أظهرت الاجتماعات السياسية والأمنية الأخيرة بين العراق وتركيا، عزم بغداد ولأول مرة تحييد حزب العمال الكردستاني "بي كا كا" وإنهاء نفوذه شمالي البلاد، خاصة وأن تواجد الحزب يشكل تهديدا حقيقيا لمشروع طريق التنمية الذي تعده السلطات العراقية مشروعا استراتيجيا وتنمويا كبيرا.

وأثمرت اللقاءات الأخيرة التي احتضنتها العاصمة بغداد عن اتفاقات أولية لإنشاء منطقة عازلة شمالي العراق، والتنسيق لإطلاق عملية عسكرية كبيرة ضد "بي كا كا" قريبا.

وفي السنوات السابقة اتسم الموقف الرسمي العراقي تجاه إنهاء وجود تنظيم "بي كا كا" داخل العراق بالضعف، في ظل دعم أطراف متنفذة "سياسيا وأمنيا" في العراق للتنظيم من جهة، ودعم إيراني  من جهة أخرى.

وأعلن العراق وتركيا إنشاء لجان دائمة مشتركة تعمل في مجالات مكافحة الإرهاب والتجارة والزراعة والطاقة والمياه والصحة والنقل، وذلك بعد القمة الأمنية التي عقدت الخميس الماضي في العاصمة العراقية بغداد.

وضمت القمة من الجانب العراقي وزيري الخارجية والدفاع ووكيل جهاز الأمن الوطني ورئيس هيئة الحشد الشعبي ونائب مدير وكالة المخابرات ووزير الداخلية في حكومة إقليم كردستان، في حين ضمت من الجانب التركي وزيري الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات ونائب وزير الداخلية.

 

البيان العراقي التركي

ووفق البيان الختامي المشترك العراقي التركي، فإن الطرفين ناقشا التحضيرات للزيارة المرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العراق بعد شهر رمضان، كما أكدا أنه سيتم بذل كافة الجهود لإنجاح هذه الزيارة التاريخية، وأعربا عن أملهما أن توفر قفزة إلى الأمام في العلاقات الثنائية.

وناقش الطرفان كذلك المواقف المشتركة التي سيتم تبنيها في مواجهة التطورات الإقليمية ومختلف التحديات في المجالات الثنائية.

وتقرر خلال الاجتماع تكثيف العمل على مذكرة تفاهم من أجل إيجاد الإطار الهيكلي في مختلف أوجه العلاقات بين البلدين، وبالتالي إنشاء آليات اتصال منتظمة، واتفق الجانبان على مواصلة المفاوضات بشكل منتظم ودون انقطاع في إطار الآليات المذكورة.

ورحبت الخارجية التركية بقرار مجلس الأمن الوطني العراقي اعتبار "بي كا كا" تنظيما محظورا في العراق.

وعدّ الجانبان أن التنظيم يشكل تهديدا أمنيا للبلدين، وأن وجوده على الأراضي العراقية يمثل خرقا للدستور العراقي.

وكان العراق عد خلال اجتماع أمني بين العراق وتركيا في ديسمبر/كانون الأول 2023 أن حزب العمال يمثل "تهديد مشترك" و"منظمة محظورة"، وذلك للمرة الأولى.

 

عملية عسكرية كبرى

وقالت مصادر عراقية: إن "المسؤولين الأتراك بحثوا في بغداد، الخميس الماضي، التنسيق لأكبر عملية عسكرية شمال البلاد ضد حزب العمال الكردستاني وإنشاء منطقة عازلة داخل العراق من جهة إقليم كردستان"، وأشارت إلى أن "التحالف الحاكم مستعد لتقديم الدعم السياسي لهذه العملية، مقابل صفقة تتعلق بالمياه والطاقة".

وأوضحت أن "المباحثات ناقشت تحويل المنطقة التي تتوزع فيها القواعد العسكرية التركية في إقليم كردستان إلى (حزام أمني) يصل إلى جميع المناطق التي ينشط فيها حزب العمال، بما في ذلك منطقة جبل قنديل".

ورفض مسؤولون في مكتب رئيس الوزراء العراقي التعليق على هذه المعلومات، لكن قيادياً في تحالف "الإطار التنسيقي" قال إن "بغداد وأنقرة توصلتا إلى تصور مشترك بشأن مخاطر حزب العمال"، مشيراً إلى أن "الأتراك عبّروا عن قلقهم من أن استمرار نشاط هذا الحزب سيمنع إنشاء طريق التنمية".

 

حزام أمني لخنق "بي كا كا"

وقال وزير الدفاع التركي، في تصريح الأسبوع الماضي، إن "بلاده تسعى إلى إنشاء "حزام أمني" داخل العراق لإنهاء وجود ونفوذ تنظيم بي كا كا".

وأضاف غولر إن "التركيز الآن ينصبّ على إكمال عملية (المخلب – القفل)، وبعد ذلك سيتم توسيع العمليات ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني إلى حيث تقتضي الضرورة".

وأكد الوزير التركي أن "بلاده ستكون قد انتهت، بحلول الصيف المقبل، من إقامة حزام أمني بعمق 40 كيلومتراً على الحدود مع العراق لمنع أي تهديدات لتركيا من حدودها الجنوبية".

وعشية الاجتماع العراقي – التركي، تفقد وزير الدفاع التركي الحدود مع العراق، وسط الحديث عن احتمال شن عملية عسكرية موسعة في شمال العراق، قبل حلول الصيف.

 

ما هو الحزام الأمني؟

وتؤكد مصادر تركية أن أنقرة تريد أن تنهي مشكلة "بي كا كا" شمال العراق وأن تقيم حزاماً أمنياً بعمق يتراوح بين 30 و40 كيلومتراً على غرار ما تفعل في سوريا، وأن تضمن من خلال هذه العملية قطع الصلة بين العمال الكردستاني في شمال العراق ووحدات حماية الشعب في شمال سوريا.

وبحسب المصادر التركية، فإنه تم الاتفاق خلال الجولات المكوكية بين أنقرة وبغداد وأربيل خلال الأشهر الثلاثة الماضية على تنفيذ عملية برية واسعة النطاق ضد مواقع تنظيم "بي كا كا" في المنطقة التي تم فيها تنفيذ عملية "المخلب – القفل" المستمرة منذ 17 أبريل (نيسان) 2022، وتم الاتفاق على تفاصيلها وشكل التعاون فيها مع بغداد وأربيل.

وفي وقت سابق أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أن تركيا بصدد إتمام الطوق لتأمين حدودها مع العراق، وأنه خلال الصيف المقبل ستكون أنقرة قد حلت هذه المسألة بشكل دائم، كما أشار إلى إصرار بلاده على إنشاء حزام أمني بعمق من 30 إلى 40 كيلومتراً على الحدود مع سوريا، وقال: إنه "لا يجب أن ينزعج أحد في المنطقة من ذلك".

 

ترحيب عراقي

من جهته، عد المحلل السياسي يوسف كاتب أوغلو أن زيارة الوفد التركي إلى بغداد ذات أهمية كبيرة، وهي بمنزلة قمة أمنية مشتركة، وتعد الثانية خلال أقل من 3 أشهر.

وذكر أن "هذا يعكس وجود رغبة حقيقية لمكافحة التهديدات والمليشيات الإرهابية الموجودة في البلدين، حيث تركيا عازمة على إنهاء وجود (بي كا كا) وغيرها من التنظيمات الإرهابية".

وأكد أوغلو أن "هناك تحضيرا لعملية عسكرية كبرى، لشن هجوم على هذه الجماعات"، مشيرا إلى أن "الزيارة هدفها التنسيق الاستخباراتي والأمني والتعاون المشترك بين العراق وتركيا لهذه العملية، لتكون مدعومة من الجهات الرسمية العراقية".

ولفت إلى أن "العملية المرتقبة تعد نقطة فاصلة في الحرب على الإرهاب بعد سنوات من الملاحقة، وستنفذ في شمال العراق وشمال سوريا".

وأكد كاتب أوغلو أن "العراق مرحب بهذه الخطوة لأنها ستعزز تثبيت الاستقرار بين الطرفين من أجل استكمال المشاريع التنموية بين البلدين، مثل طريق التنمية وإعادة تشغيل خط النفط المتوقف من العراق عبر ميناء جيهان التركي، وكذلك ملف المياه وزيادة التبادل التجاري"، مبينا أن "هذا التعاون لن يتم إلا بعد القضاء على الإرهاب".

وتوقع المحلل السياسي التركي أن "تبدأ العملية العسكرية الواسعة في نهاية نيسان / أبريل، بعد انتهاء زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بغداد".

 

العراق يتجنب حرب الاستنزاف

وعن طبيعة المشاركة العراقية في العمل الأمني المرتقب تجاه حزب العمال، استبعد الخبير الأمني العراقي صادق عبد الله، دخول العراق في حرب استنزاف مباشرة مع الحزب.

وقال عبد الله: إن "حكومة السوداني لن تدخل في حرب استنزاف مع العمال الكردستاني لكنها ستمارس ضغوطا باتجاه منع اي تواجد مسلح وستعالج الموضوع بالحوار والتهدئة"، وأشار إلى أن "الأولوية الآن هو للمضي في طريق التنمية وإعادة الإعمار وتجنب أي توترات أمنية".

ولفت إلى أن "استراتيجية السوداني في إدارة الدولة العراقية تدل على أنه يعتمد مبدأ تصفير المشاكل في كل الاتجاهات والسعي للنأي ببغداد عن أي أزمات إقليمية أو دولية.

وأضاف الخبير الأمني: أن "السوداني نجح باحتواء ملف الاصطدام بين الفصائل العراقية وواشنطن ودفع باتجاه هدنة مؤقتة من أجل دفع مشاورات إخراج القوات الأمريكية للأمام وتجنب تداعيات عقوبات اقتصادية قد تقود العراق إلى وضع صعب".

وأشار إلى أن "زيارة الرئيس التركي المرتقبة إلى بغداد ستتضمن في البعد الأساسي الاقتصاد، خاصة وأن أنقرة في وضع لا تحسد عليه، وهي تسعى إلى بلورة شراكة اقتصادية مع قرب انطلاق مراحل طريق التنمية العراقي، لكن بالمقابل تريد أن يكون لديها تحالف ضد تنظيم (بي كا كا) الذي يمثل هاجسا مثيرا للقلق على مستوى الدولة التركية.

وشهدت العلاقات بين أنقرة وبغداد توترا في السنوات الأخيرة على خلفية ملفات عدة، ولا سيما المياه والطاقة والعمليات العسكرية التركية في شمال العراق.

وتنفذ تركيا منذ 2019 سلسلة عمليات عبر الحدود في شمال العراق ضد تنظيم "بي كا كا" أطلق عليها اسم "المخلب"، وهو ما تعده بغداد تجاوزا على سيادتها.