مع اقتراب حسم تشكيل غالبية الحكومات المحلية في العراق، ما يزال ملف تشكيل الحكومة المحلية في كركوك شائكا لغاية اليوم، كما أن الطرق ما تزال مغلقة نحو الحلول التي تبحث عنها القوى السياسية في العلن، بينما تتمسك جميعها بأحقيتها في الحصول على منصب المحافظ المقبل.
مع إعلان نتائج انتخابات مجالس المحافظات في كركوك، برزت علامات الولادة العسيرة لتشكيل الحكومة المحلية، وذلك بسبب وجود تحالفين رئيسيين يمتلك كل منهما 8 مقاعد في مجلس المحافظة من أصل 16 عضوا.
إذ أظهرت النتائج حصول القوى العربية على 6 مقاعد، والقوى التركمانية المتحالفة معها على مقعدين اثنين ليكون تحالفهما 8 مقاعد، فيما على الطرف المقابل حصل الاتحاد الوطني الكردستاني على 5 مقاعد والحزب الديمقراطي الكردستاني على مقعدين اثنين، ليشكلا تحالفا للقوى الكردية من 7 مقاعد، انضم إليه لاحقا عضو المجلس عن كوتا المكون المسيحي التابع لكتلة بابليون بزعامة ريان الكلداني.
ويمثل تقارب الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني وكتلة بابليون من العلامات الغريبة في هذا التوقيت، حيث وحدت مساعي الحصول على منصب محافظ كركوك المتخاصمين، فالحزبان الكرديان الرئيسان تجاوزا خلافاتهما من أجل عدم ذهاب المنصب للعرب، كما أن كتلة بابليون دخلت في تحالف غير معلن مع الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي رغم الخلافات الشديدة مع الأخير.
وبهذا المشهد يتعذر على أي طرف من التحالفين السيطرة على منصب المحافظ دون التوافق على مرشح تسوية يحظى بدعم جميع القوى، ولكنه في النهاية لا بد أن ينتمي لأحد المكونات الرئيسية في كركوك (العرب، التركمان، الكرد).
وترفض القوى العربية والتركمانية سيطرة القوى الكردية على منصب المحافظ، وقاطعت أولى جلسات مجلس المحافظة التي عقدت الأسبوع الماضي بحضور تحالف القوى الكردية.
توافق كردي
الأسبوع الماضي، أكد الحزبان الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني بزعامة بافل طالباني، الاتفاق على اختيار محافظ كردي في كركوك.
وذكر بيان مشترك للحزبين عقب اجتماع عقد في محافظة السليمانية: أن "الجانبين اتفقا على ضرورة اختيار محافظ كردي لكركوك من أجل حماية مصالح مواطني المحافظة بجميع مكوناتهم في هذه المرحلة وبُغية خدمة أهالي المدينة وضواحيها".
وأشار إلى أن "الحزبين اتفقا على الحفاظ على كيان إقليم كردستان وصون مكتسبات الثورات والنضال"، مبينا أن "كل ذلك يقع على عاتق الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي وجميع الأطراف الكردستانية الأخرى".
وتصدرت محافظة كركوك المحافظات العراقية في نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية التي جرت في الـ 18 كانون الأول الجاري، وهي نسبة تعكس التنافس بين مكونات كركوك القومية من العرب والتركمان والكرد والمسيحيين التي لجأت أغلبها إلى الاستقطاب القومي والتحذير من انعكاس عدم المشاركة على مستقبل وجود المكون في المحافظة.
مباحثات سرية
وبالتزامن مع حراك القوى السياسية ما بين بغداد وكركوك وكردستان، تلتزم أغلب القوى الصمت وترفض الكشف عن تفاصيل ما يدور خلال الاجتماعات الجارية.
شبكة "الساعة" حصلت على معلومات عن آخر التطورات والمقترحات المقدمة لإنهاء أزمة تشكيل الحكومة المحلية في كركوك.
الصحفي والمراقب للشأن السياسي في كركوك أتيلا الآغا كشف عن لقاءات تجريها جميع القوى السياسية الفائزة في انتخابات كركوك، مبينا أن "الاجتماعات تجري في بغداد تارة وفي أربيل والسليمانية، إضافة إلى كركوك تارة أخرى".
وقال الآغا: إن "القوى العربية تصر على موقفها بالحصول على منصب محافظ كركوك، بينما يذهب موقف القوى التركمانية باتجاهين: الأول يتجه نحو دعم محافظ من المكون العربي لمنع مرشح القوى الكردية للمنصب، والثاني يتجه نحو تدوير منصب محافظ كركوك كحل وسط للخروج من الأزمة، بينما تصر القوى الكردية على أن منصب المحافظ من حصتها، كونها شكلت تحالفا يمتلك 8 مقاعد في مجلس المحافظة من جهة، ولأن مرشحها لمنصب المحافظ حصل على أعلى نسبة من الأصوات في كركوك يليه راكان سعيد المحافظ المنتهية ولايته".
مسارات انتخاب المحافظ
وتابع: أن "المسارات التي تسير فيها مبادرات تشكيل حكومة كركوك، تسير وفقا لثلاثة محاور: الأول عبر التوافق العربي والتركماني مع الديمقراطي الكردستاني ومنح المنصب لمرشح من المكون العربي يتمتع بقبول من القوى الكردية"، مبينا أن "الخيار في هذا المسار وقع على خالد المفرجي القيادي في التحالف العربي"، وأشار إلى أن "المسار الثاني يكون عبر تدوير منصب المحافظ بين مكونات كركوك الثلاثة، فيتم شغله من قبل العرب والتركمان والكرد خلال السنوات الأربعة المقبلة".
ولفت إلى أن "المسار الثالث يكون عبر حسم المنصب من قبل القوى الكردية عبر تمرير مرشحها نشأت شاهويز الذي حصل على أعلى نسبة أصوات في الانتخابات، أما من خلال التوافق مع القوى العربية والتركمانية، وأما عبر اللعب على عامل الوقت لحين انتهاء المدة القانونية المحددة لانتخاب المحافظ، وبالتالي الذهاب نحو المحكمة الاتحادية التي من المتوقع أن تحسم الأمر لصالح المرشح صاحب الأصوات الأعلى".
ونوه الآغا إلى أن "تشكيل الحكومة المحلية في كركوك هو الأعقد والأصعب في عموم العراق"، مبينا أن "إنهاء هذا الملف لن يتم إلا بعد مخاض عسير كما كان متوقعا عقب إعلان نتائج الانتخابات".
الجبهة التركمانية العراقية اقترحت حل أزمة تشكيل الحكومة المحلية في كركوك عبر تدوير المنصب بين المكونات.
تدوير المنصب.. الحل الأمثل
عضو المكتب السياسي للجبهة التركمانية ماردين تحسين گوك قايا قال في حديث لشبكة "الساعة": إن "أي طرف من مكونات كركوك لا يستطيع التفرد بتشكيل الحكومة المحلية في كركوك وإدارتها بشكل منفرد، لأن الفقرة الرابعة من المادة 35 الخاصة بانتخابات مجلس كركوك تنص على ضرورة تقاسم السلطة عبر تقسيم عادل بين المكونات بغض النظر عن نتائج الانتخابات".
وأضاف تحسين گوك قايا أنه "نتيجة لنص قانون الانتخابات فإن منصب محافظ كركوك لا يمكن حسمه لأي طرف لأن ذلك سيدخل كركوك في مشاكل تنعكس سلبا على استقرار المحافظة".
وطالب عضو المكتب السياسي في الجبهة التركمانية: "بتداول السلطة في كركوك بين المكونات الثلاثة الرئيسية عبر التوافق بين ممثلي هذه المكونات"، مبينا أن "المقترح التركماني يتضمن منح منصب المحافظ لمدة تقل عن عام ونصف لكل مكون من المكونات".
تنافس إيراني - تركي
بقاء أمر تشكيل الإدارة المحلية في كركوك دون حسم، مهد الطريق نحو وجود ضغوطات تمارسها كل من إيران وتركيا، بحسب ما أفاد تقرير لمؤسسة التقدم للدراسات والبحوث الاستراتيجية، إذ كشفت المؤسسة عن وجود منافسة إقليمية ما بين طهران وأنقرة على ادارة كركوك.
وأشار التقرير إلى أن "إيران تسعى لضمان وصول مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني للمنصب كونه الطرف الأقرب إليها، مبينا أن ذلك يتطلب ضمان دعم كتلتي الحزب الديمقراطي الكردستاني وبابليون".
ولفتت المؤسسة إلى أن "تركيا بالمقابل تسعى لعدم وصول مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني للمنصب وذلك بسبب تورط الأخير بدعم أنشطة تنظيم (بي كا كا)، وبينت أن أنقرة اقترحت أن يكون منصبا المحافظ ورئيس المجلس دوريا بين المكونات".
الحسم بالطرق القانونية
ووفقا لفرضية عدم توصل القوى السياسية إلى حلول لتشكيل الحكومة المحلية في كركوك وانتخاب المحافظ، فإن الحلول القانونية هي من ستفرض نفسها في النهاية، بحسب ما أكد الخبير القانوني علي التميمي.
وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة" إن "قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم وضع سقوفا زمنية حتمية لتشكيل الحكومات المحلية وإن لم تقترن بجزاء، ومنها مدة عقد الجلسة الأولى خلال 15 يوما بعد أداء اليمين من قبل الأعضاء أمام رئيس محكمة الاستئناف، وبعدها مدة 30 يوما لانتخاب المحافظ، وبعدها صدور المرسوم الجمهوري خلال 15 يوما، ومن ثم صدور الأمر الإداري لنواب المحافظ"، مبينا أن "جميع ما ذكر يعد سقوفا زمنية غير قابلة للخرق".
وأشار التميمي إلى أن "بعض مجالس المحافظات الحالية بدأت بخرق هذه المدد"، مبينا أنه "في حال استمرت بهذه الخروقات وانتهت المدد القانونية المحددة ولم تكمل المجالس التزاماتها فإن الحل يكون عبر طريقين، الأول يكون عبر طلب حل مجلس المحافظة من قبل مجلس النواب وتقديم مجلس جديد من الأعضاء الخاسرين كبدلاء عن الأعضاء السابقين"، لافتا إلى أن "هذا الطريق يكون عبر تقديم طلب لرئاسة البرلمان من قبل النواب الممثلين عن المحافظة".
وأوضح التميمي أن "الطريق الثاني يكون عبر اللجوء إلى المحكمة الاتحادية وتقديم شكوى من نواب المحافظة إلى المحكمة بطلب استفتاء أو دعوى لحل المشكلة"، مشددا على أنه "لا يمكن لمجالس المحافظات أن تبقى عائمة وأن تتجاوز المدد المحددة في القانون دون الانتهاء من تنفيذ ما عليها من التزامات تتعلق بتشكيل الحكومات المحلية خلال مدد محددة".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام