بعد أسابيع من الهدنة التي أعلنت في العراق بين الفصائل المسلحة والحكومة العراقية والتي تتضمن وقف الهجمات المسلحة ضد القواعد الأمريكية المنتشرة في العراق، تعود الفصائل مرة ثانية إلى الواجهة من خلال الإعلان المتكرر عن استهداف مواقع مهمة في العمق "الإسرائيلي".

وتأتي هذه الإعلانات والتي لم يعلق عليها الاحتلال الإسرائيلي لغاية الآن، بالتزامن مع محاولات الحكومة في بغداد برئاسة محمد شياع السوداني للتوصل إلى نتيجة مع واشنطن بشأن جدولة وتنظيم انسحاب القوات الأمريكية من العراق.

كما يتزامن التصعيد مع الإعلان عن زيارة مرتقبة للسوداني إلى الولايات المتحدة يبحث فيها بحسب المتحدث باسم الحكومة العراقية ملفات الانسحاب الأمريكي من العراق وتنظيم الشراكة الأمنية بين بغداد وواشنطن، إلى جانب تطورات الأوضاع الإقليمية وفي مقدمتها الأحداث في غزة.

 

إعلان الفصائل

ومنذ شهر آذار / مارس الماضي ولغاية الآن، أعلنت الفصائل المسلحة العراقية التي تسمي نفسها "المقاومة الإسلامية" تنفيذ 7 ضربات بالطيران المسير ضد مواقع حيوية في "إسرائيل" من بينها موقع وزارة الدفاع في تل أبيب.

الفصائل أعلنت أمس السبت 6 نيسان/ أبريل استهداف مصافي النفط الإسرائيلية في مدينة حيفا المحتلة بواسطة الطيران المسير.

وأوضحت الفصائل في بيان أن الضربة جاءت استكمالا للمرحلة الثانية لعمليات مقاومة الاحتلال، ونصرة غزة، وردا على المجازر الصهيونية بحق المدنيين الفلسطينيين العزل.

كما أعلنت الفصائل في الـ 30 من آذار / مارس الماضي استهداف موقع حيوي بالجليل شمال الأراضي المحتلة بالطيران المسيّر.

وأعلنت أيضا في 24 آذار الماضي استهداف مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية، في منطقة كرياه وسط تل أبيب، بالطيران المسيّر، وقالت الفصائل في بيان: إن "مجاهدي المقاومة الإسلامية في العراق، هاجموا بواسطة الطيران المسيّر، مبنى مقر وزارة دفاع الكيان الصهيوني بأراضينا المحتلة".

وفي السادس من آذار/ مارس الماضي، أعلنت الفصائل العراقية استهداف مطار حيفا الإسرائيلي بالطائرات المسيرة.

كما أعلنت الفصائل استهداف ذات المطار في الـ 20 من آذار الماضي، بواسطة الطيران المسير، وفق بيان لها.

وفي 21 آذار الماضي، أعلنت فصائل "المقاومة الإسلامية في العراق" استهدافها محطة لتوليد الكهرباء في تل أبيب بواسطة الطيران المسير.

وسبق أن أعلنت الفصائل العراقية استهداف قاعدة جوية لطيران الجيش الإسرائيلي المسير في بلدة الجولان السورية المحتلة بواسطة الطيران المسير.

 

قادة الفصائل يهددون

زعيم كتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي أكد على تحرك فصائل المقاومة في العراق لاستهداف الموانئ ومنشآته في البحر المتوسط، فضلا عن المصافي والقواعد العسكرية والمطار ومحطات توليد الكهرباء.

وقال الولائي عبر منصة "X": إن "المقاومة في العراق ركن أصيل وأساس من محور المقاومة في المنطقة"، وأشار إلى أن "الفصائل حددت الهدف الصعب" في إشارة إلى "إسرائيل" وأنها ستصل إلى هذا الهدف، حسب وصفه.

والشهر الماضي، أكد زعيم كتائب حزب الله، أبوحسين الحميداوي أن تعليق العمليات العسكرية ضد المصالح الأميركية في العراق ليس نهاية الأمر، محذراً من سماهم بـالمسيسين والضعفاء من التدخل في حيثيات عمل المقاومة.

والتقى الحميداوي عدداً من قيادات فصائل مسلحة في العاصمة الإيرانية طهران، شملت قادة فصائل في العراق وخارجه، وبحث معهم مستجدات الأوضاع وملف تعليق العمليات ضد واشنطن، بحسب بيان للكتائب.

 

فتح جبهة في الأردن

الأسبوع الماضي، أعلنت كتائب حزب الله العراقية أنها جهزت أسلحة وقاذفات ضد الدروع وصواريخ تكتيكية لمقاتلين في الأردن، تحت اسم المقاومة الإسلامية في الأردن.

وأشار المسؤول الأمني للكتائب أبو علي العسكري، الأسبوع الماضي في بيان إلى أن "المقاومة الإسلامية في العراق أعدت عدتها لتجهيز المقاومة الإسلامية في الأردن بما يسد حاجة 12 ألف مقاتل من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والقاذفات ضد الدروع والصواريخ التكتيكية وملايين الذخائر وأطنان من المتفجرات، لنكون يداً واحدة للدفاع عن إخوتنا الفلسطينيين".

وأعرب العسكري عن جهوزية المقاومة في العراق بالشروع في التجهيز، متابعاً "ويكفي في ذلك التزكية من حركة حماس أو الجهاد الإسلامي، لنبدأ أولاً بقطع الطريق البري الذي يصل إلى الكيان الصهيوني".

 

الهدنة في العراق

تؤكد الفصائل المسلحة العراقية أن هجماتها بتجاه العمق الإسرائيلي لا علاقة لها بالهدنة الخاصة بتعليق الهجمات ضد المصالح الأمريكية في العراق، وتشدد على أن تعليق العمليات ضد الجانب الأمريكي لا يعني وقفها ضد الاحتلال الإسرائيلي طالما أن الحرب في غزة لم تتوقف.

وفي 5 شباط / فبراير الماضي، أعلنت كتائب حزب الله العراقية وقف عملياتها العسكرية ضد واشنطن، مبررة ذلك بجملة من الأسباب، أبرزها منح حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الفرصة للتفاوض على إخراج القوات الأميركية من البلاد، وأعقب ذلك موقف مماثل للنجباء وسيد الشهداء، وفصائل أخرى تنضوي ضمن "المقاومة الإسلامية"، التي تنفّذ عمليات ضد الأميركيين في العراق وسوريا.

ومنذ الهجوم الإسرائيلي على غزة، تعرضت القواعد العسكرية التي تضم قوات أميركية في العراق أو سوريا إلى أكثر من 160 هجوماً من قبل الفصائل المسلحة، ولكن تلك الهجمات توقفت بعد التهديدات الأمريكية الصريحة باستهداف قيادات الصف الأول في الفصائل عقب هجوم استهدف معسكرا أمريكيا في المثلث العراقي السوري الأردني أسفر عن مقتل 3 عسكريين أمريكيين، وهو ما دفع الفصائل إلى الدخول في الهدنة بالتفاوض مع الحكومة العراقية وبضغط من قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال إسماعيل قاآني.

 

مصير الهدنة

الباحث في الشأن العراقي حيدر الموسوي يرى أن إعلان فصائل المقاومة ضرب الأهداف في العمق الإسرائيلي يعكس توجه ومنهج تلك الفصائل في المشاركة في الحرب الدائرة في غزة ضد العدوان الإسرائيلي، وأن تلك المشاركة لن تتوقف إلا بتوقف العدوان على القطاع.

وقال الموسوي في حديث لشبكة "الساعة": إن: الضربات الأخيرة لفصائل المقاومة نحو الأهداف الإسرائيلية لا دخل لها بالهدنة التي أعلنت مطلع الشهر الماضي"، مبينا أن "الفصائل تلتزم بموجب الهدنة بوقف عمليات التصعيد ضد القوات الأمريكية داخل الحدود العراقية فقط".

وأضاف: أن "الهدنة في العراق ذهبت باتجاهها الفصائل لأمرين، الأول هو رغبتها بفسح المجال أمام رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لإنهاء الدور القتالي للتحالف الدولي على اعتبار أن وجوده جاء بطلب من الحكومات السابقة، والأمر الثاني هو عدم رغبة الجزء الأكبر من قوى الفصائل في الدخول في المواجهة العسكرية المباشرة، حيث كانت جهتان تدفعان باتجاه التصعيد العسكري ضد القوات الأمريكية وهما كتائب حزب الله وحركة النجباء".

واستبعد الموسوي أن "تكون المرحلة المقبلة مرحلة تصعيد من الفصائل المسلحة مع الجانب الأمريكي، لأن  عملها ضد الجانب الإسرائيلي لا يأتي ضمن هدنة خفض التصعيد مع الجانب الأمريكي في العراق أساسا"، مبينا أن "السوداني يجيد التفاوض والتحاور مع الجانب الأمريكي ومن المتوقع أن يحقق خطوات نحو إنهاء الدور القتالي للقوات الأمريكية في العراق خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن منتصف شهر نيسان الجاري".

ولفت إلى أن "الفصائل المسلحة لا ترغب أغلبها بالتصعيد وهي جميعا تلتزم بالهدنة في العراق، كما أن إيران ورغم دعمها لمحور (المقاومة) لكنها لا تريد تصعيد الأمور في العراق وإحراجه"، منوها إلى أن "الفصائل  لا ترغب بالتصعيد المقبل مع الولايات المتحدة في حال استجابت لطلب بغداد بسحب قواتها القتالية تدريجيا"، مشيرا إلى أن الفصائل تدرك جيدا أن العراق يرتبط بشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة ولا ترغب بإنهاء تلك الشراكة ولكن تريد أن تكون القوات الأمريكية في العراق ضمن حدود التدريب والاستشارة"، حسب تعبيره.

 

الموقف الرسمي العراقي

وزير الخارجية العراقية فؤاد حسين، شكك في البيانات التي تصدرها المقاومة الإسلامية في العراق وتعلن فيها بين الحين والآخر شن هجمات تستهدف مناطق داخل إسرائيل.

وقال في مقابلة مع إذاعة صوت أميركا "قرأت البيانات الصادرة، ولكن الجانب الآخر (الاحتلال الإسرائيلي) لم يقل إنها صحيحة، وأنا لا أعرف هل هذه البيانات للاستهلاك الداخلي أو أنها حقيقية".

 

أين الرد الإسرائيلي؟

ولم ترد أي تقارير من جانب الاحتلال الإسرائيلي بشأن حقيقة هذه الهجمات من عدمها، أو ما إذا كانت تلك المسيرات وصلت إلى وجهتها أم لا.

في حين يشكك أكاديميون وناشطون عراقيون بحقيقة هذه الاستهدافات التي يصفونها بأنها مجرد استهدافات عبر منصات التلغرام، مؤكدين أن "هذه الاستهدافات تبقى في إطار محدود يتماشى مع الدعاية التي تروج لها الفصائل المدعومة من إيران بشأن الحرب على غزة دون أن تتورط فيها فعليا".

رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل أحد المشككين بجدية وواقعية الضربات التي تعلنها الفصائل العراقية والتي تستهدف الكيان الإسرائيلي.

وقال فيصل في حديث لموقع "الساعة": إن "عدم الرد الإسرائيلي على هجمات تعلنها الفصائل المسلحة وعدم تداول تلك الهجمات في وسائل الإعلام الإسرائيلية تعد مؤشرات على عدم واقعية تلك الهجمات على الأرض، وأنها مجرد هجمات إعلامية".

وأضاف: أنه "وفي حال كانت الهجمات قد نفذت من جانب الفصائل العراقية فذلك يعني أن الطائرات المسيرة المستخدمة في الهجمات أخطأت أو لم تصل إلى أهدافها في العمق الإسرائيلي كما تذكر تلك الفصائل في بياناتها"، مبينا أن "عدم وصول تلك الطائرات والصواريخ إلى أهدافها يؤكد الطريقة التقليدية البعيدة عن تقنية الأقمار الصناعية والتكنلوجيا الحديثة التي تستخدمها الفصائل في هجماتها".

 

دعاية كاذبة

الصحفي والباحث العراقي عمر الجنابي يؤكد أن إعلان الفصائل استهداف العمق الإسرائيلي مجرد أكاذيب إعلامية لا أساس لها من الصحة.

وقال الجنابي لشبكة "الساعة": إن "إعلان الفصائل استهدافها لمواقع حساسة داخل (إسرائيل) يأتي ضمن محاولة للفت الأنظار نحو الفصائل على اعتبار أنها الجزء المهم في معركة غزة، فيما الواقع يؤكد أنها لا دخل لها من قريب أو بعيد في تلك المعركة".

وأضاف الجنابي: أن "معركة غزة وبعد 6 أشهر على بدايتها شهدت على تملص ما يسمى محور المقاومة من المواجهة مع إسرائيل، حيث إن فصائل المحور فتحت جبهات في جميع الاتجاهات باستثناء الاحتلال الإسرائيلي".

وأشار إلى "تصريحات قيادات الفصائل ومنها تصريح الولائي الأخير بشأن استهداف العمق الإسرائيلي دعايات غير صحيحة، تحاول كسب الجمهور والشارع، ونوه إلى أن إعلان الفصائل مخالف للمنطق والواقع، فكيف لفصائل المقاومة العراقية اختراق العمق الإسرائيلي والوصول إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية ومواقع حساسة أخرى، بينما تعمل منظومة القبة الحديدية على التصدي لأغلب الهجمات الصاروخية التي تنفذها المقاومة الفلسطينية من غزة"، مبينا أن "تلك الهجمات لو كانت حقيقية ونفذت واستهدفت تلك الأهداف لكان الاحتلال الإسرائيلي رد على تلك الفصائل بضربات جوية قوية كما تفعل في سوريا من خلال استهداف مواقع الحرس الثوري الإيراني".

وشدد الجنابي على أن "الفصائل العراقية غير صادقة في دعوى دعم المقاومة الفلسطينية والمواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي"، لافتا إلى أن "التدقيق في بيانات الفصائل وتسجيلاتها المصورة سيظهر زيف ادعاء تلك الفصائل كما سيظهر سخرية كبيرة على إعلان استهداف العمق الإسرائيلي، فتلك الإعلانات لا تعدو كونها إعلانات عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل ولا أساس لها في الواقع"، حسب تعبيره.

 

تبرير الحفاظ على الأسلحة

فيما يرى رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري أن إعلان الفصائل تنفيذ هجمات ضد الاحتلال الإسرائيلي يأتي ضمن سياستها لتبرير حفاظها على أسلحتها.

وقال الشمري في حديث لشبكة "الساعة": إنه "لو فرضنا صحة استهداف الفصائل العراقية لإيلات ومواقع إسرائيلية أخرى، فإنها محاولة مفادها أنها لم تتخلَّ عن نهجها في المقاومة، وأيضاً جزء من عملية تدعيم عقيدتهم المناهضة لإسرائيل".

وأضاف: أن "تلك المحاولات قد تعطي مبرراً لاحتفاظ الفصائل بأسلحتها، وهو أيضاً جزء من مسعى لإرغام الاحتلال الإسرائيلي على عدم التمادي في حربها ضد (حزب الله) اللبناني".