تصاعدت خلال الفترة الأخيرة وتيرة التضييق على الحريات واستهداف أصحاب الرأي والصحفيين والمدونين العراقيين، على الرغم من تأكيد الحكومة الحالية برئاسة محمد شياع السوداني والحكومات السابقة في برامجها على حماية الحريات العامة في البلاد.

وما يثير المخاوف في أوساط الصحفيين والمدونين والناشطين العراقيين هو ملاحقتهم عبر السلطات والتضييق عليهم، دون أن يصدر منهم أي مخالفة للقوانين النافذة في البلاد، وذلك برأيهم يؤسس إلى دكتاتورية جديدة تمارس في ظل طبقة سياسية طالما شكت وتظلمت من ذات الأفعال التي كانت تمارس ضدهم قبل 2003.

آخر تلك المضايقات تمثلت بحجب القناة الرسمية في العراق مذيعة من الظهور على خلفية انتقادها لرفع أسعار الوقود.

المذيعة آن صلاح المستهدفة بعقوبة إدارية، والتي تقدم برنامجاً ترفيهياً على قناة العراقية الحكومية قالت في منشور على منصة "إنستغرام": إن "إدارة القناة حققت معها على خلفية منشور في منصتها الشخصية بموقع للتواصل الاجتماعي انتقدت فيه قرار رفع سعر وقود السيارات".

وفيما أشارت إلى أن "التحقيق انتهى خلال 24 ساعة بإيقاف برنامجها ومنعها من الظهور العلني"، أوضحت أن "قرار القناة شمل أيضاً نقلها إلى الإذاعة"، في شبكة الإعلام العراقي.

وسبق لصلاح أن كتبت منشورا عبر منصات التواصل جاء فيه: إن "بناء 4 جسور ونفقين كلف العراقيين حتى الآن زيادة في أسعار الوقود في بلد يغرق بزختي مطر".

وسبق للسلطات العراقية أن اعتقلت المدون ياسر الجبوري، في فبراير/شباط الماضي، استناداً إلى المادة 226، على خلفية منشور تحدث فيه عن تعيين أقرباء كبار المسؤولين في الحكومة العراقية.

وخلال شهر آذار/ مارس الجاري، اعتقلت قوة أمنية رئيس مؤسسة الميثاق للديمقراطية في مدينة الموصل، على خلفية منشور في مواقع التواصل تضمن نقدا لوزير الثقافة أحمد فكاك البدراني بسبب غياب التنظيم الجيد لمهرجان الحضر الدولي.

وعلى خلفية المنشور تقدم وزير الثقافة بشكوى لدى القضاء العراقي، وبسببها صدر أمرا بالقبض على الناشط سعد عامر، وتم توقيفه ثم أفرج عنه بكفالة مالية قدرها 5 ملايين دينار عراقي.

 

ملاحقة الصحفيين وأصحاب الرأي

وأكدت منظمات حقوقية رصدها لعشرات حالات استهداف الناشطين والإعلاميين وأصحاب الرأي عبر الدعاوى القضائية الكيدية التي يتقدم بها المسؤولون الحكوميون بسبب تعرضهم للنقد في مواقع التواصل الاجتماعي.

وتعليقا على العقوبة الأخيرة التي طالت الصحفية في قناة العراقية، استنكر مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية، الإجراء الذي اتخذته شبكة الإعلام العراقي بحق الإعلامية "آن صلاح" بحجبها عن الظهور في شاشة قناة العراقية عقوبة على منشور "ستوري" عبر صفحتها في الانستغرام انتقدت فيه غلاء المعيشة في البلاد.

وقالت المركز في بيان نشره: إنه "في الوقت الذي نتضامن فيه مع الصحفية آن صلاح وبقية الزملاء الذي يتعرضون لمثل هذه الإجراءات، فإننا نطالب المكلف بتسيير أعمال شبكة الإعلام العراقي الصحفي كريم حمادي بمساندة ودعم زملائه وتصحيح الأخطاء السابقة في الشبكة والتراجع عن هذا القرار وعدم ملاحقة الصحفيين ومعاقبتهم بسبب منشوراتهم ومواقفهم على التواصل الاجتماعي التي كفلها القانون والدستور ضمن حرية الرأي والتعبير".

 

تعديل برلماني

والأسبوع الماضي، أجرى البرلمان تعديلاً على المادة 226، يشدد فيها على حصانة النائب بصفته ممثلاً للشعب، كما صوت ضمن التعديل على الاشتراط على المواطنين التعبير عن آرائهم في حدود "النقد البنّاء"، وبقصد "تقويم أداء السلطات أو إبداء المظلومية".

وتنص المادة 226 على أنه "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على 7 سنوات أو بالحبس أو الغرامة من أهان بإحدى طرق العلانية مجلس النواب، أو الحكومة أو المحاكم أو القوات المسلحة أو غير ذلك من الهيئات النظامية أو السلطات العامة أو المصالح أو الدوائر الرسمية أو شبه الرسمية".

 

تحول القوانين إلى أداة استهداف سياسي

الباحث والكاتب العراقي يحيى الكبيسي وصف القوانين النافذة التي تتعامل مع ملف حرية التعبير في العراق بالقوانين الشمولية، مؤكدا أن الطبيعة الذهنية للنخب السياسية العراقية لا تجد في للقوانين الشمولية أي تناقض مع الديمقراطية.

وقال الكبيسي في مقال منشور في صحيفة الشرق الأوسط وتابعته شبكة "الساعة": إن "الغالبية العظمى من القوانين التي لا تزال نافذة في العراق بعد عام 2003 هي قوانين شُرعت في ظل أنظمة شمولية، ولم يسع أحد بعد سقوط نظام البعث، إلى إلغاء هذه القوانين، أو تعديلها، بوصفها لم تعد صالحة للعمل في سياق نظام ديمقراطي مفترض".

وأضاف: أن "المشرع العراقي عند تقديمه مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي الذي يناقش حاليا في مجلس النواب، يستنسخ المادة 372 كاملة من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 بجميع فقراتها، والتي تم تعديلها في العام 1995 كي يمعن في مناهضة حرية التعبير والرأي من جهة، ولغرض استخدام هذه المواد الفضفاضة القابلة للتأويل، في معاقبة منتقدي النظام ومعارضيه وفق القانون من جهة أخرى".

وبشأن التعديل البرلماني على القانون 226 قال الكبيسي إن "القوانين في العراق تحولت إلى أدوات للاستخدام السياسي، وتحكم الفكر الشمولي بنسخته الزبائنية، في تشريع تلك القوانين. وهي بعيدة تماما عن كونها رديفا للعدل ودعامة أساسية للديمقراطية".

وانتقد الكبيسي بشدة التعديل البرلماني على القانون الخاص بحرية التعبير، وأشار إلى أنه "وبعيدا عن ركاكة الصياغة القانونية، فالمادة لا تعرف معنى الإهانة من الأصل، وهي تحصن كل سلطات الدولة البطريركية/ الأبوية، وليس الديمقراطية، من أعلاها إلى أدناها من فعل غير معَرَّف! وكل ما فعله هذا التعديل أنه عدل الحكم من السجن 7 سنوات، إلى الحبس لمدة تصل إلى 5 سنوات!".

وأوضح أن "الفقرة الثانية هي تجسيد للعبث، فالذي سيقرر أن قولا أو فعلا ما هو إهانة أو أنه لا يعد إهانة هو القاضي وحده، ومن خلال سلطة تقديرية مطلقة، فهو سيقرر أن القول أو الفعل المعين هو إهانة تستوجب الحبس أو أنه قول أو فعل لا يعد إهانة بل جاء في إطار حرية التعبير عن الرأي في حدودها الدستورية والقانونية العائمة وغير المحددة أصلا"، لافتا إلى ذلك يعني أن "التعديل أسوأ بكثير من النص السابق؛ حيث أعطيت للقاضي سلطة مطلقة في تكييف الفعل، خاصة في سياق قضاء (غير مهني) بشكل مطلق، وهو ما سيجعل هذه المادة سيفا مسلطا يكرس سلطة القضاء الذي تغول بشكل منهجي في العراق، وتحول إلى لاعب سياسي يحظى بسلطة مطلقة وحصانة مطلقة".

وأضاف التعديل البرلماني على القانون 226 من قانون العقوبات، فقرة إلى المادة تنص على أنه لا تعد إهانة كل "قول أو فعل يمارس في إطار حرية التعبير عن الرأي بحدودها الدستورية والقانونية، أو حق نقد السلطات العامة بقصد تقويم الأداء أو إبداء المظلومية".

 

النقد والانتقاد

ومع هذه التعديلات، يرى الخبير القانوني علي التميمي ضرورة التفريق بين النقد البناء والهادف والانتقاد الذي يراد منه الاستهداف ويتضمن السب والقذف، مؤكدا ضرورة إنشاء قسم خاص في هيئة الاعلام والاتصالات يضم عددا من المختصين في الإعلام والقانون لمراقبة ما يتم نشره وتحديد ما يشكل جريمة يتوجب الإحالة إلى المحكمة المختصة من عدمه.

وقال التميمي لشبكة "الساعة": إنه "لا يوجد تعريف واضح للفرق بين النقد والانتقاد وهو المهم مع الاستخدام الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، في حين نلاحظ أن قانون العقوبات ميز بشكل واضح بين السب والقذف والتشهير".

وأضاف: أن "النقد يراد منه الإصلاح والتقويم والخير في حين أن الانتقاد هو لوم وكشف المستور ونشر الغسيل، والنقد يخلو من ركن الجريمة المعنوي الذي هو أساس جرائم السب والقذف والتشهير ، في حين إن الانتقاد هو إسناد واقعة لشخص إذا صحت جعلته موضع ازدراء في قومه، والنقد هو حسن النوايا وهو ظاهر الخير والانتقاد يخالف العادات والتقاليد والأعراف السائدة، والنقد به حسن النية مفترض وهو ستر الآخرين والمساعدة بمد يد العون أما الانتقاد فهو محاولة إغراق الآخرين في الأوحال وهو هروب من الواجب، ومع ذلك هناك خيوط فاصلة بين الاثنين تحتاج إلى الدقة في التمييز".

 وبين أن "المعيار بين الاثنين هو كل ما يشكل جريمة، فما يشكل جريمة هو الانتقاد الذي يعاقب عليها القانون وعكسه النقد الذي هو في السليم، ومع ذلك لا يرى الفرق من الرائي بسهولة إلا بمعرفة نوايا القصد الجنائي والذي يظهره التحقيق".

وتابع التميمي: أن "الأمر الثاني المهم هنا هو جهة الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك ضرورة لإنشاء قسم خاص في هيئة الإعلام والاتصالات يكون بمثابة تعديل لقانون 65 لسنة 2004 ويضم هذا القسم عددا من المختصين في الإعلام والقانون، ويتولى مراقبة ما ينشر، وفي حالة ما يشكل جريمة يتم إحالته إلى المحكمة المختصة حسب الاختصاص المكاني".

واستدرك الخبير القانوني: أن "قانون العقوبات عاقب في المادة 403 منه بالحبس لمدة سنتين وبالغرامة على النشر الهابط وأرى أن العراق يحتاج إلى تشريع قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية ليكون حلا لمثل هذه الجرائم الشائعة ".

 

غموض النصوص القانونية

إلى ذلك أكد الباحث السياسي مصطفى العبيدي أن غياب النصوص الواضحة في تحديد ما هو مخالف للقانون من عدمه يفتح الباب أمام المزيد من حالات الاستهداف لأصحاب الرأي والصحفيين والناشطين.

وأشار العبيدي في حديث لشبكة "الساعة" إلى أن العراق يشهد تراجعا واضحا في مجال حرية التعبير، ويظهر ذلك واضحا من خلال تصاعد وتيرة الاستهداف لأصحاب الكلمة والرأي تحت تهم القذف والسب والإساءة لمؤسسات الدولة.

وأكد العبيدي أن "البرلمان العراقي ومن خلال التعديلات الأخيرة فاقم التضييق على حرية التعبير"، لافتا إلى أن "الصحفيين والناشطين كانوا خلال السنوات السابقة هدفا للتنظيمات الإرهابية والميليشيات الخارجة عن القانون، لكنهم اليوم أصبحوا هدفا يلاحقه المسؤولين عبر القضاء والقوانين غير الواضحة والفضفاضة".