صراع جديد في العراق، ميدانه هذه المرة الاتصالات وخدمات الإنترنت التي أرهقت المواطن العراقي بسبب سوء الخدمة وضعف الشبكات وغلاء الأسعار.
بدأ الصراع في ساحة الاتصالات بعد أن شنت وزيرة الاتصالات هيام الياسري الحرب على شركة إيرثلنك التي تعتبر المزود الرئيسي لشبكات الإنترنت في البلاد.
وقابل تحرك الوزيرة، حملة شنها نواب وأطراف داخل الإطار التنسيقي ضد الياسري وصلت لمحاولات استجوابها في البرلمان وإقالتها من منصبها، من قبل النائب عن كتلة صادقون الجناح السياسي لحركة العصائب زهرة البجاري والنائب عن الإطار القريبة من ائتلاف دولة القانون حنان الفتلاوي.
اللافت في حرب الوزيرة والحرب المضادة لها، أنها لم تبحث في المشكلة الحقيقية لقطاع الاتصالات وشبكات الإنترنت في العراق، فالخدمات في هذا القطاع ما تزال مثار انتقادات الشارع العراقي الذي يصف شبكات الإنترنت بالسيئة من جهة، ويصف الصراع الدائر بشأن الاتصالات بأنه محاولات للكسب السياسي والمادي من جهة أخرى.
هيام الياسري التابعة سياسيا لكتلة عطاء بزعامة فالح الفياض ومنذ توليها منصب وزيرة الاتصالات أعلنت سعيها لإنهاء ما وصفته بـالاحتكار في سوق الاتصالات، حيث اتهمت شركة "إيرثلنك" للاتصالات بالهيمنة "غير القانونية" على الإنترنت في العراق، والمسؤولية عن ضعف الخدمة.
وتؤكد الياسري أن "إيرثلنك" هي السبب الرئيس وراء تردي خدمة الإنترنت في العراق، وبينت أن وزارتها عازمة على إيجاد منافسين للشركة التي تستحوذ على 80% من السوق، على حد تعبيرها.
بينما يرى المعترضون أن الوزيرة أعلنت الحرب على "إيرثلنك"، لأسباب لا تتعلق بسوء الخدمة بقدر تعلقها بعقود جديدة تسعى الوزارة إلى إبرامها مع دول وشركات أخرى، وقد تنطوي على شبهات فساد.
حكم لصالح الاتصالات
آخر التطورات في هذا الملف، جاء عبر القضاء العراقي الذي أصدر قرارا لصالح وزارة الاتصالات العراقية التي تخوض صراعا من شركة "إيرثلنك"، إذ أصدر القضاء الأحد الماضي قراراً بإلغاء الرخصة التي منحتها هيئة الإعلام للشركة.
وبحسب وثيقة لمجلس القضاء الأعلى تابعتها شبكة "الساعة" فإن "القضاء أصدر قراراً لصالح وزارة الاتصالات بإلغاء الرخصة التي منحتها هيئة الإعلام والاتصالات لشركة إيرثلنك"، مشيرة إلى أن "قرار القضاء بإلغاء الرخصة لأنها منحت خلافا لقرار المحكمة الاتحادية العليا".
وأكدت المحكمة أن إقدام هيئة الإعلام والاتصالات على ترخيص عدة شركات تزويد الإنترنت تسبب بضرر بالغ للبلاد وخسائر فادحة وانتهاك للدستور العراقي.
وجاء في سياق الحكم أن "المحكمة الاتحادية سبق أن أكدت أن منح تراخيص البث والترددات وخدمات الإنترنت تعد حقا حصريا للسلطات التنفيذية المتمثلة بوزارة الاتصالات".
عقود جديدة
وتحضر وزارة الاتصالات، مع قرب انتهاء عقود شركات الإنترنت خلال الفترة القليلة المقبلة، لعقود جديدة مع 5 شركات تتولى توفير الخدمة، ضمن مناطق محددة، حيث تراهن الياسري على تعدد مصادر الإنترنت، لتحسين الخدمة وفق مبدأ التنافس.
وبحسب تسريبات من وزارة الاتصالات فإن الوزارة قد أحالت المنطقة الأولى لشركة "نور البداية" التابعة لـ "أثيل النجيفي" محافظ نينوى الأسبق، وتشمل المنطقة الأولى محافظات (نينوى، كركوك وصلاح الدين).
وبينت أن المنطقة الثانية ستحال لشركة "الجزيرة" التابعة لـ "رفل الموسوي"، الذي اتهم سابقاً بتهريب سعات الإنترنت من خلال شركة "آي كيو" الكردية، وتشمل المنطقة الثانية محافظات (ديالى وجانب الرصافة من بغداد).
وأشارت التسريبات إلى أن المنطقة الثالثة، والتي تشمل محافظات (الأنبار وجانب الكرخ من بغداد)، فستحال لشركة "الخلية الفائقة (سوبر سيل)" المملوكة للسياسي "عمار الحمداني" مالك شركة "تكسي بغداد".
بينما ستحيل الوزارة وفقا للتسريبات المنطقة الرابعة لشركة "بلد الشموخ" التي تغطي محافظات (واسط، بابل، الديوانية، النجف وكربلاء)، ويديرها "عداي قطان" الذي تم إلقاء القبض عليه من قبل هيئة النزاهة بتهمة تهريب سعات الإنترنت في محافظة الديوانية وهو الآن مكفول على ذمة التحقيق في هذه القضية.
أما المنطقة الخامسة والتي تشمل محافظات (ذي قار، ميسان، المثنى والبصرة)، فستحال لشركة "أفق المدى" المملوكة من "محمد الجرجفجي" المالك لشركة زين العراق.
وتسعى وزيرة الاتصالات هيام الياسري إلى ربط العراق بخط إنترنت بحري ثالث من خلال السعودية إلى الفاو، إلى جانب خطين اثنين أحدهما تعود ملكيته لشركة "إيرثلنك".
صراع الياسري والفتلاوي
في تشرين أول الماضي، قادت النائب حنان الفتلاوي حراكا في البرلمان توج باستضافة الوزيرة هيام الياسري، وتتهم الفتلاوي الياسري بأنها وزيرة بعقلية اشتراكية وتعمل بروح انتقامية، وبينت أن الوزيرة اجتثت قرابة 500 موظف وساهمت بانهيار إيرادات وزارتها وتراجع تصنيف العراق في الإنترنت بسبب تخبطها، داعية رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن يستعجل بتغييرها لإنقاذ ما تبقى من الوزارة.
وردا على ذلك، وجهت الوزير اتهاما للفتلاوي بالدفاع عن "شركة إيرثلنك"، مضيفة أن "الفتلاوي تدافع عن شركة إيرثلنك، ولا ترغب للعراق أن يتعاقد مع شركات عالمية بخصوص الإنترنت الفضائي، كما أنها ممتعضة لمحاسبتي موظفين يتقاضون الرشوة من إيرثلنك".
رشاوى إيرثلنك
وبهذا الخصوص، يرى المهندس في مجال الاتصالات سيف يوسف أن التصعيد الإعلامي والبرلماني ضد وزيرة الاتصالات يحمل دوافع "المصالح الحزبية والشخصية" ولا علاقة له بتحسين خدمة الإنترنت في البلاد.
وقال يوسف لشبكة "الساعة": إن "العراق ومنذ عشرين عاما يعاني من سوء شبكات تجهيز الإنترنت وضعف الخطوط، واليوم نرى تحركا من وزارة الاتصالات لإدخال منافسين جدد في سوق الإنترنت وهذا أمر جيد للحد من احتكار شركة إيرثلنك للخدمة".
وأشار إلى أن "الدفاع المستميت من النائب حنان الفتلاوي وبعض النواب والسياسيين ووسائل الإعلام عن شركة إيرثلنك يؤكد بما لا يقبل الشك تورط هؤلاء بعلاقات مشبوهة مع الشركة التي عرف عنها دفع مبالغ مالية كبيرة (رشاوى) لمسؤولين متنفذين في الدولة من أجل ضمان الحفاظ مكانتها واحتكارها لخدمة الإنترنت.
وأكد يوسف على "ضرورة دخول شركات جديدة للتنافس في سوق الإنترنت في العراق من أجل ضمان جودة الخدمة وخفض الأسعار"، محذرا من "دخول شركات احتكارية جديدة تمارس السياسة ذاتها المتبعة من قبل إيرثلنك وبالتالي فلن تكون هناك أي آمال في تحسن خدمة الإنترنت في البلاد في المرحلة المقبلة".
تشكيك بحلول الوزارة
مطلع العام 2023، أعلنت وزيرة الاتصالات هيام الياسري إطلاق خدمة الاشتراك المدعوم للإنترنت في عموم العراق، وإمكانية حصول كل مشترك على كامل الحزمة التي يختارها من دون نقص أو ضعف، بواقع 15 ألف دينار (11.5 دولاراً وفق السعر الرسمي) لكلّ 100 غيغا بايت، و30 ألف دينار لكلّ 200 غيغا بايت، و45 ألف دينار لكلّ 300 غيغا.
غير أن خبراء المجال المعلوماتي شككوا بجدية وزارة الاتصالات في تحسين خدمة الإنترنت في العراق بعد إعلانها عن خدمة الاشتراك المدعوم، وأكدوا أن هذه الخطوة غير كافية في ظل مشكلات متراكمة تكتنف قطاع خدمات الإنترنت في العراق.
المختص في مجال الاتصالات عثمان الجبوري فيؤكد أن "خدمة الإنترنت المدعوم لن تغير واقع الخدمة الحالية، لأن مصدر الإنترنت لا يزال هو ذاته، حيث سيزود المشترك بالإنترنت من خلال الطرق التقليدية ذاتها، أي من خلال الوكلاء وأصحاب الأبراج التي توزع الإنترنت".
وقال الجبوري: إن "تحسين الخدمة وتخفيض التكاليف لن تحقق من خلال خطوات وزارة الاتصالات، وذلك لأن الخدمة ستكون بسعة 100 غيغابايت، وهذه السعة لن تغطي أكثر من 7 أيام على مستوى الاستخدام المنزلي، مما يستدعي تجديد الاشتراك 3 مرات على أقل تقدير خلال الشهر الواحد، وبذلك ستكون التكلفة أعلى من الاشتراك الشهري المفتوح"، مشككا في "جدية الحلول التي تطرحها الوزارة في معالجة مشكلة الإنترنت في البلاد".
ولفت إلى أن "شركات الإنترنت في المحافظات تبرر سوء الخدمة بأنها تصل إليهم ضعيفة من مصدر التجهيز في مصر وتركيا وإقليم كردستان شمالي العراق، ما يعني أنّ مصدر تجهيز الخدمة لم يتغير، وهنا يأتي دور وزارة الاتصالات في مراقبة الجودة والكمية المُجهزة أو البحث عن مصادر جديدة.
أسعار مرتفعة
ويؤكد مواطنون أنّ أسعار الإنترنت ما زالت مرتفعة على الرغم من إعلان وزارة الاتصالات دعم الخدمة وتحديد أسعار الباقات المقدمة للمشتركين.
وقالوا إن أسعار الاشتراكات الشهرية المقدمة من وكلاء التجهيز وأصحاب الأبراج تبدأ من 35 ألف دينار وتصل إلى 200 ألف دينار، وإنّ الفئة الأكثر من المشتركين ضمن باقتي الـ35 ألفاً و50 ألف دينار، وهذه الخدمة عادة ما تكون ضعيفة جداً قياساً بحجم العائلة العراقية، فيما يستخدم أصحاب الدخل العالي باقة الـ200 ألف دينار.
ويحتل العراق المراتب الأخيرة في خدمة سرعة الإنترنت، في مؤشرات عالمية عدة، بينما يشتري المواطن هذه الخدمة السيئة كما يصفها غالبية العراقيين بأسعار مرتفعة جدا عند مقارنتها مع دول الجوار، مما سبب موجة انتقادات كبيرة من قبل المواطنين الذين أطلقوا حملات على مواقع التواصل الاجتماعي لمطالبة الحكومة بتحسين الخدمة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام