أثارت حادثة اختطاف ومقتل الناشط في التيار الصدري أيسر الخفاجي في محافظة بابل المخاوف من تجدد الصراع بين الفصائل المسلحة في مناطق وسط وجنوبي البلاد، والتي تشهد نفوذا وهيمنة واسعة لتلك الفصائل.
مساء الأحد الماضي، أفادت مصادر عراقية باختطاف الناشط أيسر الخفاجي بالقرب من داره وسط بابل، وبعد ساعات من الاختطاف، عثرت القوات الأمنية على جثته مرمية على الطريق السريع الدولي المحاذي لمحافظة بابل.
ويعرف الناشط أيسر الخفاجي بأنه مدون وناشط وقيادي في تنظيمات الشباب التابعة للتيار الصدري، ويعمل ضمن إعلام فصيل سرايا السلام التابع للتيار.
وما يزال الغموض يخيم على حادثة مقتل الناشط الخفاجي، فالرواية الرسمية الحكومية تتحدث عن مقتله في حادث دهس، اختطف بعدها ورميت جثته في منطقة بعيدة عن موقع الحادث، لكن مصادر إعلامية ومقربون من التيار الصدري يؤكدون اختطاف الخفاجي من قبل قوة متنفذة يرتدي عناصرها الزي العسكري وبعد ذلك تم تصفيته.
الداخلية تتحفظ
وقالت وزارة الداخلية في بيان ورد لشبكة "الساعة" إن "مجموعة من الخارجين عن القانون أقدمت على دهس مواطن أمام منزله في قضاء أبي غرق في مدينة الحلة واقتياده إلى جهة مجهولة يوم أمس"، وبينت أن "فريق عمل مختص ضمن قيادة شرطة محافظة بابل باشر بالبحث والتحري وجمع المعلومات وعثر على الجثة صباح الاثنين ملقاة على الطريق السريع في منطقة جبلة".
وأشارت الوزارة إلى أن "فريق العمل الأمني توصلت الى خيوط مهمة عن الجناة الذين لن يفلتوا من العقاب وسيتم تسليمهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل"، بحسب بيانها.
استنفار صدري
وعاشت بابل في الساعات الماضية توترا وحالة من الغليان، إذ شهدت مناطق بمحافظة بابل استنفارا واستعراضا لعناصر سرايا السلام (الجناح المسلح للتيار الصدري).
وأشارت مصادر في بابل إلى أن "مقر سرايا السلام في بابل، يشهد حالة من الاستنفار، مع وجود المسؤول العام لسرايا السلام تحسين الحميداوي، وعدد من قادة الجماعة المسلحة، وانتشار قوات أمنية مختلفة في عدد من شوارع المحافظة تأهباً لأي طارئ قد يحصل خلال الساعات المقبلة".
مهلة ذوي الخفاجي
وخلال تشييع الناشط، أمهلت عشيرة الخفاجي محافظ بابل 24 ساعة للكشف عن الجناة وتقديمهم للعدالة، ملوحة بالتصعيد في حال لم يتم القبض على الجناة والكشف عنهم أمام الرأي العام، متوعدين بأن تكون جميع "المكاتب" هدفا لهم بعد انقضاء المهلة، في إشارة إلى مكاتب حركة العصائب.
تحذيرات من القادم
الناشط السياسي صفاء الخفاجي حذر من انحدار البلاد لمنزلق الاغتيالات والصراع المسلح على خلفية حوادث الاغتيال الأخيرة، مؤكدا أن حادثة مقتل الناشط الصدري تؤكد أن سيادة القانون ما زالت بعيدة المنال في العراق.
وقال الخفاجي إن "الاختطاف نفذ بوضح النهار بواسطة سيارات دفع رباعي اجتازت العديد من السيطرات الأمنية، وهذا يدل على أن الخاطفين يمتلكون نفوذا واسعا"، مبينا أن "رمي الجثة في مكان يبعد عن موقع الاختطاف 70 كم مترا يؤكد نفوذ الخاطفين".
وحذر الناشط من "عودة الاغتيالات والصراع المسلح إلى محافظة بابل ومحافظات جنوب العراق والذي من شأنه إعادة البلاد إلى المربع الأول وسيغرق البلاد ببحر من الدمار".
استفزاز التيار الصدري
يقول مدير مركز بغداد للدراسات السياسية مناف الموسوي إن "منفذي جريمة اختطاف وقتل الناشط وعضو التيار الصدري أيسر الخفاجي كانوا يرتدون الزي العسكري ويستقلون سيارات دفع رباعي".
وأشار الموسوي إلى أن "منفذي الهجوم، ليسوا أشخاصا عاديين، بل متنفذون ولهم القدرة على التنقل والحركة والاغتيال والاختطاف في وضح النهار"، مؤكدا أن "هؤلاء الأشخاص وبسبب نفوذهم الكبير فإنهم من المؤكد أن يكونوا معلومين ومعروفين من قبل الأجهزة الأمنية".
وأوضح الموسوي أن "هناك محاولات مشبوهة تقودها بعض الأطراف لاستفزاز التيار الصدري وإقحامه في صراع داخلي في هذا التوقيت على الرغم من قرار زعيم التيار بالاعتزال السياسي ومقاطعة العملية الانتخابية وعدم المشاركة فيها".
هل العصائب متهمة؟
وتأتي عملية اختطاف وقتل الناشط في التيار الصدري بعد أيام من تعيين القيادي في حركة العصائب عدنان فيحان، محافظا لبابل.
وبذلك أصبحت العصائب مسيطرة عمليا على الحكومة المحلية لبابل، بينما تحتفظ السرايا بحضور قوي لها في المحافظة لتأمين وجود التيار الصدري هناك وحماية مصالحه السياسية والاقتصادية.
وعن هذا الموضوع، يرى الباحث والناشط السياسي المقرب من التيار الصدري عصام حسين أن "اغتيال الناشط الخفاجي يهدف إلى إثارة صراع بين التيار الصدري وحركة العصائب بالتزامن مع تشكيل الحكومة المحلية من قبل العصائب وتكليف عدنان فيحان محافظا لبابل".
وأشار حسين إلى "وجود صراع حالي وخلافات داخل الإطار التنسيقي بشأن مناصب المحافظين، ومن الممكن أن يكون استهداف وقتل الناشط أيسر الخفاجي غرضه إثارة القتال والفتنة بين العصائب والتيار الصدري"، لافتا إلى أن "بعض الجهات داخل الإطار والتي باتت تختلف مع العصائب بشكل كبير تحاول أن تضرب العصائب من خلال إشعال الفتنة فيما بينها وبين التيار".
وتمثل سيطرة العصائب على الحكومة المحلية لبابل عاملا لإشعال الصراعات في المحافظة التي تعرف أصلا وضعا حساسا بسبب التركيز الاستثنائي للفصائل المسلحة عليها، حيث باتت تلك الفصائل المرتبط أغلبها بالحرس الثوري الإيراني تحتل عمليا منطقة جرف الصخر وتتخذ من بساتينها الكثيفة مقرات حصينة لها ومخازن للأسلحة وورشا لإصلاحها وإعادة تركيب ما يأتي منها مفككا من إيران.
صراع قديم
وشهدت بعض المحافظات الجنوبية خلال الفترة الأخيرة صدامات مسلحة بين العصائب والسرايا، آخرها في محافظة ميسان التي شهدت توترا أمنيا وحالة من الاستنفار في صفوف سرايا السلام وحركة العصائب عقب اغتيال عضو في العصائب.
وجاء ذلك بعد أن شهدت مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار المجاورة لميسان اشتباكات مسلّحة بين الطرفين قبل أيام.
وتوجهت أصابع الاتهام في اغتيال ناجي الكعبي مسؤول العلاقات في حركة عصائب أهل الحق بميسان صوب أتباع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.
ويدفع التنافس بين الفصائل المسلحة على النفوذ والهيمنة على المصالح في المحافظات العراقية إلى تكرار الاشتباكات المسلحة والاغتيالات بين تلك الجماعات، إذ وقعت اشتباكات بين جماعتي عصائب أهل الحق وجند الإمام، في 5 يناير/ كانون الثاني الماضي، أثناء احتفال نظم في إحدى بلدات البصرة لإحياء ذكرى اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، ما استدعى تدخلاً أمنياً، ومن ثم اعتقلت القوات الأمنية عنصرين من جماعة جند الإمام.
سبق ذلك بـ10 أيام اشتباك مماثل بين "سرايا السلام" ومسلحين من "عصائب أهل الحق" في منطقة حي العامل، وسط بغداد، بسبب الخلاف على رفع صورة كبيرة تضم كلاً من سليماني والمهندس في المنطقة، التي تعد من أبرز مناطق نفوذ الصدريين.
وفي العام الماضي 2023 سجلت المحافظات العراقية وخاصة البصرة، عدة مواجهات، أبرزها بين "عصائب أهل الحق" و"سرايا السلام" المرتبطة بالتيار الصدري، في صراع على النفوذ غالباً، وتسببت بحرق مقرات ومكاتب للطرفين، إضافة إلى وقوع قتلى وجرحى.
ويؤشر باحثون إلى أنه ثمة عداوة متأصلة بين الصدر والخزعلي، منذ أن انشق الأخير عن جيش المهدي الذي كان نشطاً فيها خلال السنوات التي تلت عام 2004، وتصاعدت حين تحول الخزعلي إلى فاعل سياسي ينافس التيار الصدري على النفوذ في المؤسسات السياسية والحكومية.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام