك غسيل الأموال"، فضلاً عن "تمويل الإرهاب، في إشارة إلى الثروات التي تجمعها الفصائل المسلحة في العراق، بينما الملف الثالث يهتم باستقلال العراق في إنتاج الطاقة الكهربائية وخصوصا مسألة استيراد الغاز من إيران لإنتاج الطاقة أو استيراد الكهرباء من إيران مباشرة والذي يتعارض مع العقوبات التي تفرضها واشنطن على طهران".

 

نقطة توازن جديدة

من جهتها ترى الباحثة في مركز الأهرام للدراسات السياسية صافيناز محمد أحمد أن زيارة السوداني للولايات المتحدة فرصة لإعادة العلاقات الثنائية بين البلدين إلى نقطة توازن جديدة.

وقالت أحمد في مقال نشره مركز الأهرام إنه "في ظل المتغيرات الإقليمية الجديدة، الناتجة عن الحرب الإسرائيلية على غزة والتي باتت تضغط على المصالح الأمريكية في المنطقة نتيجة استهدافها من قبل الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق، أصبح من الضروري للولايات المتحدة التعامل بنمط أكثر مرونة مع العراق لتنظيم العلاقات الأمنية من ناحية، والارتباطات الاقتصادية من ناحية ثانية، ولا سيما مع ردة الفعل السياسية العراقية على الرد المقابل الذى كانت تقوم به القوات الأمريكية على استهدافات الفصائل المسلحة لقواعدها، الأمر الذي وضع رئيس الوزراء شياع السوداني في بؤرة الاستهداف السياسي من قبل قوى الإطار التنسيقي نفسه التي اتهمته بعدم القدرة على حماية سيادة الدولة من انتهاكات دولة أجنبية، وذهبت في ضغطها إلى ضرورة قيام الحكومة بجدولة زمنية لإنهاء مهام التحالف الدولي والوجود الأمريكي في العراق، عبر إعادة تفعيل عمل اللجنة العسكرية العليا المشتركة بين البلدين لوضع جدول زمنى يناقش جدياً سبل إنهاء هذا الوجود".

وأضافت: أن "هذا التطور في سياق العلاقات الأمريكية العراقية محاولات القوى السياسية والحكومة العراقية إنهاء الوجود العسكري الأمريكي ربما كشف عن احتمالية أن تفقد الولايات المتحدة إحدى أهم أوراق الضغط على إيران في المنطقة وهى العراق، أو على أقل تقدير، فقدان الولايات المتحدة حالة مواءمة المصالح -إن جاز التعبير-  التي كانت تمارسها مع إيران داخل العراق، والتي بدورها مكنت الأخيرة ولا سيما خلال فترة حكومة مصطفى الكاظمي السابقة وحكومة شياع السوداني الحالية، من تبني سياسات داخلية وخارجية توازن بين مصالح إيران ومصالح الولايات المتحدة على حد سواء، وهو توازن أتاح للحكومتين المذكورتين هامشاً من الحركة تم استغلاله في محاولات بناء شراكات عراقية خارجية متعددة سواء مع أوروبا أو مع العالم العربي، بل ومكن حكومة السوداني نفسها من لعب دور الوسيط الإقليمي في مرحلة ما لبناء حالة من التهدئة الإقليمية التي سادت الإقليم خلال الفترة السابقة مباشرة على عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، ونتج عنها عدة مصالحات إقليمية أبرزها تطبيع العلاقات السعودية الإيرانية".

وأشارت الباحثة في مقالها إلى أن "زيارة السوداني للولايات المتحدة فرصة لإعادة العلاقات الثنائية بين البلدين إلى نقطة توازن جديدة، لأن دور الفصائل المسلحة بقدر ما يمثل ضغوطاً على حكومة السوداني نفسها، بقدر ما يتيح لها فرصة التأثير في مسار العلاقات مع الولايات المتحدة سواء بإعادة جدولة حالة التواجد العسكري، أو بإعادة توظيف الملفات الاقتصادية التي تستخدمها واشنطن كورقة ضغط قوية على المصالح العراقية لديها، خاصة المتعلقة بأزمة سعر صرف العملة العراقية بالدولار الأمريكي وفقاً لما يقرره بنك الاحتياطي الفيدرالي، وهى الأزمة التي فرضت العديد من الضغوط الاقتصادية على العراق على مدار العامين الماضيين. ويمكن القول إن النقطة نفسها تستطيع الولايات المتحدة توظيفها في مواجهة الحكومة العراقية لحملها على بذل المزيد في سياق ضبط سلوك الفصائل المسلحة".