خلافات جديدة تظهر على الساحة العراقية التي لا تكاد تغادر أزمة سياسية إلا وتدخل بأزمة أخرى، آخرها برزت بعد جلسة برلمانية تداولية عقدت مطلع الأسبوع الحالي لمناقشة ملف "السيادة" و"الاعتداءات الأمريكية" ومستقبل تواجد القوات الأجنبية في العراق.
الجلسة التي وصفت من قبل نواب عن الإطار التنسيقي "بالمخزية" وقاطعتها القوى السنية والكردية بشكل شبه كامل، تغيب عنها نوابٌ من الإطار التنسيقي ايضا، والذين يمثلون الأغلبية في البرلمان بعد انسحاب التيار الصدري.
بدأ النائب المستقل المقرب من قوى الإطار التنسيقي، علي الساعدي، بالصراخ داخل قاعة البرلمان بسبب مقاطعة أغلبية النوابِ للجلسة، بحسب ما أظهر مقطع مصور للنائب من داخل قاعة البرلمان.
وبحسب مصادر برلمانية فإن عدد الحضور لم يتجاوز 76 نائباً فقط من أصل 329 نائبا، غالبيتهم من الإطار التنسيقي مع نواب مدنيين، وتشير المصادر إلى أن 60 نائبا عن الإطار تغيبوا عن الجلسة وهو ما يكشف عن انقساما داخل التحالف بشأن الملف.
ورغم ذلك، وجه نواب عن الإطار التنسيقي تهما للقوى السنية والكردية بسبب عدم حضورهم الجلسة التداولية، ومن بين تلك التهم التخلي عن السيادة والتنصل من واجب الدفاع عن الوطن وغيرها من التهم.
الإطار يهاجم السنة والكرد
النائبة عن الإطار التنسيقي حنان الفتلاوي، هاجمت القوى الكردية والسُّنية، وقالت في تدوينة لها على "X": إن "جلسة نيابية مخصصة لمناقشة الاعتداءات على السيادة العراقية تُقاطعها الكتل السُّنية والكتل الكردية!! هل قضية سيادة العراق قضية تخصّ الشيعة فقط؟".
أما النائب الإطاري ورئيس كتلة العقد الوطني عبد الأمير المياحي فاتهم في تصريح تلفزيوني القوى السياسية السنية والكردية بأنها "شريكة في المكاسب والمغانم فقط، وقال إن تلك القوى تتنصل عن المسؤولية تجاه المشاكل التي تواجه الدولة العراقية ومنها موضوع الاعتداءات الأمريكية".
فيما دعا النائب عن كتلة "الصادقون"، الممثلة لحركة العصائب فالح الخزعلي القوى الشيعية إلى تحمّل مسؤوليتها إزاء الملف.
وقال الخزعلي في تدوينة له: "النواب الكرد والسُّنة يرفضون تشريع قانون إخراج القوات الأميركية من العراق، وهذا مخالف للمادتين الـ 1 والـ 50 من الدستور، والوقت ما زال أمامهم للوقوف مع العراق"، وأضاف: "على القوى السياسية الشيعية تحمّل مسؤولياتها.. الحمل يشيله (يحمله) أهله والتطرف بحب الوطن نعمة".
تهديد مستحقات السنة
لم تكتفِ قيادات ونواب الإطار التنسيقي بتوجيه التهم للقوى السنية والكردية، لكنها هددت بمعاقبة المكونين من خلال عرقلة الجلسات البرلمانية الخاصة باستحقاقاتهم الدستورية والمتمثلة بمنصب رئيس البرلمان (للقوى السنية) وملف الموازنة والرواتب (للقوى الكردية).
النائب عن الإطار فالح الخزعلي أكد أن "منصب رئاسة البرلمان (بحسب العرف السياسي المعتمد في العراق من حصة المكون السني) سيبقى يدار بالوكالة من قبل الإطار التنسيقي إلى نهاية الدورة البرلمانية الحالية".
وقال الخزعلي في تغريدة على منصة "X" إن "المندلاوي (يقصد محسن المندلاوي رئيس البرلمان بالوكالة) سيبقى رئيسا للبرلمان حتى نهاية الدورة، وعلى القوى السنية التي تخلفت عن المضي بتشريع قانون إخراج القوات الأمريكية ألا يفكروا في الرئاسة، مثلما كسروا النصاب سنكسر رئاسة المجلس".
تهديد موازنة الكرد
وفي تهديد للقوى الكردية، كتب النائب عن الإطار التنسيقي مصطفى سند في منشور على قناته الرسمية على "تليغرام": أنه "تم تشكيل لوبي من بعض النواب الشيعة لكسر نصاب جلسات اختيار رئيس مجلس النواب التي يتجاوز حضورها الـ 300 نائب، كما سيتم منع أي تعديل بالموازنة من شأنه رفع حصة الإقليم الذي سترسله الحكومة بتعديل الجداول".
الموقف السني
من جانبه، رد تحالف القيادة الذي يضم حزبي (السيادة وتقدم)، وله الأغلبية السنية داخل البرلمان العراقي، على الاتهامات الموجهة لنواب المكونين السني والكردي بالاعتراض على إخراج القوات الأمريكية بسبب مقاطعة جلسة يوم السبت الماضي الخاصة لمناقشة إخراج تلك القوات من العراق.
وقالت النائب عن التحالف نهال الشمري في حديث صحفي: إن "الاتهامات التي وجهت لنواب المكون السني وكذلك الكردي غير صحيحة وباطلة، فحتى نواب الإطار التنسيقي لم يحضروا جميعهم، فهم يملكون (180) نائباً، في حين حضر أقل من (60) نائباً، وباقي الحضور كان من القوى الناشئة والمستقلة".
وأضافت الشمري أن "ما حصل في جلسة يوم السبت ومقاطعتها من قبل الأغلبية البرلمانية والسياسية، يؤكد أن هذه الأغلبية تريد حسم هذا الملف عبر الحوار والتفاوض وليس عبر التصعيد، واتخاذ مواقف سياسية وإعلامية، وليس إخراج القوات الأمريكية التي جاءت باتفاق عبر القتال".
وبدوره، قال النائب السابق مشعان الجبوري، في تغريدة عبر منصة "X" إنه "ليس سراً أن أغلبية العرب السنة والكرد السنة، لا يؤيدون إخراج القوات الأمريكية من العراق".
الموقف الكردي
من جانبه يرى النائب في البرلمان العراقي عن القوى الكردية سيبان شيرواني أن مجلس النواب لا يملك صلاحية إنهاء مهام قوات التحالف في البلاد.
وقال شيرواني في تصريح صحفي: إن "مسألة إنهاء مهام قوات التحالف الدولي في العراق يقع ضمن صلاحيات الحكومة الاتحادية، لا مجلس النواب".
وأضاف: أنه "بحسب المادة الثامنة من الدستور العراقي، فإن مجلس الوزراء يملك صلاحية إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية لا البرلمان، لذا ليس بوسع مجلس النواب إنهاء مهمة التحالف، ولا يملك تلك الصلاحية".
وأشار النائب إلى أن "معظم الأحزاب السياسية لديها اعتقاد بأن البلاد ما تزال بحاجة إلى القدرات العسكرية والاستخباراتية لدول التحالف، وخاصة الولايات المتحدة، لذا من الممكن تغيير طبيعة عملهم في المستقبل"، مبينا أن "إنهاء مهام التحالف في العراق سيكون عملاً خاطئاً، كما سيكون له تأثيرٌ سلبي على أمن واستقرار العراق، ومكانته السياسية والاقتصادية على الصعيد الدولي".
من جهته، قال عرفات كرم، المستشار السياسي لرئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، رداً على الانتقادات للسنة والأكراد لعدم حضور نوابهم جلسة السبت: إنه "لا يمكن لطرف أن يتحكم بمصير دولة وفق آيديولوجيته الدينية المستوردة".
وأكد كرم أن "قوى الإطار تتذكر السيادة حين تقصف أمريكا، لكنها تنسى السيادة عندما تقصف إيران".
"مزاجية السيادة"
من جانب آخر، أكد عضو مجلس النواب عامر عبد الجبار أن القوى السياسية تتعامل مع ملف السيادة العراقية من بوابة المزاجية الحزبية.
وقال عبد الجبار في تصريح صحفي إن "عدد الموقعين لحضور جلسة مجلس النواب، بلغ نحو 120 نائباً بينما كان الحضور الفعلي أقل من 100 نائب حتى وصل العدد فيما بعد إلى 30 نائباً فقط".
وأضاف عبد الجبار: أن "القوى السياسية تتعامل بمزاجية مع الاعتداءات التي تطال السيادة الوطنية، فعندما يقصف شمال العراق تصمت الأحزاب الشيعية وتثور الكردية، وفي قصف بغداد ومقار الحشد يحدث العكس"، مؤكداً أن "هناك ازدواجية ومزاجية في التعامل مع ملف السيادة إذ إن التعامل الجاري ليس وفق اليمين الدستورية، بل وفق المزاجية الحزبية".
وأشار النائب إلى أنه عندما قدم طلبا لجلسة بسبب الانتهاكات الكويتية فإن قوبل الطلب بالاعتراض من جميع القوى السنية والشيعية والكردية، حسب تعبيره.
واتهم عبد الجبار الإطار بالانقسام والتناقض في المواقف إزاء الوجود الأمريكي، وبين أن نواباً من الإطار والفصائل منعوا تظاهرة ضد الولايات المتحدة وعزوا سبب ذلك إلى العلاقة الجيدة مع واشنطن ولمنع تأثرها وكذلك للمحافظة على سوق الدولار.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام