أثار قرار مجلس الوزراء العراقي القاضي برفع أسعار الوقود موجة رفض وانتقادات شعبية واسعة، إذ وصف القرار بأنه استهداف مادي غير مبرر لشرائح المجتمع المختلفة ومنها الطبقة الفقيرة، فيما حذر آخرون من أن هذه الزيادة قد تنذر بتفجر احتجاجات قريبة بسبب تفاقم الضغوطات الاقتصادية والمادية على المواطنين وسط ضعف في الخدمات وغياب رؤية حكومية واضحة لمعالجة الأزمات المتراكمة في البلاد.

وقرر مجلس الوزراء العراقي الثلاثاء 26 آذار/ مارس، رفع أسعار وقود السيارات بنسبة نحو 30% للبنزين "المحّسن"، وبنسبة 25% للبنزين المعروف بـ"السوبر".

وصوت المجلس على زيادة سعر البنزين "المحّسن" من 650 ألف دينار للتر الواحد إلى 850 دينار للتر، والبنزين "الممتاز" من 1000 دينار إلى 1250 دينارا للتر الواحد، اعتبارا من 1 أيار/ مايو المقبل.

كما قرر مجلس الوزراء جملة إجراءات من بينها رفع الرسوم على استيراد السيارات ورسوم تسجيل السيارات، وتعديل أوقات الدوام الرسمي في مؤسسات الدولة، إلى جانب رفع أسعار الوقود، في محاولة للتخفيف من الاختناقات المرورية ولا سيما في العاصمة بغداد.

 

رفض شعبي

وقابل الشارع العراقي قرار مجلس الوزراء برفع أسعار الوقود بالرفض التام، فيما أكد سائقو سيارات الأجرة وأصحاب الدخل المحدود أنهم من بين المتضررين بالقرار عكس ما تقول السلطات الحكومية.

أحمد عبد الغني كاسب ومالك سيارة في بغداد يقول إن "قرار رفع أسعار البنزين سيلحق الضرر بشرائح المجتمع المختلفة على اعتبار أن نسبة كبيرة من سواق السيارات يستخدمون البنزين المحسن أو الممتاز لتجنب أي عطلات أو مشاكل فنية في محركات السيارات بسبب رداءة نوعية البنزين العادي".

وأشار في حديث لشبكة "الساعة" إلى أن القرار يفاقم مشاكل المواطن العراقي اليومية، المتمثلة بارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية، وارتفاع تكاليف الإيجار والأدوية والمدارس وغيرها من تكاليف الحياة اليومية.

بينما يقول عمار محمود سائق سيارة أجرة من مدينة تكريت بمحافظة صلاح الدين: إن "سيارات الأجرة (التكسي) ستتأثر سلبا برفع أجور وقود السيارات، على اعتبار أن الكثير من أصحاب سيارات الأجرة يتجنبون البنزين العادي الذي يسبب مشاكل في سياراتهم".

وأضاف في حديث لشبكة "الساعة": إن "سائقي السيارات التكسي يواجهون مشكلة كبيرة تتمثل بعطل السيارات جراء استخدام البنزين العادي أو دفع تكاليف مرتفعة للتزود بالوقود المحسن".

أما كاظم الكريطي الموظف في جامعة كربلاء فيرى أن "القرار يلحق الضرر به وبشريحة الموظفين، على اعتبار أن الارتفاع في أسعار الوقود من قبل الدولة لم يقابله ارتفاع في معدلات الأجور والرواتب التي تطلقها الدولة، وهذا سيؤدي إلى وقوع الموظفين في مشاكل اقتصادية عدة".

 

خسائر بسبب دعم الوقود

من جانبها، أكدت لجنة النفط والطاقة البرلمانية أنها ستتابع القرار الصادر عن مجلس الوزراء القاضي برفع أسعار البنزين، والتأكد من عدم إضراره بالطبقات الفقيرة، مشددة على أنها ستتحرك وتسائل الحكومة وتعمل على إلغاء تلك الزيادة في حال ثبت لديها تضرر الشرائح المجتمعية الأضعف.

وقال عضو اللجنة النائب علي شداد في حديث لشبكة "الساعة": إن "قرار رفع أسعار بعض أنواع وقود السيارات (المحسن) و (السوبر) لن يؤثر على أصحاب الدخل المحدود والطبقات الفقيرة لأن أسعار البنزين العادي بقيت كما هي بسعر 450 دينارا للتر، كما أن أسعار زيت الغاز والغاز باقية دون ارتفاع".

وأضاف: أن "لجنة النفط والطاقة ستدرس تطبيق القرار في الفترة المقبلة وإذا ما وجدت أنه أثر سلبا على الطبقات محدودة الدخل فإنها ستتحرك لاستضافة مسؤولي وزارة النفط ومسؤولين حكوميين من أجل إعادة النظر بالزيادة المفروضة".

ولفت شداد إلى أن "قرار مجلس الوزراء يأتي في محاولتها لوقف استيراد وقود السيارات والاعتماد على الوقود المنتج محليا، كما أنه يأتي امتثالا لشروط البنك الدولي لدعم العراق ماليا.

وأكد شداد أن "الدولة العراقية كانت تخسر سنويا مبالغ كبيرة بسبب تمويل أسعار الوقود حيث أن الدولة كانت تستورد لتر البنزين بسعر 90 سنتا أي ما يعادل 1250 دينار، وتبيعه للمواطن بسعر 650 دينارا، أي بخسارة تقدر 550 دينار للتر الواحد".

ولفت عضو لجنة النفط والطاقة البرلمانية إلى أن "قرار رفع أسعار بعض أنواع البنزين قد يكون له مردود إيجابي في بعض الجوانب ومنها خلق حالة من التوجه نحو مصادر الوقود الأخرى كالغاز الذي يعد سعره رخيص جدا مقارنة بأسعار البنزين، إضافة إلى البحث عن بدائل للطاقة كالطاقة الكهربائية والشمسية وغيرها وهي ستساهم أيضا في تحقيق التزامات العراق تجاه ملف أزمة المناخ وخفض مستويات التلوث.

 

دعوات برلمانية للتحقيق

وفي أول موقف برلماني ضد قرار الحكومة، وجهت البرلمانية سارة الصالحي طلبا إلى رئاسة البرلمان للتحقيق مع الحكومة بشأن قرار رفع أسعار الوقود.

وقالت الصالحي في كتاب موجه إلى رئيس البرلمان بالإنابة محسن المندلاوي: إنه "نظرا لتزايد أسعار الوقود وأثره الكبير على معيشة المواطنين، وخاصة الشرائح الأكثر ضعفا في المجتمع تقتضي الضرورة تشكيل لجنة برلمانية خاصة تتولى مهمة مساءلة الحكومة ووزارة النفط بشأن رفع أسعار الوقود وتداعياته على الشرائح الاجتماعية والاقتصادية في جميع المحافظات لمعرفة الأسباب وراء هذا الارتفاع المفاجئ وتقديم الحلول المناسبة لتخفيف الأعباء عن المواطنين".

وتضمن كتاب النائب سارة الصالحي مقترحا بإجراء تحقيق شامل لتحليل أسباب رفع أسعار الوقود وتقديم تقرير نيابي مفصل عن الأسباب والعوامل التي أدت إلى هذا القرار وعرضه للرأي العام، وإلزام الجهات المعنية بتوضيح سبب القرار وآثاره المتوقعة واقتراح سياسات وإجراءات بديلة للحفاظ على استقرار أسعار الوقود وتقليل تأثيرها على الشرائح الاجتماعية الأضعف.

 

خسارة مليار دولار سنويا

من جهته يؤكد الخبير الاقتصادي والنفطي نبيل المرسومي أن العراق يخسر سنويا نحو مليار دولار بسبب دعم أسعار الوقود المحسن.

وقال المرسومي في حديث لشبكة "الساعة": إن "أسعار البنزين ترتبط بدرجة كبيرة بأسعار النفط الخام، إذ بلغ سعر لتر البنزين المحسن عام 2021 نحو 1000 دينار لكل لتر وهو ما أدى إلى تحمل العراق لخسارة سنوية مقدارها أكثر من مليار دولار لدعم سعر البنزين المحسن داخليا".

واستبعد المرسومي أن "يكون لقرار رفع أسعار الوقود الأخير أي تأثير على كلفة نقل الأشخاص والبضائع وكذا الحال بالنسبة للأسعار النهائية للسلع مادام سعر البنزين العادي وزيت الغاز  الذي تستخدمه معظم سيارات النقل لم يتغير"، مبينا أنه "خلال حكومة الكاظمي كان سعر اللتر من البنزين المحسن 850 دينارا، ولكن وزارة النفط وبسبب انخفاض أسعار النفط عام 2020 قامت بتخفيض سعر اللتر من البنزين إلى 650 دينارا لكل لتر.

 

إجراء انتقامي خاطئ

الباحث في الشأن الاقتصادي عمر الحلبوسي يؤكد أن رفع أسعار الوقود سيلقي بظلاله السلبية على المواطن العراقي خلال المرحلة المقبلة.

وقال الحلبوسي في حديث لشبكة "الساعة": إن "قرار رفع أسعار الوقود يؤثر على قطاعات متعددة منها قطاع النقل والمواصلات الذي ترتبط به حياة المواطن وهذا بالتالي سوف يلقي بظلاله على المواطن العراقي وسيثقل كاهله بأسعار كبيرة على وقع التراجع الاقتصادي الكبير الذي يمر به العراق، فضلا عن تضخم كبير في أسعار المواد وبالتالي سوف يؤدي إلى تفاقم أزمة الركود في الأسواق وحدوث ركود تضخمي ستكون له انعكاسات سلبية على الاقتصاد والمواطن وهو ما سيؤدي إلى انفجار شعبي ناقم على مثل هذه القرارات التي تضغط على المواطن".

وأضاف الحلبوسي: أن "قرار الحكومة العراقية الأخير قرار خاطئ وغير مدروس ولا يشكل جدوى اقتصادية، بل على العكس سلبياته أكثر من إيجابياته، وأن الحكومة بعد فشلها بتنفيذ الموازنة جراء تضخيم النفقات التشغيلية بشكل مرعب وحدوث عجز كبير تحاول الآن أن تسد جزءًا من العجز في الموازنة من خلال رفع أسعار الوقود"، مبينا أن "هذه الخطوة لن تنجح كونها ستواجه برفض جماهيري لأن عملية الضغط على المواطن وصلت لمرحلة الذروة، إذ كان جديرا بالحكومة أن تقوم بتنشيط القطاع الزراعي والصناعي والخاص لتحقيق التنوع في مصادر الإيراد لكنها تخشى مثل هذه الخطوة كون هذه القطاعات معطلة بفعل التدخل الإقليمي، لذلك تم اللجوء إلى تعميق أزمات المواطن وزيادة معاناته من قبل الحكومة".

وبشأن ارتفاع أسعار الوقود مع تراجع قيمة الدينار من جهة وعدم الزيادة في معدلات الأجور والرواتب، أشار الحلبوسي إلى أن "ذلك يفسر على أنه إجراء رفع أسعار الوقود هو إجراء انتقامي من الشعب"، لافتا إلى أن "القرارات الصادرة عن الحكومة في المجال المالي والاقتصادي ساهمت بزيادة معدلات الفقر من خلال إدخال فئات كانت فوق هذا المعدل"، منوها إلى أن "القرارات المتراكمة بكل انعكاساتها السلبية من تدني الأجور وتراجع قيمة الدينار العراقي وتضخم الأسعار وزيادة الغرامات والضرائب وآخرها رفع أسعار الوقود والتي جميعها ستفاقم من أزمة الفقر وسحق طبقات كثيرة في المجتمع العراقي".