كشفت تصريحات رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض بشأن بقائه في منصب رئاسة الهيئة عن وجود حراك داخل قوى الإطار التنسيقي لإبعاده عن المنصب، في مسعى للوصول إلى هذا المنصب الذي بات من أبرز المناصب وأهمها في البلاد.

ويؤكد سعي بعض الأطراف الوصول إلى منصب رئاسة هيئة الحشد إلى تصاعد الخلاف بين قوى الإطار التنسيقي التي ظهرت للعلن عقب الانتخابات المحلية وتشكيل الحكومات في المحافظات وبقائها معلقة في ديالى بسبب خلاف بين كتل بدر والعصائب ودولة القانون على المنصب.

كما تؤشر الحملة التي تستهدف إبعاد الفياض من رئاسة الحشد الشعبي، إلى إضعاف دوره السياسي، بعد أن وجدت بعض الأطراف داخل الإطار التنسيقي رغبة من الفياض للوصول إلى منصب رئاسة الحكومة في المرحلة المقبلة.

وفي تصريحات أخيرة للفياض، تحدى فيها من يطالبه بالاستقالة من المنصب، مؤكداً بقاءه على رئاسة الحشد وعدم التخلي عن هذه المهمة إلا بفعل القانون.

وقال في لقاء متلفز تابعته شبكة "الساعة": إنه "موجود على رأس الحشد الشعبي ويقوم بواجبه ولن يتخلى عن هذه المهمة إلا بفعل القانون".

وأضاف: أن "الحشد الشعبي بدأ يقترب من ربع مليون منتسب، وهذا كيان كبير جدا يحتاج إلى تنظيم"، مؤكداً أن "قانون الخدمة والتقاعد، وقانون هيئة الحشد الشعبي سيصدران خلال الأيام المقبلة".

 

الخزعلي يدعو لاستبدال الفياض

ومطلع الشهر الحالي، دعا الأمين العام لعصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، الفياض للاستقالة من هيئة الحشد الشعبي لتجاوزه السن القانوني، مشيراً عليه بالتوجه إلى العمل السياسي على اعتبار أنه الأنسب للفياض من العمل الأمني.

ومؤخرا تحدث الخزعلي عن مدى أهلية الفياض لرئاسة الحشد الشعبي، معتبرا أنّه "لا ينبغي أن يكون رئيسا لقوات الحشد وزعيما لحزب سياسي في آن واحد"، مقترحا عليه "الاستقالة وتولي منصب سياسي من قبيل نائب رئيس الجمهورية"، وهو منصب شرفي إلى حدّ بعيد لا يمتلك من يشغله أي سلطات فعلية.

وجاء كلام زعيم العصائب ضمن حملة أوسع نطاقا شنّها أعضاء في كتلة صادقون النيابية التابعة للحركة ومقرّبون منها ضد الفياض الذي يُتهّم أيضا بالتقصير في استيفاء الحقوق المالية للحشد من زيادات في الرواتب وتعويضات لجرحاه ولعوائل قتلاه.

 

الفياض بين السياسة والأمن

ويستشعر الفياض وجود احتمال حقيقي لإقالته من قبل السوداني بالنظر إلى أنّ خصمه الرئيسي زعيم حركة العصائب قيس الخزعلي دخل في تحالف مع رئيس الحكومة في مواجهة تحالف مضاد بين هادي العامري زعيم كتلة بدر ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الساعي بقوة للعودة إلى رئاسة الحكومة، وهو ما ألمح إليه المالكي في حديث متلفز الأسبوع الماضي.

ونجح الفياض إلى جانب عمله في رئاسة الحشد الشعبي في ميدان العمل السياسي، إذ يترأس تحالفا سياسيا باسم "عطاء" الذي شارك في الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرتين وحقق فيهما العديد من المقاعد في البرلمان والمجالس المحلية.

وشغل الفياض خلال السنوات الماضية عدة مناصب أمنية في وقت واحد، وهي مستشارية الأمن القومي ورئيس هيئة الحشد الشعبي ومسؤول جهاز الأمن الوطني، لكنه أبعد بقرار من رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي عام 2018 من منصبي مستشارية الأمن القومي ورئاسة جهاز الأمن الوطني وبقي في منصب رئاسة الحشد.

كما نجح الفياض في دخول العمل السياسي في المدن السنية، ففي نينوى حقق تحالفه في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة على 3 مقاعد باسم تحالف العقد الوطني.

وتصاعدت الحملة ضد الفياض على خلفية زيارته لمحافظة الأنبار غربي العراق التقى خلالها أمير قبيلة الدليم علي حاتم السليمان الذي تتهمه القوى الإطارية بدعم الإرهاب واحتضانه بسبب مساندته للتظاهرات في المدن السنية عام 2014 ضد حكومة نوري المالكي.

لكن الفياض برر ذلك اللقاء بأنه جرى محض صدفة، لكنّ خصومه المتخوّفين من تزايد نفوذه نظروا إلى الأمر باعتباره تأكيدا لطموحه لتولي منصب رئيس الوزراء، إذ يعمل الطامحون للمنصب عادة على استمالة قيادات من خارج إطارهم الشيعي ينتمون للمكونين السنّي والكردي وغيرهما، لزيادة حظوظهم في الحصول على المنصب.

 

العصائب تدعو لطرد الفياض

وعلى خلفية لقاء زيارة الفياض لمضيف أمير الدليم في الأنبار، دعا النائب عن كتلة صادقون التابعة لعصائب أهل الحق علي تركي الجمالي إلى طرد الفياض من رئاسة هيئة الحشد. 

وقال الجمالي في بيان تابعته "الساعة": إن "أكبر الجرائم ارتكبت بأيدي وتحريض من تحتضنون، ومن تُرجعونهم اليوم وتلتقون بهم، وذلك بعد أن تناسيتم وبعمد الآلاف من الشهداء والجرحى من الأجهزة الأمنية والحشد الشعبي الذي أصبحتَ وبالصدفة أنت رئيس هيئته وأصبحت موارد هذه الهيئة إرثا لك ولمن يتملق لك"، حسب تعبيره.

ووجه النائب الجمالي التهم للفياض باستغلال الحشد الشعبي وإمكانياته من خلال التعيينات لكسب أصوات الجمهور، معتبرا ذلك مخالفة يجب أن يحال بسببها الفياض إلى هيئة النزاهة.

 

لا نوايا حقيقية لإبعاد الفياض

غير أن المحلل السياسي القريب من الإطار التنسيقي حيدر البرزنجي أكد أن الحديث عن إبعاد الفياض من رئاسة الحشد هو مجرد تصريحات إعلامية لا أساس لها في الواقع.

وقال البرزنجي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الفياض يتصدى لمهام رئاسة الحشد الشعبي وهو يشغل منصبا ليس تشريفيا بقدر كونه منصبا تكليفيا"، وبين أن "الفياض في آخر لقاء أوضح الكثير من القضايا بشأن تواجده في منصبه".

وشدد على أنه "لا توجد لغاية الآن أي نية لاستبعاد الفياض من رئاسة الحشد الشعبي"، لافتا إلى أن "أمر بقائه في المنصب من عدمه متروك لخيار القائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني".

وأشار البرزنجي إلى أن "الفياض لم يتحدث عن تمسكه بالمنصب، لكنه أكد تصديه لمسؤولية هذا المنصب المهم في العمل الأمني".

 

إبعاد الفياض يهدد بانشطار الحشد

وعلى خلاف ذلك، أكد المحلل السياسي والأمني رعد هاشم أن موضوع إبعاد الفياض عن رئاسة الحشد الشعبي بات أمرا حتميا.

وقال هاشم في حديث لشبكة "الساعة": إن "الحجة التي يسوقها البعض لإبعاد الفياض عن رئاسة الحشد هو بلوغ السن القانوني للتقاعد هو أمر مستبعد"، مبينا أن "السبب وراء ذلك خلافات ودوافع سياسية".

وأضاف هاشم: أن "هناك رغبة إيرانية ومن بعض الفصائل الولائية في الحشد لإنهاء وجود الفياض في رئاسة الحشد"، عازيا السبب في وراء الرغبة الإيرانية إلى "سعي طهران لإحكام قبضتها على مؤسسة الحشد الشعبي بصورة كاملة".

وأوضح أن "حديث بعض القيادات في الفصائل الولائية عن أن سبب المطالبة بإبعاد الفياض عن رئاسة الحشد هو لممارسته العمل السياسي، يدين هؤلاء القادة، على اعتبار أن الفياض يمارس العمل السياسي منذ سنوات وهو يشغل مناصب أمنية في رئاسة الحشد والأمن الوطني ومستشارية الأمن القومي دون أن يصدر أي اعتراض من تلك القيادات.

وتابع هاشم: أن "تغيير الفياض بات أمرا حتميا إلا إذا حدث تريث وقتي في تنفيذ الأمر"، وتوقع أن "يحدث أمر إبعاد الفياض عن رئاسة الحشد انشطارا داخل مؤسسة الحشد، ولا سيما أن بعض الحشود تختلف عن الأخرى، فمنها حشود ولائية لإيران، وأخرى حشود العتبات، وأخرى حشد التيار الصدري المتمثل بسرايا السلام".

ونوه إلى "إلحاح إيران والفصائل القريبة منها على استبدال الفياض سيؤدي إلى انشقاق الفصائل، ولا سيما أن الفياض يبدو تمسكا نوعيا بالمنصب، كما أن الفصائل الولائية لم تتفق على اسم البديل للفياض لغاية الآن وما قد يزيد من الأزمة، كما لفت إلى احتمالية أن يخضع ملف رئاسة الحشد إلى التسويات والتفاهمات بين المرجعية الدينية في النجف وبين المرشد في إيران".

 

الفياض باقٍ على رئاسة الحشد

من جانبه يرى الباحث في الشأن العراقي مجاهد الطائي أن محاولات إبعاد الفياض من المنصب تأتي في إطار التنافس داخل قوى الإطار على رئاسة الهيئة، وهو جزء من الصراع على المال والسلطة والنفوذ، غير أنه رجح بقاء الفياض في المنصب لأسباب عديدة.

وقال الطائي في حديث لشبكة "الساعة": إنه "بعد استحواذ الإطار التنسيقي على مناصب السلطة بغياب التيار الصدري؛ أصبح التنافس داخل قوى الإطار نفسه خاصة العصائب التي تعاظم نفوذها كثيراً في حكومة السوداني، وبدأت تسعى للاستحواذ على هيئة الحشد الشعبي لأن نفوذها ومكانتها هناك ليست كما تطمح في ظل سيطرة كتائب حزب الله وبدر على معظم مفاصل الهيئة. فالصراع هو صراع على المال والسلطة والنفوذ".

وأوضح الطائي أن محاولة إبعاد الفياض عن رئاسة الحشد ليست جديدة، وقد فشلت محاولات سابقة في ذلك، وبالنسبة لإيران ومعظم القوى السياسية لا يشكل الفياض أي خطر على أحد واستبداله لن يغير شيئا في مصالح طهران إنما يحدث تغييرا في توازنات القوى الحليفة لطهران وقد ترفض طهران مجددا إجراء تغييرات في الهيئة.

ولفت إلى أن "ما يحدث على منصب رئاسة الحشد هو نوع من التنافس على المنصب بين شخص يعد مستقلا كالفياض، وفصائل طموحة لقيادة الحالة الشيعية السياسية في العراق وسط فرصة قد لا تتكرر مستقبلا".

وأشار الطائي إلى أن "الفياض يميل لسيطرة الدولة على الحشد وقد صرح بذلك في مناسبات عديدة وضبط الفصائل التي تميل إلى الهيمنة واتخاذ قرارات بعيدا عن الدولة، وهذا ينفع حكومة السوداني في الوقت الحالي وينفع طهران التي لا تميل إلى التصعيد أو دخول الحشد كمؤسسة في الصراع الإقليمي"، مرجحا "بقاء الفياض بمنصبه لهذه الأسباب".