لم يتفاجأ الكثيرون في العراق بتبرئة قاتل الخبير الأمني العراقي هشام الهاشمي وإطلاق سراحه، فالنتيجة هذه برأيهم كانت متوقعة في ظل غياب المحاكمات العادلة في العراق إلى جانب نفوذ الأحزاب والفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة المختلفة.
وكالة رويترز كشفت مؤخرا عن قيام محكمة عراقية بتبرئة ضابط شرطة أدين في السابق وحكم عليه بالإعدام لقيادته مجموعة قتلت بالرصاص المحلل والمستشار الحكومي المعروف هشام الهاشمي قبل أكثر من 3 سنوات في بغداد.
وقالت الوكالة إن "محكمة في بغداد أصدرت الحكم بعد إعادة المحاكمة الأربعاء الماضي"، ونقلت عن أحد محاميي محكمة الجنايات الذي حضر الجلسة، إن "المحكمة أسقطت التهم الموجهة إلى الملازم أول في الشرطة أحمد حمداوي الكناني لعدم كفاية الأدلة"، وقالت إن "اعترافاته السابقة لا تصلح للإدانة".
وقال محامي الكناني لرويتز: إن "المتهم نفى جميع التهم الموجهة إليه، ووجد القضاة أنه لا يوجد أساس قانوني لتوجيه الاتهام إليه فقرر إطلاق سراحه ما لم يكن مطلوبا في قضية أخرى".
واغتيل الهاشمي الذي عرف بتقديم المشورة للحكومة في الحرب على تنظيم داعش والحد من نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران، بهجوم مسلح أمام منزله بمنطقة زيونة في بغداد في السادس من يوليو 2020.
هل عاد الكناني لعمله في الداخلية؟
وبحسب مصادر إعلامية عراقية فإن ضابط الشرطة أحمد الكناني الذي أعلن القضاء براءته عاد إلى عمله في مؤسسات وزارة الداخلية.
وحاولت شبكة "الساعة" التأكد من هذه المعلومة مع وزارة الداخلية، لكن المتحدث باسم الوزارة العميد مقداد الموسوي أكد عدم علمه بالموضوع دون المزيد من التفاصيل.
وعقب اغتيال الهاشمي، تعهد رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي بملاحقة قاتلي الهاشمي ومحاكمتهم، فيما أعلنت وزارة الداخلية اعتقال منفذ الهجوم الذي اعترف بأن فصيلا مسلحا دفعه لتنفيذ العملية مقابل المال.
ولم تعلن السلطات العراقية عن اسم الجهة التي تقف وراء الاغتيال، واكتفت بالقول إن الكناني ينتمي إلى "جهة خارجة عن القانون"، فيما أشارت مصادر حكومية إلى أن "الفصيل الذي ينتمي له المتهم هو كتائب حزب الله في العراق".
تمهيد للبراءة
وتأجلت جلسات الحكم على قاتل الهاشمي لعشر مرات، وفي السابع من مايو / أيار 2023، قضت محكمة جنايات الرصافة في بغداد بالإعدام على ضابط الشرطة المتهم بتنفيذ عملية الاغتيال أحمد الكناني، قبل أن تلغي محكمة التمييز العراقية حكم الإعدام في العاشر من أغسطس / آب، حيث أعادت القضية إلى محكمة التحقيق.
وبررت المحكمة قرار نقض حكم الإعدام حينها إلى أن اللجنة التي تولت التحقيق في القضية، وهي اللجنة الـ29 التي تشكلت خلال الحكومة السابقة برئاسة مصطفى الكاظمي من أجل مكافحة الفساد وتم حلها في 2022 ليست لديها أي صلاحيات قانونية للتحقيق في الجريمة.
نفوذ الفصائل
وبالرجوع إلى قرار القضاء بتبرئة المتهم بقتل الهاشمي، أكد معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن إطلاق سراح الكناني وتبرئته يكشف عن مدى خضوع القضاء في العراق لنفوذ الجهات المسلحة القريبة من إيران.
وقال معهد واشنطن: إن "أحد قتلة المحلل السياسي العراقي هشام الهاشمي تمت تبرئته من الجريمة، بعد ضغوط مارستها الفصائل المسلحة ولاسيما كتائب حزب الله التي يرتبط بها المتهم أحمد الكناني".
وأضاف في تقرير منشور على موقعه الخاص: أن "الكناني اختفى بعد تغيير الحكومة في تشرين الأول/أكتوبر 2022، عندما صادق ائتلاف الإطار التنسيقي الذي يضم كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق على حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني"، ونوه إلى أن "المتهم لم يكن حاضراً عندما حكمت محكمة جنايات في بغداد عليه بالإعدام غيابياً في 7 أيار/مايو 2023".
وأوضح أن "الحكومة العراقية لم تسع لإعادة القبض على المتهم الذي كان يتواجد خارج العراق وربما في لبنان، بسبب الضغط الذي مارسته كتائب حزب الله"، وأشار إلى أن "نفوذ الكتائب في مؤسسة القضاء دفعها إلى تمييز حكم الإعدام وإعادة القضية إلى محكمة ذات درجة أدنى لإعادة المحاكمة".
وتابع المعهد: أن "الكناني عاد قبل أسبوع من قرار القضاء الخاص ببراءته من التهم المنسوبة إليه، وقد تم نقل الكناني مرة أخرى إلى خارج العراق عبر مطار بغداد من قبل فريق أمني تابع لقوات الحشد الشعبي".
الفصائل تصوغ مستقبل العراق
وأعاد معهد واشنطن نشر مقال للأكاديمي البريطاني توني دودج تساءل فيه عقب اغتيال الهاشمي، عن الجهة التي تصوغ مستقبل العراق، هل قوات القانون والنظام المؤسسية والشرطة والقوات المسلحة العراقية أم الفصائل المسلحة؟
وأجاب المعهد في تقريره عن هذا السؤال بالقول: إنه "من المؤسف أن الإجابة واضحة للغاية وهي: أن الفصائل المسلحة المدعومة من إيران تصوغ مستقبل العراق في ظل حكومة السوداني".
وختم المعهد تقريره بالقول: إن "كتائب حزب الله خرجت منتصرة في قضية الهاشمي، فإلى جانب إدراجها على اللائحة الأمريكية كمنظمة إرهابية فإنها شريكة في الائتلاف مع السوداني من خلال كتلة حقوق التابعة لها في مجلس النواب وبالإضافة إلى ذلك، تشكل هذه الجماعة جزءاً من قوات الحشد الشعبي التي يقودها السوداني، وهي جهاز حكومي يتلقى نحو 2.3 مليار دولار من أموال الحكومة العراقية سنوياً، ويسيطر عليها كبار شخصيات كتائب حزب الله الذين أدرجتهم واشنطن أيضاً على لائحة العقوبات كإرهابيين".
غضب عراقي
وسادت مواقع التواصل الاجتماعي موجة غضب إثر تبرئة القضاء أحمد الكناني رغم إدانته السابقة باغتيال الخبير الهاشمي.
وأكد رواد ومدونو التواصل الاجتماعي في تغريدات ومنشورات خلال اليومين الماضيين أن "العدالة ما تزال غائبة في العراق، وأن نفوذ الجهات المسلحة لم يقتصر على مجلس النواب والحكومة والقوات الأمنية، لكنه شمل السلطة القضائية أيضا"، بحسب تعبيرهم.
من جهته وصف الصحفي والناشط العراقي زيد الفتلاوي إطلاق سراح المتهم باغتيال الهاشمي بالفضيحة.
وقال الفتلاوي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الافراج عن أحمد حمداوي الكناني المتهم باغتيال هشام الهاشمي وإسقاط كافة التهم عنه يعد ضوءًا أخضر للقتلة والسراق والفاسدين، ويؤكد أن كل المتهمين بهذه الأمور ستحل قضاياهم إن كانت جهة متنفذة تقف وراءهم كما حصل مع الكناني".
لماذا لا تُعاد محاكمة المتهمين الأبرياء؟
أما السياسي العراقي المعارض عبد القادر النايل فوصف تبرئة المتهم باغتيال الهاشمي بأنه انتكاسة للقضاء والصدمة لجميع المتابعين للشأن العراقي.
وقال النايل في حديث لشبكة "الساعة": إن "هناك العديد من علامات الاستفهام التي تثار حول إطلاق سراح المتهم أحمد الكناني، وهي أن المجرم اعترف بشكل واضح وصريح بارتكاب الجريمة، ولكن تمت تبرئته نتيجة الضغوط التي مورست على القضاء" حسب تعبيره.
وأضاف: أن "علامة الاستفهام الثانية التي يثيرها الموضوع هو أن عائلة هشام الهاشمي تم تهديدها في وقت سابق ما تسبب بتهجيرها قسرا إلى خارج العراق خشية الاستهداف والقتل، وبالتالي فإن عائلة الهاشمي لم تتمكن من حضور الجلسات الخاصة بالمحاكمة".
وأشار النايل إلى أن "إعادة محاكمة المدان بجريمة القتل بسرعة وبدون حضور عائلة المجني عليه للمحاكمات ثم تبرئة الكناني وإطلاق سراحه والعودة لعمله في وزارة الداخلية يثير علامات استفهام أيضا"، مشددا على أن "ذلك يؤكد أن الجريمة المنظمة ما تزال مستمرة في العراق وأن هناك من يحميها".
وتابع: أن "إطلاق سراح المدان بجريمة قتل الهاشمي يعطي مؤشرات سلبية بأن الأطراف التي دفعت الكناني للاغتيال ستدفع بآخرين لارتكاب جرائم قتل أخرى، على اعتبار أنهم سيكونون في حماية وأمان بفضل نفوذ الفصائل المسلحة والجهات السياسية التي تضغط على القضاء".
وأكد النايل أن "أبرز علامات الاستفهام التي تثيرها القضية، هي أن السلطات القضائية والحكومية ترفض إعادة المحاكمات لآلاف المتهمين من العرب السنة الذين تم إيداعهم ظلما في المعتقلات بتهم الإرهاب وصدرت ضدهم أحكام بالإعدام والسجن المؤبد وغيرها من الأحكام الثقيلة رغم انتزاع الاعترافات منهم بالقوة، بينما تعيد محاكمة الكناني وتبرئه من التهمة التي أدين بها في وقت سابق"، مبينا أن "الجهات التي تدعم القاتل المبرأ هي ذاتها التي تمنع إعادة المحاكمات للمعتقلين من العرب السنة".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام