استيلاء واغتصاب للأملاك العامة والخاصة أمام مرأى ومسمع السلطات العراقية، هكذا هو الحال في مدينة سامراء، حيث لا قرار يعلو على قرار وسلطة العتبة العسكرية المسؤولة عن إدارة وحماية المرقدين العسكريين في مدينة سامراء التابعة لمحافظة صلاح الدين.
منذ 10 سنوات، وبالتزامن مع سيطرة داعش على 3 محافظات عراقية، أحكمت العتبة العسكرية قبضتها على المدينة القديمة في سامراء، وضاعفت من عمليات الاستيلاء على الأراضي والأملاك سواء التابعة للدولة أو التابعة للأهالي.
وما تزال العتبة العسكرية لغاية اليوم تستولي على تلك الأملاك وترفض إخلاءها وتسليمها لأصحابها من أبناء المدينة، التي يسكنها أغلبية مطلقة من العرب السنة.
وتشمل عمليات الاستيلاء على الأملاك والعقارات في سامراء، جميع الدور والمطاعم والفنادق والمحلات التجارية في مدينة سامراء القديمة، وهي المنطقة المحيطة بمرقدي الإمامين العسكريين الحسن العسكري وعلي الهادي.
كما تحاول العتبة العسكرية الاستيلاء على الجامع الكبير في سامراء، وحاولت تغيير اسمه بعد أن ظل على مدى قرون مسجدًا لأهل السنة.
وتتهم أطراف سياسية عراقية العتبة العسكرية بإثارة الفتنة الطائفية في العراق من جديد، من خلال الاستيلاء بالقوة على أملاك ومساجد السنة في سامراء، كما وجهت الاتهامات للعتبة بمحاولة التغيير الديموغرافي في القضاء لغايات طائفية وسياسية واقتصادية.
وبحسب المعلومات فإن العتبة العسكرية تستولي على الأملاك بتواطؤ حكومي من جهة، وبغض النظر عن عمليات الاستيلاء من جهة أخرى.
تفجير المرقدين
وتعرض المرقدان العسكريان في مدينة سامراء إلى هجوم في 22 شباط 2006، والذي تزامنت ذكراه السنوية الثامنة عشر أمس الخميس، ما تسبب باندلاع حرب طائفية في البلاد كانت العاصمة بغداد مسرحها الأبرز، وتسببت بمقتل الآلاف وتوقف الحياة بشكل كامل لأكثر من عامين.
وأثار الهجوم على المرقد حينها جملة من علامات الاستفهام عن كيفية اقتحام المرقدين وتفخيخهما بطريقة محكمة ومن ثم تفجيرهما، وفيما تتهم السلطات العراقية تنظيم القاعدة آنذاك بالوقوف وراء الهجوم إلا أن الجيش الأمريكي الذي كان يتولى إدارة العراق عسكريا وجه الاتهام للاستخبارات الإيرانية بالوقوف وراء الهجوم.
استيلاء على الأملاك
وبالعودة لموضوع الاستيلاء على الأملاك في سامراء، فتؤكد مصادر في سامراء أن العتبة العسكرية بدأت منذ حادثة تفجير المرقدين العسكريين بالدخول والسيطرة على الاملاك في سامراء، حيث كانت بادئ الأمر تمنع أي محاولة لممارسة الأنشطة الاقتصادية في البنايات القريبة من المرقدين بذريعة المخاطر الأمنية، لكن هذه الممارسات تطورت فيما بعد وتحولت إلى عملية استيلاء واضحة على تلك الأملاك.
وتشير المصادر إلى أن "العتبة العسكرية طيلة السنوات الماضية بدأت بعمليات تضييق الخناق على أصحاب الأملاك في المدينة القديمة في محاولة لتحويل ملكية هذه الأراضي والعقارات باسم العتبة"، مبينة أن "الطرق التي تستخدم في ذلك الترغيب والترهيب والتزوير فضلا عن شراء بعض الأملاك بأسعار بخسة لا يصل سعر المتر الواحد إلى 100 دولار بينما يثمن سعر المتر الواحد نحو 10 آلاف دولار".
وتؤكد مصادر في سامراء أن "جهات متنفذة في الحكومة الحالية مارست ضغوطا على وزير الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة بنكين ريكاني من أجل توجيه مدير بلدية سامراء بمنح العتبة العسكرية أرضًا بمساحة 48 دونما وسط المدينة".
وأشارت إلى أن "العتبة بدأت باستثمار الأراضي التي فرضت السيطرة عليها في سامراء بإنشاء مجمعات سكنية كبيرة"، مبينة أن "الموضوع الأبرز وراء هيمنة العتبة وبدعم من الفصائل المسلحة على سامراء هو موضوع اقتصادي استثماري بالدرجة الأساس".
مطالبات ببدل الإيجار!
وأطلق وجهاء وشيوخ مدينة سامراء مناشدة لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني للتدخل المباشر وإنهاء استيلاء العتبة العسكرية على أملاكهم.
وشدد شيوخ ووجهاء سامراء في مؤتمر صحفي على رفضهم للتنازل عن أملاكهم أو بيعها أو الاستيلاء عليها من أي جهة، ولفتوا إلى أن هيمنة العتبة على أملاكهم تسبب بتردي أحوالهم الاقتصادية ولاسيما أن محلاتهم وأسواقهم موجودة في المنطقة المغلقة قرب المرقدين العسكريين.
وناشد الوجهاء رئيس الوزراء بتعويضهم عن الأملاك ببدل إيجار عن المدد التي حرموا من استغلالها، بعد أن يئسوا من تدخل بغداد لإنهاء الأزمة وإعادة الأملاك لأصحابها.
وفي وقت سابق استنكر شيوخ ووجهاء وعلماء مدينة سامراء استيلاء العتبة العسكرية على أراضي المدينة، واستمرار عمليات التغيير الديمغرافي التي تقوم بها بتواطؤ من الجهات الحكومية.
وقال شيوخ ووجهاء سامراء إن "العتبة العسكرية مارست التضييق على مدينة سامراء القديمة، وحرمت أهلها من التحرك والتصرف بأملاكهم ومصادر معيشتهم، فضلًا عن محاولاتها المستمرة للاستيلاء على الجامع الكبير والمدرسة العلمية فيها".
تغيير ديموغرافي
واتهم شيوخ ووجهاء سامراء، "العتبة العسكرية بممارسة التغيير الديمغرافي القسري من خلال جلب ألف عائلة من خارج المدينة وإسكانهم في المنطقة القديمة المغلقة أمام أهالي سامراء، للعمل في مشروع إعادة إعمار ضريح العسكريين فيها"، كما أشاروا إلى "استيلاء العتبة على أملاك بلدية سامراء داخل المدينة القديمة وإغلاقها وحرمان أهلها من فرص العمل دون مبرر".
وطالب البيان، "الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بالتدخل لوضع حدٍ للممارسات الاستفزازية (للعتبة العسكرية) ومحاولات التضييق المستمرة لأهالي المدينة، وإلغاء قانون العتبات رقم 19 لسنة 2005 وإرجاع الحقوق لأهل المدينة التي كابد أهلها التهميش والإقصاء طوال عشرين عامًا".
مخططات استيلائية
من جهته يؤكد الباحث والصحفي العراقي عمر الجنابي أن ممارسات العتبة العسكرية في سامراء يعد بما لا يقبل الشك سطوة واستيلاء واغتصابا للأملاك التابعة لأهالي المدينة بدوافع اقتصادية وطائفية.
وقال الجنابي في حديث لشبكة الساعة: إن "المنطقة التجارية والسكنية والفنادق والمحلات والمطاعم في مدينة سامراء القديمة القريبة من المرقدين العسكريين تعرضت لسطوة واستيلاء من العتبة العسكرية التي تحولت إلى إمبراطوريات اقتصادية واستثمارية كبيرة في البلاد، بفعل عمليات السطو والاستيلاء على الأملاك التي تمارسها".
وأضاف الجنابي أن "سامراء تحولت إلى سجن كبير مغلق من قبل الفصائل المسلحة والعتبة العسكرية"، ولفت إلى أن "سامراء تتعرض لعمليات تغيير ديموغرافية منذ تفجير المرقدين وهو ما يدفع باتجاه وجود نية مبيته لافتعال هذا الحدث".
وأوضح أن "ممارسات العتبة العسكرية تجري بعلم المرجعيات الدينية في النجف وبعلم الحكومات المتعاقبة، بينما لم تستطع هذه الجهات وقف عمليات الاستيلاء على الأراضي والأملاك العائدة للسكان العرب السنة في سامراء الذين عرفوا منذ مئات السنين على أنهم خدام للمرقدين العسكريين وحماته"، وشدد على أنه "لا يوجد أي مبررات أمنية تعطي الحق للعتبة ومن وراءها بالاستيلاء على الأملاك"، مشيرا إلى أن "الدوافع من ممارستها اقتصادية وطائفية".
ونوه الجنابي إلى أن "غياب المرجعية الدينية والسياسية السنية التي من المفترض أن تتحرك وتجلس مع العتبة للمطالبة بحقوق وأملاك أبناء سامراء، محذرا من توسع دائرة الاستيلاء التي تقودها العتبة العسكرية في مناطق ومحافظات عراقية أخرى من أجل توسيع موارد العتبة الاقتصادية والاستثمارية بذرائع طائفية ودينية".
وفي وقت سابق اتهم رئيس مجلس محافظة صلاح الدين السابق أحمد الكريم العتبة العسكرية باغتصاب الأملاك الخاصة في المدينة القديمة بسامراء، فيما لوح بتدويل القضية إذا لم تعالج.
ولكن القضية ما تزال دون معالجة، فيما تتعرض أي جهة سياسية أو برلمانية عراقية للاستهداف السياسي المباشر في حال إثارة ملف التجاوزات والانتهاكات التي تقوم بها العتبة العسكرية في سامراء.
افتراس التراث
وكانت دراسة مطولة أصدرها معهد "تشاتام هاوس" في لندن عن "افتراس التراث الثقافي في العراق: الاستملاك الطائفي لماضي العراق" قد ذكرت أن المنطقة المحيطة بالمسجد العسكري مهملة.
وأكدت الدراسة أن "البيئة المعمارية ذات الأهمية التاريخية في وسط سامراء بدأت بالتحول التدريجي من قبل الوقف الشيعي، ويجري هدم عشرات المباني وغيرها من المواقع التراثية التي تعود إلى الحقبة العثمانية، إضافة إلى تشريد عشرات الآلاف من الأسر السنية بعد سيطرة فصيل سرايا السلام، ما جعل الحياة الثقافية لسامراء أقل تنوعًا".
وأشارت الدراسة التي كتبها نخبة من الباحثين في المعهد الملكي البريطاني "تشاتام هاوس" إلى "إغلاق (الجامع الكبير) وهو مسجد يديره الوقف السني ومطالبة الوقف الشيعي به كواحد من جوامعه".
وقالت إن "افتراس التراث الثقافي في العراق يتجسد بوضوح وسط سامراء بعد سيطرة الوقف الشيعي وهدم عشرات المباني والمواقع التراثية وتشريد عشرات الآلاف من الأسر السنية بعد سيطرة سرايا السلام".
وبينت أن "استغلال الوقف للموارد الثقافية والدينية للمدينة، واتجاهه لأعمال البنية التحتية داخل المنطقة المسيجة، أدى إلى تغيير جوهري في طابع واحدة من أهم المدن العراقية الدينية والتاريخية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام