لا بوادر قريبة لإنهاء مشكلة النزاعات العشائرية.. هكذا هو الحال في محافظة ذي قار جنوبي العراق، حيث تسجل المحافظة باستمرار صراعات عشائرية مسلحة يذهب ضحيتها قتلى وجرحى دون إجراءات رادعة تعالج هذه المشكلة.

خلال الساعات الأخيرة شهدت بلدة الإصلاح الواقعة ضمن محافظة ذي قار نزاعا مسلحا بين عشيرتي آل عمر وآل رميض، استخدمت خلالها الأسلحة المتوسطة والخفيفة، أدت إلى مقتل مسؤول استخبارات ذي قار العقيد عزيز شلال جهل، ومنتسب آخر وإصابة 10 آخرين بينهم 6 من عناصر القوات الأمنية.

كما تسبب النزاع العشائري بحرق بعض المنازل، وإثارة القلق والخوف في صفوف الأهالي بمنطقة القتال، بحسب شهود عيان.

واستمر النزاع حتى ساعة متأخرة من الليل، إذ استخدمت العشيرتان أسلحة متوسطة وثقيلة، فضلاً عن أخرى خفيفة، وهو ما دفع القوات الأمنية إلى الانسحاب حتى توقف إطلاق النار.

وعبر مكبرات الصوت ناشدت المساجد في المنطقة العشيرتين وقف إطلاق النار حفاظاً على أرواح المواطنين الذين لم يخرجوا من منازلهم طوال الليل.

 

سبب الصراع

وعن سبب الصراع، أفادت مصادر محلية في ذي قار بأنه حدث نتيجة خلاف عشائري قديم، حيث كان من المقرر عقد جلسة صلح بين عشيرتي آل عمر وآل رميض اليوم الاثنين، لكن عشيرة الرميض نقضت الهدنة وشنت هجوما على قرية النواصر التابعة لعشيرة آل عمر، ما دفع الأخيرة للرد على الهجوم.

وعقب اندلاع النزاع حاولت قوة أمنية التدخل لفض الاشتباك لكن لم تفلح وقتل مسؤول شعبة الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في المحافظة العقيد عزيز شلال جهل خلال محاولة فض النزاع.

 

إجراءات أمنية

وأفاد مصدر أمني، بوصول أرتال كبيرة من مختلف أصناف الشرطة الاتحادية بمدخل قضاء الإصلاح في محافظة ذي قار، كما دخلت قوة من التدخل السريع إلى القضاء، فجر اليوم، لغرض فض النزاع العشائري وملاحقة المشاركين فيه.

وزارة الداخلية العراقية أعلنت اليوم الاثنين، أن عدد الملقى القبض عليهم بقضاء الإصلاح ارتفع إلى أكثر من 100 متهم.

وقالت الوزارة في بيان ورد لشبكة "الساعة" إن "قوات وزارة الداخلية تواصل عمليات المداهمة والتفتيش في قضاء الإصلاح ضمن محافظة ذي قار".

وأضافت أن "عدد الملقى القبض عليهم وصل لغاية الآن 105 متهمين، كما تم ضبط كمية من الأسلحة"، مؤكدة أن "الواجب ما زال مستمراً".

 

الداخلية تتوعد

وفي بيان ثانٍ، وصفت وزارة الداخلية ما حدث في النزاع العشائري بقضاء الإصلاح بالعمل الإرهابي، وأكدت أنه لن يفلت أحد من المشاركين فيه من العقاب.

ونعت الداخلية مدير استخبارات مكافحة إرهاب ذي قار الذي قضى خلال فض نزاع عشائري في قضاء الإصلاح ضمن المحافظة، وأكدت أن "من ارتكب هذا العمل الإرهابي الإجرامي لن يفلت من العقاب وسيكون تحت طائلة القانون".

وأضافت أن "قيادة شرطة ذي قار شرعت بعملية تفتيش واسعة ضمن محل الحادث وطوقت المكان بالكامل لإلقاء القبض على طرفي النزاع لينالوا جزاءهم العادل".

 

دعوة لفرض سلطة القانون

عدد من سكان محافظة ذي قار دعوا الجهات الحكومية المركزية والمحلية والأمنية إلى فرض سلطة القانون وعدم السماح بانفلات السلاح وإثارة النزاعات العشائرية.

رعد الركابي أحد سكنة مدينة الناصرية قال في حديث لشبكة "الساعة": إن "المحافظة تسجل الكثير من هذه التحديات وإطلاق العيارات النارية في جميع المناسبات مع تصاعد حدة النزاعات في مناطق مختلفة أدت إلى سقوط العديد من الضحايا".

وأشار الركابي إلى أن "المحافظة بحاجة إلى عملية أمنية واسعة للقضاء على هذه الظاهرة والتي أصبحت اليوم تهدد السلم المجتمعي والأمن والاستقرار".

 

الموقف الحكومي

وفي الموقف الحكومي إزاء الأحداث الأخيرة في ذي قار وجه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، باتخاذ الإجراءات لمحاسبة المجرمين المشاركين في النزاع العشائري بقضاء الإصلاح.

أما محافظ ذي قار مرتضى الإبراهيمي فأكد أن "جميع المتورطين بالحادثة الأخيرة سيكونون خاضعين للعدالة قريبا".

 وقال الإبراهيمي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الوضع الأمني في محافظة ذي قار تحت السيطرة ومستقر بشكل كامل".

وأضاف: أن "رئيس الوزراء وجه باتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها ضبط المتورطين بالحادثة وتطبيق القانون عليهم"، مشيرا إلى أن "وزارة الداخلية أيضا شكلت لجنة عالية المستوى لمتابعة الموضوع وفرض الأمن في المحافظة".

ودعا المحافظ وجهاء ومشايخ المحافظة إلى "المساهمة إلى درء الفتنة وعدم الانجرار إلى صراعات مخالفة للشرع والقانون".

 

"الجناة يخضعون للعدالة قريبا"

من جهته أعلن مدير شؤون العشائر في وزارة الداخلية اللواء سليمان الحسيناوي أن "الأجهزة الأمنية ألقت القبض على عدد كبير من المتورطين بالنزاع العشائري، مشددا على أن جميع المشاركين في الصراع سيكونون قريبا تحت حكم العدالة.

وقال الحسيناوي في حديث لشبكة "الساعة": إن "هناك خطوات متقدمة حققتها الأجهزة الأمنية في مجال متابعة المخالفين للقانون ومثيري النزاعات العشائرية لكن لا مجال لذكرها حاليا بسبب التحقيقات الجارية"، وأوضح أن "الأجهزة الأمنية تطمئن الأهالي بأن الوضع في ذي قار تحت السيطرة، وأن العشائر العربية في ذي قار بريئة من هذه النزاعات التي وصفها بالفردية، كما أشار إلى أنها بريئة من استخدام السلاح خلافا للقانون".

 

محاسبة الخارجين على القانون

أما عضو مجلس محافظة ذي قار وممثل عشائر المحافظة الشيخ سالم الإسماعيلي فطالب الأجهزة الأمنية في ذي قار بعدم التسامح مع مثيري النزاعات العشائرية في المحافظة.

وقال الإسماعيلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "العشائر في ذي قار كانت وما تزال صمام الأمان في المحافظة وعموم العراق"، مبينا أن "من استخدم السلاح وأثار الرعب في النزاع الأخير والنزاعات التي سبقته هم مجاميع خارجين عن القانون"، مشددا على "ضرورة محاسبتهم من قبل الدولة العراقية".

 

تداعيات سلبية

وفي التداعيات السلبية لمشكلة الصراعات العشائرية على محافظة ذي قار، يرى الناشط المدني ناطق الخفاجي أن هذه الصراعات من شأنها الإساءة للمحافظة، إضافة إلى إلحاق الضرر بها سياسيا وأمنيا، واقتصاديا وسياحيا واجتماعيا.

وقال الخفاجي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الصراعات العشائرية تشهدها محافظة ذي قار منذ سنوات ولم تعالج المشكلة لغاية اليوم"، مبينا أن "ضعف الدولة وعدم وجود الجدية في التعامل مع هذا الملف حال دون إنهائه طيلة الفترة الماضية".

وأضاف: أن "السلطات الحكومية تطلق الوعود بفرض الأمن وملاحقة الخارجين عن القانون، ولكن دون تنفيذ"، مشيرا إلى أن "هذه الصراعات تؤثر سلبا على الوضع الأمني والاجتماعي وتثير الرعب والمخاوف في صفوف الأهالي، كما أنها تمثل العامل الأبرز لطرد السياحة والاستثمار من المحافظة بينما هي بأمس الحاجة إلى هذين الملفين".

 

تخادم مصالح الأحزاب والعشائر

أما الباحث والصحفي حسين العامل فيؤكد أن تخادم المصالح بين الأحزاب والعشائر والفصائل المسلحة يعد السبب الأبرز وراء عدم معالجة مشكلة الصراعات العشائرية في ذي قار.

وقال العامل في حديث لشبكة "الساعة": إن "محافظة ذي قار تسجل شهريا نحو 10 نزاعات مسلحة بين العشائر يذهب ضحيتها أطفال ومدنيون تصادف وجودهم بموقع النزاع".

وأضاف: أن "النزاعات العشائرية ترجع بشكل كبير إلى فوضى السلاح الذي يشهده عموم العراق، واستقواء الأحزاب والفصائل المسلحة بالعشائر واستخدامها كورقة بارزة في الانتخابات المحلية والتشريعية"، مبينا أن "استغلال العشائر بالانتخابات يجعل الدولة ضعيفة أمام فرض القانون عليها".

واستبعد العامل حل مشكلة الصراعات العشائرية قريبا في ذي قار، وقال إنه "ما دام هناك تخادم في المصالح ما بين الأحزاب والفصائل والعشائر، فإن النزاعات العشائرية لن تتوقف"، مبينا أن "القوات الأمنية في المحافظة لا حول لها ولا قوة في ملف مواجهة صراعات العشائر لأن عناصر الأجهزة الأمنية يخشون من الاستهداف العشائري فيما بعد"، منوها إلى أن "هذه الصراعات بحاجة إلى أمر خارق وعصى موسى لوقفها"، حسب تعبيره.