تسبب الحراك السياسي الذي تقوده الكتل السُنية لحسم ملف رئاسة البرلمان العراقي بتضييق الخناق على رئيسه السابق محمد الحلبوسي وحزبه تقدم، الذي بات وحيدا في الساحة السنية.

مؤخرا قادت تحالفات السيادة بزعامة خميس الخنجر وعزم بزعامة مثنى السامرائي والحسم بزعامة وزير الدفاع ثابت العباسي حراكا لإنهاء الجمود السياسي بشأن تقديم المرشح لرئاسة البرلمان خلفا للحلبوسي الذي أقصي من المنصب بقرار من المحكمة الاتحادية في تشرين الثاني الماضي.

ويدار البرلمان العراقي، بالنيابة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وتحول المنصب إلى نقطة صراع، ليس بين القوى السنية فقط، بل بات محل نزاع داخل القوى الشيعية التي سعت بعض الأطراف فيها إلى الإبقاء على الأزمة الحالية من أجل ضمان بقاء محسن المندلاوي في الرئاسة إلى نهاية الدورة البرلمانية الحالية.

 

الإطار يعزز الانشطار

تستغل قوى الإطار التنسيقي الخلافات داخل البيت السني وتحاول تعزيز هذا الانشطار الحاصل فيما بينها.

وتحاول القوى الإطارية عرقلة تمرير جلسة انتخاب رئيس جديد للبرلمان وذلك لضمان بقاء المنصب بيدها على اعتبار أن الجلسات تدار حاليا من قبل محسن المندلاوي وهو أحد قادة الإطار التنسيقي.

وفي وقت سابق أعلن نواب وقادة في الإطار السعي لإبقاء المنصب بيد القوى الشيعية، وذلك بسبب مقاطعة القوى السنية لجلسة البرلمان الخاصة بمناقشة مستقبل القوات الأمريكية في العراق في الجلسة التي تعرف بجلسة "السيادة".

ففي الجلسة التي عقدت في 13 كانون الثاني الماضي، تعمد الإطار التنسيقي تشتيت أصوات نوابه بين المرشحين في محاولة لعرقلة انتخاب رئيس البرلمان، وهو ما أكدته مصادر سياسية قريبة من القوى السنية.

ويستغل الإطار وجوده في رئاسة البرلمان حاليا، لإلغاء صلاحيات رئيس البرلمان من خلال تفعيل هيئة الرئاسة، وذلك على حساب استحقاق المكون السني، حيث إنه وبحسب العرف السياسي فإن منصب رئيس البرلمان من حصة المكون السني.

مبادرة سنية

الحراك السُني جاء بمبادرة من زعيم تحالف السيادة خميس الخنجر، وذلك بعد مرور 4 أشهر على شغور منصب رئاسة البرلمان نتيجة الخلافات التي ضربت البيت السني، إذ عرقلت تلك الخلافات التوافق على مرشح محدد، في ظل تمسك تحالف تقدم بالمنصب، وسعي الأطراف الأخرى للحصول عليه.

وأخفق مجلس النواب العراقي في 14 كانون الثاني الماضي في انتخاب رئيس له في الجلسة التي شهدت جدلا واسعا عقب الاتهامات التي وجهت لمرشح حزب تقدم للمنصب شعلان الكريم وتقديم شكوى ضده لدى القضاء العراقي بتهمة علاقته بحزب البعث.

وشهدت تلك الجلسة ترشيح 5 نواب لرئاسة المجلس هم كل من شعلان الكريم عن تقدم، ومحمود المشهداني عن عزم، وسالم العيساوي عن السيادة، إضافة إلى عامر عبد الجبار وطلال الزوبعي.

 

تحالف جديد يخنق الحلبوسي

مطلع الأسبوع الجاري، أعلنت القوى السنية (العزم والحسم والسيادة) المضي بإجراءات انتخاب رئيس البرلمان الجديد بدلا من محمد الحلبوسي، وذلك بعد عرقلة إجراءات الانتخاب.

وأكدت القوى السنية الثلاث أنها تمثل الأغلبية في البيت السني وأنها ستمضي باستكمال انتخاب رئيس البرلمان من بين الأسماء المرشحة ذاتها والمثبتة لدى رئاسة المجلس، معتبرة أن الطعون والدعاوى في المحكمة الاتحادية لن تؤثر على جلسة الانتخاب.

وردا على ذلمك، أكد تحالف تقدم بزعامة الحلبوسي رفضه لمخرجات اجتماع نواب قوى "تحالف العزم والسيادة والحسم الوطني"، كما رفض تقدم إطلاق صفة الأغلبية البرلمانية على القوى السياسية المجتمعة، داعيا رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس القضاء والهيئات الرقابية كافة إلى وقف ماوصفه بمزاد البيع والشراء، مؤكدا في الوقت نفسه تمسكه بحق تمثيل الأغلبية النيابية للمكون السني وفقًا لنتائج الانتخابات والتمثيل النيابي الحالي.

 

المرشح الأوفر حظا

ورجحت أوساط ساسية مقربة من القوى السُنية المتحالفة باستثناء تقدم، أن يكون المرشح للمنصب عن تحالف السيادة سالم العيساوي الأوفر حظا للفوز بمنصب رئاسة البرلمان، وذلك بعد احتراق ورقة شعلان الكريم ورفض أغلبية نواب الإطار التنسيقي التصويت لصالحه.

السياسي السنّي نوري الدليمي قال: إن "موضوع اختيار رئيس مجلس النواب معقد، وعقدت مؤخراً جلسة ضمت السيادة وعزم والحسم، وهي تدفع باتجاه تسمية سالم العيساوي رئيسا لمجلس النواب".

 وأوضح الدليمي أن عدد النواب المتفقين على هذه المسألة يبلغ نحو 38 نائباً، وهي أغلبية سنية، مردفاً أن "قيادات سنية متفقة أيضاً على اسم المرشح سالم العيساوي، وتوقع أن يدعم نواب الحسم والعزم للعيساوي لمنصب رئاسة البرلمان".

 

التوافقات السياسية

ويعتمد حسم منصب رئاسة البرلمان على التوافقات السياسية وليس الأغلبية التي يملكها المكون السني في البرلمان، إذ إن تمرير مرشح رئاسة البرلمان يعتمد على دعم القوى الشيعية والكردية خلال التصويت على المرشحين في ظل استمرار الخلاف السني وعدم التوافق على مرشح واحد للمنصب.

ولضمان كسب دعم الذي يمثل الأغلبية في البرلمان العراقي، عقد زعيم حزب تقدم محمد الحلبوسي سلسلة لقاءات مع قيادات الإطار، لضمان عدم خروج المنصب من تقدم على اعتبار أنه استحقاق انتخابي له.

 

تقدم تتمسك بالمنصب

عضو مجلس النواب عن حزب تقدم كريم أبو سودة أكد تمسك حزبه برئاسة البرلمان، وشدد على أنه لن يتنازل عنها بالطرق السياسية والقانونية، ومنها مقاطعة جلسات البرلمان.

وقال أبو سودة في تصريح تابعته شبكة "الساعة": إن "المنصب هو استحقاق انتخابي للأغلبية السنية في مجلس النواب، وأن هذه الأغلبية تمثلها تقدم لغاية الآن"، مبينا أن "تقدم تمتلك حاليا 43 نائبا، وهو ما تعجز عن تحقيقه القوى السنية التي تحالفت مؤخرا".

وأكد أبو سودة أن "حزبه ممتعض من وجود محاولات للغدر بشأن منصب رئاسة مجلس النواب من داخل البيت السني"، مؤكدا أنه "على القوى السياسية السُنية أن تحفظ الاستحقاق الانتخابي وأن تسحب مرشحيها للمنصب ليتمكن حزب تقدم من تمرير مرشحه سواء كان شعلان الكريم أو غيره".

وأوضح أنه "من غير المعقول أن تحصل القوى السياسية السُنية الأخرى على منصب رئاسة البرلمان ومناصب وزارية أخرى، بينما تهمش الجهة التي حققت الأغلبية في تمثيل المكون السني".

 

الحسم بالتصويت

من جهته أكد عضو مجلس النواب عن تحالف عزم رعد الدهلكي ضرورة حسم الخلاف القائم وعدم ترك منصب رئاسة البرلمان شاغرا بينما هو استحقاق للقوى السنية.

وقال الدهلكي في تصريح صحفي تابعته "الساعة": إن "القوى السنية التي اجتمعت مؤخرا وجهت دعوة لرئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي للحضور والمشاركة لكنه لم يحضر"، مبينا أن "القوى السنية مطالبة بحسم الخلافات فيما بينها وحسم المنصب ومن ثم العمل على تحقيق البنود التي وقعت عليها القوى السنية ووعدت جمهورها بها وفي مقدمتها ملف العفو العام والمغيبين والنازحين والتعويضات".

وأضاف: أن "ما تريده القوى السنية المجتمعة هو ضمان عودة المنصب للقوى السنية"، لافتا إلى أن "المرشحين التي قدمت أسماؤهم في الجلسة السابقة من بينهم مرشح لتقدم ومرشحين من القوى الأخرى، وعلى الجميع أن يرضى بما تفرزه نتائج التصويت في البرلمان لانتخاب الرئيس".

 

موقف المحكمة الاتحادية

وخلال الفترة الماضية توقف الحراك الخاص بانتخاب رئيس البرلمان بعد تقديم دعوى أمام المحكمة الاتحادية بشأن بطلان ترشيح شعلان الكريم لمنصب الرئاسة، لكن المحكمة الاتحادية ردت نهاية شهر شباط الماضي الدعوى الخاصة بإلغاء ترشيح الكريم للرئاسة لعدم الاختصاص.

رئيس المحكمة الاتحادية القاضي جاسم العميري أكد "إمكانية المضي بجلسة انتخاب رئيس مجلس النواب رغم رفع دعوى على الجلسة"، وشدد على "ضرورة اكتمال رئاسة البرلمان من الناحية الدستورية ويتم انتخاب رئيس جديد بدل الرئيس السابق".

وقال العميري إن "انتخاب رئيس جديد للبرلمان لا يتوقف على إقامة الدعوى أمام المحكمة الاتحادية من عدمه إذ إن ذلك يعود إلى أفق واطر الجهات السياسية، كما أن عدم انتخاب رئيس البرلمان لا يعني تعطيل عمله وإنما يستمر بصورة اعتيادية لحين انتخاب رئيس جديد".
وأضاف أن "المحكمة تنظر بدعوى جلسة انتخاب رئيس البرلمان المرفوعة أمامها والمتعلقة بها وفق الدستور، ولكن النظر فيها لا يعني عدم إمكانية انتخاب رئيس جديد للبرلمان وبالإمكان المضي بعملية الانتخاب"، لافتا إلى أن "ملف إعادة ترشيح شعلان الكريم لرئاسة البرلمان مرهون بما تقرره الجهات التي رشحته، اما في ما يتعلق بإنهاء عضويته فستنظر المحكمة فيها في الوقت المحدد لها"، حسب قوله.

 

صراع الزعامة

ويصف أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد خالد عبد الآله الصراع الدائر بين القوى السُنية بأنه امتداد للصراع فيما بينها منذ الانتخابات البرلمانية عام 2014.

وقال عبد الآله في حديث لشبكة "الساعة": إن "جوهر الخلاف بين القوى السُنية على منصب رئاسة البرلمان يرجع إلى الخلاف على زعامة البيت السني"، وبين أن تلك الخلافات تبدو بصورة واضحة على مستوى الزعامات والقيادات ورؤساء البرلمان وحتى المحافظات السنية التي تولى مرشحيها رئاسة مجلس النواب".

وأضاف أن "القوى السنية تتخوف اليوم من بقاء المنصب شاغرا وبالتالي استمرار استغلاله من قبل الإطار التنسيقي ولذلك فهي تريد الإسراع في حسم المنصب"، مبينا أن "الصراع الحالي بين القوى السنية على منصب رئاسة البرلمان يعود الجزء الكبير منه إلى صلاحيات رئيس البرلمان التي نجح الحلبوسي عندما كان رئيسا للبرلمان بتحويلها وحصرها بيد الرئيس بدلا من هيئة الرئاسة كما كانت في السابق".

ورهن عبد الآله: "حسم ملف منصب رئاسة البرلمان قريبا في حال توصل القوى السنية إلى اتفاق قريب، أو تقديم بعض تلك القوى التنازلات لتجنب أزمة سياسية بهذا الخصوص".