تشهد محافظة ديالى شرق العراق خلافات وانقسامات حادة داخل قوى الإطار التنسيقي على منصب المحافظ، لتكون ديالى إلى جانب كركوك المحافظتين اللتين لم تحسما أمر تشكيل الحكومات المحلية عقب الانتخابات التي جرت نهاية العام الماضي 2023.
وفيما كان الخلاف والتنافس سابقا يدور في المناطق المختلطة سكانيا ومنها ديالى بين القوى الشيعية والسنية، تحول الآن إلى صراع بين القوى الشيعية فقط، وذلك بعد استبعاد العرب السنة من المنافسة على المنصب.
طرفا الصراع على منصب محافظ ديالى هذه المرة هما الحليفان السابقان المنضويان في الإطار التنسيقي، الأول حركة بدر بزعامة هادي العامري، والثاني حركة العصائب بزعامة قيس الخزعلي.
ولم يقتصر الخلاف على تنافس "بدر" و "العصائب"، فالخلافات وصلت إلى داخل حركة بدر نفسها، كما شملت عشيرة بني تميم التي انقسمت إلى فئتين تدعم إحداها ترشيح المحافظ السابق مثنى التميمي، فيما تدعم الثانية مرشح العصائب للمنصب زياد التميمي.
غياب السنة
في ظل الخلاف الشيعي على منصب المحافظ، تنعزل القوى السنية عن المشهد، فيما تستمر خلافاتها أيضا على منصب رئيس مجلس المحافظة.
فتحالف "تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي يدعم ترشيح سلمان اللهيبي لمنصب رئيس مجلس محافظة ديالى، بينما تحاول كتلة السيادة وعزم ترشيح عمر الكروي للمنصب.
ويدعم تحالف تقدم مرشح العامري لمنصب المحافظ مقابل دعم مرشحه لرئاسة المجلس سلمان اللهيبي، بينما يدعم تحالف السيادة بزعامة خميس الخنجر مرشح العصائب زياد التميمي مقابل دعم مرشح السيادة لرئاسة المجلس عمر الكروي.
صراع العصائب وبدر
وبسبب الخلافات بين كتلتي بدر والعصائب، أخفق مجلس المحافظة في عقد جلسة لاختيار رئيس المجلس وتشكيل الحكومة المحلية، كما أن الطرفين لا يمتلكان الأغلبية في المجلس التي تؤهله لتقديم المرشح لمنصب المحافظ.
وترفض حركة "العصائب" بشكل قطعي التجديد لمحافظ ديالى السابق والقيادي في بدر مثنى التميمي، الذي يتمسك بالمنصب ويرفض أي مبادرة تسوية لإنهاء الأزمة السياسية في المحافظة.
وتنذر الخلافات السياسية داخل قوى الإطار في ديالى واللجوء إلى الشارع للتحشيد وللمطالبة بمنصب المحافظ من انزلاق المحافظة إلى هاوية التوتر الأمني لاسيما وأنها تشهد عمليات اغتيال وأنشطة مسلحة خلال الفترة الماضية.
وتشهد ديالى لليوم الثالث على التوالي فوضى وتظاهرات وإغلاق للطرق فضلا عن إغلاق مبنى مجلس المحافظة من قبل أنصار المحافظ السابق مثنى التميمي.
وقطع المحتجون العديد من الطرق والجسور في المحافظة، كما أحرقوا الإطارات وأطلقوا النار في الهواء تعبيراً عن رفضهم لأي محاولة لمنع التميمي من الحصول على المنصب، بينما لم تتدخل القوات الأمنية ولم تحاول منع التظاهرات على الرغم من حالة الفوضى، وإطلاق الرصاص الحي في الهواء من المتظاهرين الذين استعرضوا قوتهم في شوارع ديالى.
مبادرات العامري
وعلى إثر اشتداد الأزمة حاول العامري تهدئة الوضع وطرح مرشح تسوية، بدلا عن مثنى التميمي مرشح بدر السابق لمنصب محافظ ديالى.
تضمنت مبادرة العامري تقديم مرشح تسوية، وهو الشاب محمد جاسم العميري (لمنصب المحافظ) نجل رئيس المحكمة الاتحادية في العراق.
وتؤكد مصادر سياسية أن هادي العامري يحاول حل أزمة محافظ ديالى من بعيد وذلك بسبب المخاوف من استهدافه بالطائرات الأمريكية، بعد المعلومات المسربة عن كونه أحد الأهداف التي سيتم رصدها في العراق.
لكن مبادرة العامري قوبلت برفض من كتلته "بدر"، التي يعدّ معظم المنتمين إليها في ديالى من عشيرة المحافظ السابق مثنى التميمي، ليتطور الأمر إلى التحشيد والخروج بتظاهرات كبيرة، شملت مناطق عدة من المحافظة، رفضاً لمبادرة العامري.
وبسبب رفض أنصار مثنى التميمي وعدم توفر الشروط القانونية قرر الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري، سحب مرشحه محمد جاسم العميري لشغل منصب رئيس الحكومة المحلية في محافظة ديالى، عازياً السبب إلى العمر القانوني الذي لا يتيح للمرشح ذلك حيث لم يبلغ 30 عاماً.
وبعد إخفاق مبادرة العامري، قرر ترك الكرة في ملعب عشيرة بني تميم، حيث دعا أعضاء مجلس ديالى من العشيرة إلى حل الخلافات فيما بينهم وتقديم مرشح آخر لمنصب المحافظ.
التميمي يتحدى العامري
وردا على مبادرات الأمين العام لحركة بدر هادي العامري أكد محافظ ديالى السابق مثنى التميمي وسط جمع من أنصاره، تمسّكه بالمنصب، ورفض أي محاولة لإبعاده.
وقال التميمي إنه "سيعمل مع جميع الشركاء للتأسيس لإدارة محلية تشمل الجميع ومن يتفق معنا على كيفية صيانة وحماية المحافظة، وأنا متأكد أن لدينا شركاء يقدرون ما نعنيه، ونمد أيدينا لهم".
وأضاف: أن "الذي لا يقدر ما نعنيه فإننا سنقف ضد كل من تسول له نفسه المساس بأمن المحافظة"، حسب وصفه.
مبادرة جديدة
في الأثناء، أعلن أعضاء مجلس محافظة ديالى من بني تميم ترشيح ثلاثة أسماء لمنصب المحافظ، فيما تركوا خيار الحسم لزعيم حركة بدر هادي العامري.
وذكر كل من عضو مجلس المحافظة رعد التميمي وسالم التميمي ورشاد التميمي، في بيان مشترك: إنه "بعد تفاقم الأزمة السياسية ووصولها إلى طريق مسدود وعدم التوافق على شخصية المحافظ السابق، وبعد إخفاق مبادرة العامري في تقديم مرشح تسوية، فإن ممثلي عشيرة بني تميم في مجلس المحافظة سيتبنون مبادرة لحل هذه الأزمة وترشيح مجموعة من أبناء القبيلة كمرشحي تسوية وتقديمهم للعامري لاختيار من يراه مناسباً لهذه المرحلة".
التميمي يحشد طائفيا
من جهته، حذر النائب عن كتلة العصائب في ديالى أحمد الموسوي من التحشيد والتأليب الحزبي والعشائري الذي يسعى إليه مثنى التميمي.
وشدد الموسوي على أن "العصائب تقبل بأي مرشح آخر يقدمه العامري باستثناء مثنى التميمي وشقيقه برهان التميمي".
وقال الموسوي في تصريح تابعته "الساعة" إن "المحافظ الحالي (التميمي) يبث إشاعات خطيرة في المحافظة، منها أن منصب المحافظ سيخرج من يد الشيعة إلى السنة، محاولاً تحشيد الجمهور طائفياً لتحريك الشارع".
وتابع: "كما أنه يحشد جماعته (بدر) بأن المنصب سيخرج من يدهم، فضلا ًعن أنه يلعب على الموضوع العشائري، ويحشد عشيرته (بني تميم) بأن المنصب سيخرج من يدهم"، معتبراً أنّ "الموضوع له تداعيات لا يمكن القبول بها، وأن هذا التحشيد خطير"، مشدداً: "لا نقبل بغير إدارة جديدة للمحافظة، ونرفض التجديد للتميمي أو منح المنصب لأخيه النائب (همام التميمي)، وعدا ذلك، سنقبل بما يطرحه العامري".
خلافات تضرب بدر
إلى ذلك يؤكد الباحث والسياسي العراقي يحيى الكبيسي أن الخلافات في ديالى تطورت حاليا من خلاف بدر والعصائب، إلى خلاف داخل بدر.
وقال الكبيسي في حديث صحفي تابعته "الساعة": إن "الخلاف الحالي يدور داخل كتلة بدر التي لم تحسم أمرها بشأن المرشح للمنصب"، مؤكدا أن "الدليل على الخلاف داخل بدر يظهر بوضوح من خلال رفض مثنى التميمي لمبادرات التسوية التي يقدمها العامري"، مشيرا إلى أن "التميمي تمرد على العامري من أجل منصب المحافظ وهذا الشيء لم يكن مستبعدا".
وأشار الكبيسي إلى "خلافات القوى السنية أيضا بشأن منصب رئيس مجلس محافظة ديالى، كاشفا عن معلومات تفيد بتقديم مبالغ مالية تقدر بمليار دينار لشراء هذا المنصب لصالح مرشح حزب تقدم سلمان اللهيبي"، حسب تعبيره.
وترجع سيطرة كتلة بدر على ديالى إلى العام 2015، عندما تمت استعادة السيطرة على مناطقها الخاضعة لداعش، ومنذ ذلك الوقت سيطرت منظمة بدر على الملفين الأمني والسياسي، كما أدارت المنظمة المحافظة منذ ذلك الحين.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام