تشهد العاصمة العراقية بغداد تصاعدا في وتيرة الخروقات الأمنية وأنشطة الجريمة المنظمة والتجارة بالمخدرات، إلى جانب انتشار مظاهر السلاح المنفلت، حتى باتت مشاهد الاشتباك المسلح في شوارع بغداد شبيهة بالمواجهات المصورة في السينما وأفلام تكساس الأمريكية.
مؤخرا انتشرت مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي لمشاجرة بالأسلحة النارية بين مدنيين في سوق مريدي الشعبي بمدينة الصدر شرقي بغداد، وهو ما أثار صدمة لدى الكثير من العراقيين.
وبحسب السلطات الأمنية فإن اشتباك سوق مريدي الذي يوم الأحد الماضي أسفر عن مقتل شخص وإصابة آخر، فيما تم اعتقال أحد المتهمين، بحسب بيان لوزارة الداخلية.
وبحسب شهود عيان فإن المشاجرة المسلحة امتدت لربع ساعة في منطقة يمر فيها المواطنون، حيث تنتشر المحالّ التجارية، وأن الرصاص كان يطلق بشكل عشوائي دون أن تتدخل القوات الأمنية التي كانت قريبة من موقع الحادث.
ويوم السبت الماضي، قتل شخصان بهجوم مسلح في سوق بغداد الجديدة في العاصمة بغداد، قبل أن يتبين فيما بعد أن الجناة هم ضابطان كبيران أحدهما برتبة عقيد يعملان في مكتب وزير الداخلية.
ضبط حملة السلاح
في الأثناء، أكدت وزارة الداخلية العراقية، أمس الاثنين، القبض على جميع المتورطين في الجريمتين اللتين وقعتا في منطقة بغداد الجديدة وسوق مريدي.
وقال الناطق باسم وزارة الداخلية وخلية الاعلام الامني العميد مقداد ميري، في تصريح صحفي إن "جميع منفذي حادثي مدينة الصدر وبغداد الجديدة في قبضة العدالة".
وأكد ميري أن "الداخلية ألقت القبض على جميع المتورطين بحادث مدينة الصدر، وكذلك حادث منطقة بغداد الجديدة اللتان وقعتا خلال اليومين الماضيين"، مشيرا إلى "اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق جميع المتهمين".
وأفادت مصادر أمنية بتسجيل عشرات الحوادث والخروقات في العاصمة خلال الأسبوعين الماضيين، وبينت أن "تلك الخروقات أسفرت عن مقتل 20 شخصا على الأقل وإصابة نحو 100 شخص"، مشيرةً إلى أن "حوادث القتل توزعت ما بين القتل مباشر بالسلاح ومشاجرات وهجوم بقنابل يدوية واستهداف بآلات جارحة".
الداخلية ترد
ومع تصاعد الغضب والانتقادات للسلطات الأمنية، أصدرت وزارة الداخلية، بيانا ردت فيه على اتهامها بالتقصير بشأن الحادث.
وقال المستشار الأمني لوزير الداخلية، اللواء سعد معن، في البيان إنه "في الآونة الأخيرة كثر الحديث والسجالات عبر المواقع والمنصات الإلكترونية وبعض وسائل الإعلام عن الجريمتين المرتكبتين في مدينتي الصدر وبغداد الجديدة في العاصمة بغداد".
واعتبر أنه من "المخيب للآمال أن الخوض في تفاصيل الجريمتين أخذ جانباً واحداً فقط بوضع اللوم على القوات الأمنية التي لا ننكر أنها تتحمل المسؤولية الأولى في هذا الصدد، لكن في الوقت نفسه لا يمكن وضع شرطي ورجل أمن في كل زقاق ومحل تجاري يراقب تصرفات الأفراد، وهو أمر مستحيل بالطبع".
وأضاف: "إذ غفل أو تغافل البعض عن الحديث حول سرعة استجابة وزارة الداخلية وإلقائها القبض على الجناة وتقديمهم للعدالة والقضاء للقصاص منهم للضحايا أولاً وللمجتمع ثانياً، وهذا أمر يجب على المنصفين ذكره، لما له من أهمية في رفع معنويات القوات الأمنية التي تضحي بنفسها كل يوم في سبيل تعزيز الاستقرار وإدامة الأمن المجتمعي، وكذلك في نفوس المواطنين الذين يجب أن تتعزز ثقتهم بهذه القوات لأنها الضامن الأكيد للأمن المستدام".
ودعا المواطنين إلى "مقارنة التطور الأمني خلال العام المنصرم والعام الحالي مع الأعوام السابقة"، معتبرا أن "هذا لم يأت من فراغ".
استنفار أمني
إلى ذلك أعلنت مديرية مكافحة إجرام بغداد، الاستنفار الأمني في منطقة "سوق مريدي" بمدينة الصدر بعد المواجهات الأخيرة.
وقالت المديرية في بيان، إن "مفارزها، أجرت ممارسة أمنية في منطقة (سوق مريدي) والمناطق المحيطة بها ضمن مدينة الصدر شرقي العاصمة، لتفتيش وتدقيق الدراجات النارية والعجلات والأشخاص المطلوبين في هذا القاطع الذي سجلت فيه حوادث جنائية مؤخراً، وذلك بهدف توفير الأمن للمواطنين والحد من ارتكاب الجريمة وملاحقة مرتكبيها من خلال نشر الدوريات والمفارز ضمن المناطق السكنية".
وأضافت أنه "وعلى الرغم من تصاعد الخروقات الأمنية في بغداد والتي أغلبها تكون حوادث جنائية أو بفعل عصابات الجريمة المنظمة، إلا أن المخاطر الحقيقية تكمن في الاغتيالات السياسية التي تنفذها جهات تمتلك السلاح وتدعمها أطراف سياسية".
تحذيرات من الاغتيالات السياسية
ويحذر الناشط حيدر الموسوي من عودة مسلسل الاغتيالات ذات الطابع السياسي إلى بغداد، لأنها ستكون بداية لفعل وردة فعل من قبل جهات مسلحة خارجة عن القانون.
وأشار الموسوي إلى أن "بعض حوادث الاغتيال السياسي التي تسجل في محافظات وسط وجنوب العراق تنذر بوضع خطير وآخرها استهداف الناشط في التيار الصدري أيسر الخفاجي، إضافة إلى اغتيالات طالت مسؤولين في التيار الصدري وحركة العصائب جنوبي البلاد"، مؤكدا "وجود مخاوف في الشارع البغدادي من وصول هذه الاغتيالات إلى العاصمة بغداد".
وأكد أن "بغداد عاشت حالة من الرعب عقب تظاهرات تشرين، حيث أن مسلحين ينتمون لجهات خارجة عن القانون استهدفت العديد من الناشطين"، لافتا إلى أن "هذه الجرائم ما تزال لغاية اليوم مسجلة ضد مجهول بسبب انتماء الجناة لجهات متنفذة".
وكان المستشار الأسبق لرئاسة الجمهورية ورئيس مؤسسة (المدى للإعلام والثقافة والفنون) فخري كريم قد نجا الخميس الماضي من محاولة اغتيال أيضا، بهجوم مسلح في منطقة القادسية وسط بغداد.
واتهمت مؤسسة المدى التي يرأسها كريم من أسمتهم قوى الظلام والتخلف، المسؤولة عن الخراب العراقي الماثل بالوقوف وراء محاولة الاغتيال، وقالت إن "هذه الجهات لا يسرها أن ترى العراقيين فرحين متفاعلين مع حدث ثقافي كبير ومؤثر مثل معرض العراق الدولي للكتاب الذي يقام منذ أيام في العاصمة بغداد".
وبعد تراجع دور تنظيم "داعش" في البلاد بعد العمليات العسكرية من 2014 إلى 2017، باتت مظاهر السلاح المنفلت في العاصمة بغداد هي الأبرز.
كما شهدت المرحلة التي أعقبت تظاهرات تشرين 2019 عشرات عمليات الخطف والاغتيال التي طالت ناشطين في التظاهرات، فيما وجهت الاتهمامات للفصائل المسلحة المعروفة بقربها من إيران.
حصر السلاح ضرورة وطنية
الباحث في الشأن العراقي صباح العكيلي أكد أن الخروقات الأمنية في العاصمة بغداد ترجع لأسباب اجتماعية، ونتيجة طبيعية لانتشار السلاح خارج سلطة الدولة.
وقال العكيلي في حديث لشبكة "الساعة": إن "من الملفات التي تمثل تحديا أمام حكومة محمد شياع السوداني هي السلاح المنفلت وضرورة حصر السلاح بيد الدولة"، مضيفاً أن "الفترة الأخيرة شهدت حدوث خروقات أمنية في العاصمة بغداد وغيرها من المتاطق"، عازياً "السبب إلى انتشار السلاح المنفلت وعوامل اجتماعية ومؤثرات خارجية".
وتابع: أن "العراق ما يزال يعيش تداعيات الارهاب، فضلا عن تفاعل ملف التواجد العسكري الأجنبي (الأمريكي) على الأراضي العراقية، وذلك يدفع نحو عدم السيطرة على السلاح"، مبينا أن "حصر السلاح يحتاج إلى تطمينات بشأن انتهاء الإرهاب وإنهاء التواجد العسكري الأجنبي".
ولفت إلى أن "التركيبة الاجتماعية والعشائرية هي الأخرى تمثل تحديا أمام السلطات الحكومية في ملف حصر السلاح بيد الدولة، وذلك يتطلب عملا وجهدا متواصل على المستوى التوعية من جهة وفرض القانون بالقوة من جهة أخرى، من أجل إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت".
وشدد العكيلي على "ضرورة أن تتحرك السلطات الأمنية لضبط السلاح المنفلت وحصره بيد الدولة"، مؤكدا أن "العراق مقبل مرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية وتفعيل دور الاستثمار وتواجد الشركات الأجنبية داخل البلاد"، محذرا من أن "استمرار وجود السلاح المنفلت سيؤثر سلبا على ملف الاستثمار والاقتصاد في المرحلة المقبلة".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام