تسود حالة من الرعب بين أهالي العديد من المناطق العراقية بعد أن حولتها الفصائل المسلحة إلى مخازن للأسلحة والعتاد بمختلف الأنواع، فضلاً عن الصواريخ والطائرات المسيرة.
وأقدمت العديد من العائلات العراقية على ترك منازلها التي تقع بالقرب من مقار الفصائل على إثر الهجمات الأمريكية الأخيرة التي طالت مواقع للفصائل في قضاء القائم بمحافظة الأنبار غربي العراق، والتهديد الأمريكي المستمر بضربات جديدة.
ويتصدر العراق دول المنطقة والعالم، في معدلات التفجيرات في مخازن الأسلحة التابعة للفصائل المسلحة والتي تنتشر أغلبها داخل المناطق السكنية المكتظة في عموم المحافظات ولاسيما العاصمة بغداد.
وتنتشر مخازن السلاح العراقي داخل المناطق السكنية بشكل لافت ومع بداية كل صيف يسترجع الناس مخاوفهم من انفجارها، نظرا لارتفاع درجات الحرارة، الذي يحوّل هذه المخازن إلى قنابل موقوتة، قد تودي بحياتهم.
عشرات التفجيرات
وبحسب إحصائية نشرتها وسائل إعلام بشأن حوادث التفجير التي تقع داخل مخازن السلاح التابعة للفصائل، فإن العراق شهد في الفترة الممتدة من 2016 – 2023 أكثر من 30 تفجيرا، راح ضحيتها عشرات القتلى ومئات المصابين.
أبرز التفجيرات التي سجلت في مخازن الأسلحة تتمثل في انفجار مخزن للسلاح في منطقة العبيدي (شرقي بغداد) في سبتمبر/أيلول 2016، والانفجار الذي هزّ مدينة الصدر (شرقي العاصمة) في يونيو/حزيران 2018 في حسينية الإمام الحسين، حيث وقع الانفجاران نتيجة تخزين كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، بما فيها الصواريخ، وتسببا في أضرار مادية وبشرية جسيمة.
فيما شهد عام 2019 لوحده انفجار خمسة من مخازن السلاح العراقي في مناطق متفرّقة من البلاد، وكذلك الأمر في صيف عام 2020.
أما العام 2021 فقد شهد، خلال شهر تموز/يوليو، انفجار مخزن للأسلحة، يعود لفرقة "الإمام علي"، التابعة للحشد الشعبي في محافظة النجف.
وفي العام 2022، استهدفت مجاميع مسلحة مخزنا للأسلحة والعتاد تابعا للحشد الشعبي بالقرب من المنازل السكنية في قضاء المحمودية (جنوبي العاصمة بغداد)، وأسفر عن مقتل 11 شخصا، وإصابة 29 آخرين، فضلا عن أضرار جسيمة لحقت بمنازل وسيارات المواطنين.
كما وقع انفجار في العام 2022 في مخزن للعتاد والصواريخ، يتبع لحركة عصائب أهل الحق، في منطقة الصويرة بمحافظة واسط.
الهجمات الأمريكية تزيد المخاوف
ومع التصعيد الأمريكي الأخير ضد الفصائل العراقية المسلحة على خلفية أحداث غزة واستهداف مقرات للقوات الأمريكية من قبل تلك الفصائل، تصاعدت مخاوف الأهالي من استهداف المقرات التابعة للفصائل الموجودة داخل الأحياء السكنية خشية احتوائها على مخازن للأسلحة والصواريخ.
ومطلع شهر فبراير/ شباط الجاري أوقع الهجوم الأمريكي الذي استهدف مواقع تابعة للفصائل المسلحة، في مجمع السكك السكني في منطقة عكاشات التابعة لقضاء القائم 16 قتيلا و26 جريحًا من مسلحي الفصائل المسلحة، فيما تسببت الانفجارات داخل مخازن الأسلحة، بوقوع قتيل والعديد من الإصابات بين المدنيين وتضرر عدد من المنازل القريبة منها، فضلا عن احتراق سيارات مدنية عدّة.
مناطق انتشار المخازن
في بغداد، تعدّ مناطق قرب الجسر الفرنسي والكمالية وشهداء العبيدي وشارع فلسطين وأجزاء من منطقة زيونة وصدر القناة والدورة وشهداء السيدية بالقرب من الشرطة الرابعة وأبو غريب من أبرز المناطق في العاصمة التي تنتشر فيها مخازن الأسلحة والعتاد، بالإضافة إلى مخازن للسيارات المصفحة والطائرات المسيرة، وتعود لتشكيلات منضوية في الحشد الشعبي. وفقا لمسؤول أمني.
وبالإضافة إلى العاصمة، تعدّ محافظات البصرة وبابل وميسان (جنوبا) وكركوك ونينوى وصلاح الدين (شمالا) من أكثر المحافظات العراقية التي تنتشر في أزقتها السكانية مخازن السلاح والعتاد، حسب المصدر الأمني، وأغلبها تعود لفصائل الحشد الشعبي.
توزيع حسب النفوذ
وتتوزع أماكن تخزين الأسلحة في بغداد بحسب مناطق النفوذ، ووفقاً لتأثير الفصائل فيها، حيث تحفظ كتائب حزب الله عتادها في مناطق جنوب بغداد، خصوصا مناطق الدورة، بينما تخزّن ما تعرف باسم سرايا الخرساني أسلحتها الثقيلة في منطقة الجادرية.
وفي مدينة الصدر، تمتلك سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر مخازن أسلحة هناك، وقد شهدت قبل فترة انفجار أحد المخازن ما أدى لوقوع ضحايا بين المدنيين.
أما مناطق شرق بغداد، خصوصا المشتل، والزعفرانية، والبلديات فهي مناطق نفوذ ومخازن أسلحة تابعة لحركة العصائب التابعة لقيس الخزعلي، وفي كل منطقة من هذه المناطق توجد مخازن لعتاد غير حكومي وسط السكان مخزن بظروف غير مناسبة ويمكن أن ينفجر بأي لحظة.
"مخازن موت"
وتوصف عادة هذه المستودعات والمخازن "بقنابل موقوتة ومخازن موت"، وهذا ما أدى إلى موجة من النزوح والهجرة من تلك المناطق إلى غيرها، بالإضافة إلى تسبّبها في أضرار اقتصادية في أسعار العقارات، مما دفع كثير من المواطنين إلى بيع منازلهم ومحلاتهم بأسعار زهيدة أقل من سعرها الحقيقي خوفًا من تكرار الانفجارات فيها أو استهدافها من قبل الطيران الأمريكي، إذ تودي تلك الاستهدافات أو التفجيرات بحياة العديد من السكان.
وخلال فترات مُتفاوتة، أطلق عراقيون وسوما لجعل المدن خالية من مستودعات الأسلحة، أبرزها وسم "بغداد منزوعة العتاد"، خوفا من وقوع كوارث إنسانية بسبب انفجار أي منها.
كما أطلق ناشطون وسمًا حمل عنوان: أخرجوا الفصائل من المدن، للمطالبة بإبعاد مقار الفصائل عن الأحياء السكنية خاصة مستودعات السلاح منه.
وتساءل الناشطون عن سبب وضع أسلحة الفصائل المسلحة داخل المدن الآمنة ووسط الأحياء السكنية، واصفين عناصرها بعدم امتلاكهم أي شعور إنساني، وأن حياة المدنيين أمر هامشي أمام أجندات تلك الجماعات.
إبقاء المخازن داخل المدن؟
لكن يبقى السؤال المطروح.. لماذا تصر جهات عراقية رسمية وشبه رسمية، على تخزين سلاحها وسط الأماكن السكنية؟
يؤكد خبراء في المجال الأمني أن سبب وضع تلك الفصائل مخازنها داخل الأحياء السكنية يرجع إلى أن وجود مخازن السلاح في الأحياء السكنية قد يمنع القوات الأميركية من استهدافها، غير أنهم أكدوا أن أميركا إذا أرادت استهداف مخازن السلاح ستقوم بذلك من دون الاكتراث بحياة المدنيين.
وبحسب مسؤولين أمنيين عراقيين، فإن "الفصائل المسلحة ما تزال تحتفظ بمخازن العتاد والأسلحة داخل المدن بالرغم من صدور توجيه من رئيس الوزراء – القائد العام للقوات المسلحة الأسبق حيدر العبادي في العام 2017 يقضي بنقل مستودعات الأسلحة إلى خارج المدن".
وأكدوا أن "ما لا يقل عن 80 مستودعاً ومخزن سلاح للفصائل المسلحة تحتوي على أسلحة وصواريخ ومواد متفجرة، لا تزال موجودة في المدن"، وأوضحوا أن "بغداد وبابل وديالى وصلاح الدين ونينوى وكربلاء، تتصدر المدن أو المحافظات العراقية من حيث خطورة الوضع المرتبط بوجود مثل هذه المخازن".
وأشار المسؤولون إلى أن "بعض الفصائل تصر على أنها قامت بنقل مخازنها، وذلك بخلاف الحقيقة، إذ أن فصائل مثل (كتائب حزب الله) و(عصائب أهل الحق) و(النجباء)، تعتبر وجود سلاحها بالقرب منها مسألة أمنية وحسّاسة، وهي تتعمد وضعه في المناطق السكنية، لحمايته، حيث تعتبر أنه في حال قررت واشنطن استهداف مقرات لها، فإنها لن تقترب من المناطق السكنية".
وتشير المصادر الأمنية العراقية إلى أن "مستودعات أسلحة فصائل الحشد، تقسم إلى قسمين: الأول يشمل الرسمية المسجلة والمعلومة لدى السلطات العراقية، والثاني يتضمن تلك التي تحتفظ بها الفصائل لنفسها كترسانة خاصة، وتضم قنابل هاون وصواريخ موجهة وقذائف مدفعية ودبّابات وبراميل تي أن تي وسي فور، (وكلّها قابلة لأن تكون مشروع كارثة)، ولفتت تلك المصادر إلى أن الأجهزة الأمنية تعرف مكان عدد غير قليل من هذه المستودعات، لكنها لا تقترب منها".
كوارث أمنية وإنسانية
وفي وقت سابق عد النائب باسم خشان، أنّ مناطق معينة في بغداد وبعض المحافظات العراقية الأخرى، باتت عملياً تحت سيطرة ونفوذ فصائل وجماعات مسلحة، حوّلت مباني كثيرة إلى مخازن لأسلحتها، والتي بعضها رسمي ومعلوم للحكومة، وبعضها الآخر غير رسمي.
وأكد خشان أن وجود هذه الأسلحة والمتفجرات وسط الأحياء السكنية، يمثل مصدر خطر كبير على سلامة الأهالي، وينذر بوقوع كوارث أمنية وإنسانية لا تحمد عقباها.
كما شدد النائب على أن الجهات الحكومية المختصة، مطالبة بالتحرك السريع من أجل تنظيف المناطق السكنية من أسلحة الجماعات المسلحة، التي تهدد حياة وسلامة المواطنين"، لافتاً إلى أن "التحرك الحكومي والأمني يتطلب عمليات أمنية حقيقية لمحاربة وحصر السلاح المنفلت، وليس إطلاق حملات إعلامية وعمليات تستهدف أسلحة المواطنين الخفيفة غير المرخصة، فيما تترك السلاح الثقيل والمتوسط بين الأحياء السكنية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام