على الرغم من إعلان العراق رسميا سعيه لتطوير الإنتاج من النفط والغاز عبر الاستثمار الأجنبي، غير أن جملة عوامل وأبرزها عدم الاستقرار السياسي والمالي في البلاد، إضافة إلى الفساد المستشري في مؤسسات الدولة يقف عائقا أمام ذلك.

شهر شباط / فبراير الماضي، أعلنت شركة شل الهولندية للطاقة انسحابها من مشروع "النبراس" للصناعات البتروكيميائية المقرر إقامته في محافظة البصرة جنوبي العراق.

وقالت شل في بيان إنها "وبعد تقييم متعمق لمشروع مجمع نبراس للبتروكيماويات المتكامل مع شركائنا في الحكومة العراقية، قررنا عدم المضي قدما في المشروع".

وبحسب بيان الشركة، فإن "القرار يتماشى مع تركيز شل على الأداء والانضباط والتبسيط، وللتغيير الحاصل في استراتيجية شل فيما يخصّ مشاريع البتروكيماويات".

وفي 2015، وقعت شل صفقة مبدئية بقيمة 11 مليار دولار مع العراق لبناء مجمع البتروكيماويات الذي من المفترض أن يبدأ تشغيله نظريا في غضون ست سنوات، ومن شأنه أن يجعل العراق أكبر منتجي البتروكيماويات في الشرق الأوسط.

نائب الرئيس التنفيذي لشركة شل جون كروكر قال خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني على هامش زيارة الأخير لهولندا: إن "انسحاب شركته جاء بسبب تغيير طرأ على خطط الشركة فيما يتعلق بمشاريع البتروكيميائيات في مختلف أنحاء العالم".

 

انسحابات سابقة

ولا يعد انسحاب شركة شل الهولندية الأول من نوعه من قبل شركات الطاقة الدولية، إذ سبقه انسحاب شركة إكسون موبيل الأميركية من العمل في بعض حقول النفط جنوب البلاد، فضلا عن انسحاب شركات دولية أخرى من بينها 3 شركات صينية كانت قد تقدمت للعمل ضمن جولة التراخيص النفطية الخامسة.

كما أن انسحاب شركة شل للطاقة يمثل الانسحاب الثالث لها، حيث سبق وأن انسحبت الشركة من حقلي مجنون وغرب القرنة.

في حين أكدت وزارة الصناعة والمعادن العراقية (الطرف العراقي المتقاعد مع شركة شل) أن اعتذار الشركة عن الاستمرار بالمشروع يعزى لتغيير سياستها في الاستثمار بالصناعات البتروكيميائية.

 

موقف وزارة النفط

المتحدث باسم وزارة النفط العراقية عاصم جهاد أكد أن انسحاب شركة شل يعزى لتوجهها نحو مشاريع الغاز بدلا من مشاريع النفط والبتروكيميائيات، إذ باتت الشركة تتوجه نحو المشاريع الأكثر ربحية، وهو ما تعمل عليه شل في مختلف أنحاء العالم.

وأوضح جهاد أن انسحاب شل للطاقة لم يشمل جميع المشاريع التي تعمل فيها داخل العراق، حيث لا يزال للشركة استثمار مهم في مشروع شركة غاز البصرة.

وأشار متحدث وزارة النفط إلى أن "شل تمتلك 44% من مشروع غاز البصرة إلى جانب شركة متسوبيشي اليابانية التي تمتلك 5%، إضافة لشركات أخرى".

وعن بقية الشركات الأخرى التي انسحبت من العمل في العراق، أوضح جهاد أن "أسباب انسحاب شركة إكسون موبيل الأميركية قبل أشهر يعزى للأرباح القليلة التي تجنيها من العمل في البلاد".

وقال إن "استثمارات موبيل في حقل غرب القرنة لم يعد في صالحها، حسبما أعلنت الشركة، وكان انسحاب الشركة بالتراضي مع الحكومة العراقية"، مشددا على أن "بلاده لم تتكبد أي خسائر نتيجة انسحاب إكسون موبيل"، قائلاً إن "حصة الشركة تم تحويلها لشركاء آخرين من بينهم شركات من جنسيات مختلفة، في الوقت الذي أكد فيه أن العراق لم يبرم أي عقود ملزمة مع شركة شل".

وأضاف أن "الحكومة لديها القدرة على جذب شركات دولية أخرى للعمل على تطوير مشروع النبراس، لا سيما مع سعي الحكومة الدؤوب لاستثمار الغاز المصاحب"، حسب قوله.

 

بيئة طاردة للاستثمار

من جهته يرى الخبير النفطي العراقي محمد صادق أن السبب الرئيسي وراء انسحاب شركة شل الهولندية من مشروع النبراس للبتروكيميائيات يرجع إلى إخفاق الجانب العراقي في حسم ملف قطعة الأرض التي من المقرر تخصيصها للمشروع.

وقال صادق في حديث لشبكة "الساعة": إن "العقد الذي وقعته شل مع الجانب العراقي مضى عليه 9 سنوات ورغم طول المدة إلا أن الجانب العراقي لم يحسم موضوع الأرض المخصصة للمشروع بسبب الخلافات بين الجهات التي تعود لها ملكية تلك الأرض".

وأوضح أنه "من المفترض أن يكمل الجانب العراقي كافة المتطلبات الخاصة بالفرصة الاستثمارية لمشروع النبراس على اعتباره من المشاريع المهمة في البلاد، إلا أن ما حصل نتيحة الروتين الحكومي المعقد حال دون ذلك.

وأشار صادق إلى أن "البيئة العراقية بيئة غير جاذبة للاستثمار وإنما طاردة له، ويشمل ذلك مختلف انواع الاستثمار ومنها في القطاع النفطي"، منوها إلى أن "السبب في ذلك يرجع لعدة عوامل منها العامل الأمني في مناطق محددة من العراق وذلك لا يشمل جنوب البلاد المستقر أمنيا، ومنها الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وروتين الدوائر المعقد، إضافة إلى عدم الاستقرار السياسي في البلاد والذي يعكس صورة سلبية للشركات الأجنبية عن واقع الاستثمار في البلاد".

كما أوضح أن "ضعف الإدارة وعدم استقرار الوضع المالي للعراق من الأسباب التي تهدد الاستثمار في البلاد، فالشركات تتخوف من العمل في بلد مهدد بفرض عقوبات مالية وأموال عائدات النفط فيه محتجزة في البنك الفيدرالي الأمريكي".

ولفت الخبير النفطي محمد صادق إلى أن "العراق يتكبد خسائر اقتصادية كبيرة جراء الاخفاق في الاستثمار بالقطاع النفطي"، مبينا أن "العراق يحرق نحو 50% من الغاز المنتج بسبب عدم استثماره ويخسر بذلك سنويا ما قيمته 3 مليار دولار إلى جانب استيراد الغاز من الخارج بقيمة تصل لـ 4 ملايين دولار، ما يجعل الخسائر السنوية لعدم تفعيل الاستثمار في قطاع الغاز بنحو 7 مليارات دولار".

 

تعدد السلطات يعيق الاستثمار

ويعزو أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة نبيل المرسومي انسحاب شركات الطاقة العالمية من الاستثمار في العراق إلى عاملين رئيسين، الأول يتمثل بالمخاطر الأمنية، والوضع الطارد للاستثمار في البلاد بشكل عام ولاسيما في المجال النفطي.

وقال المرسومي في حديث لشبكة "الساعة": إن "أهمية مشروع النبراس الذي انسحبت منه شركة شل تتمثل في كونه يشكل قاعدة صناعية تدعم الصناعات البلاستيكية والمطاطية، وجميع الصناعات المرتبطة بها، في الوقت الذي تقدر فيه قيمة المشروع بنحو 11 مليار دولار، بجانب توفيره 40 ألف فرصة عمل، فضلا عن إيرادات مالية تقدر بنحو 1.4 مليار دولار سنويا".

وأكد المرسومي أن "المخاطر الأمنية التي تواجه العراق تمثل السبب الأبرز وراء خروج شركات الطاقة العالمية من الاستثمار في العراق، فضلا عن تخوف الشركات الأجنبية الأخرى عن الدخول للاستثمار في البلاد".

وأضاف أن "البيئة العراقية تعد طاردة للاستثمار بفعل المخاطر العالية التي تؤثر على الجدوى الاقتصادية للمشاريع"، مشيرا إلى أن "غالبية الشركات الاستثمارية في العراق تعمل في المشاريع التي تكون فترة استرداد رأس المال فيها سريعة وليس على مدى سنوات طويلة، مستدلا بأن الحكومة العراقية كانت قد عرضت مشروع مصافي شركة الفاو الإستراتيجي، تصل إنتاجيته إلى 300 ألف برميل يوميا، للاستثمار بامتيازات كبيرة تصل إلى 50 سنة، غير أن المشروع لم يحل حتى الآن بعد انسحاب عدد من الشركات".

وشدد المرسومي على أن "شركات الطاقة العالمية لا يمكن لها الاستثمار في دولة كالعراق لا يتوفر فيها الحكم الرشيد، بل وتسود فيها ثلاث سلطات، الأولى سلطة الدولة، والثانية سلطة العشائر، والثالثة سلطة الأحزاب".

ووضعت منظمة الشفافية الدولية المستقلة في مؤشر مدركات الفساد العراق في المرتبة 168 من بين 180 الأكثر فساد في العالم، ووُصف العراق بأنه من بين أسوأ الدول في مؤشرات الفساد والحوكمة، مع تفاقم مخاطر الفساد بسبب نقص الخبرة في الإدارة العامة، وضعف القدرة على استيعاب تدفق أموال المساعدات، والقضايا الطائفية، وغياب الإرادة السياسية لبذل جهود مكافحة الفساد.

وأضافت المنظمة أن "عمليات الاختلاس واسعة النطاق، وعمليات الاحتيال في مجال المشتريات، وغسل الأموال، وتهريب النفط، والرشوة البيروقراطية واسعة النطاق، هي ما أدت إلى وصول البلاد إلى قاع تصنيفات الفساد الدولي، وأججت العنف السياسي وأعاقت بناء الدولة وتقديم الخدمات الفعال".

وذكرت أن "التدخل السياسي في هيئات مكافحة الفساد وتسييس قضايا الفساد، وضعف المجتمع المدني، وانعدام الأمن، ونقص الموارد والأحكام القانونية غير المكتملة، يحد بشدة من قدرة الحكومة على كبح الفساد المتزايد بكفاءة".