ترقب في العراق والمنطقة والعالم لتطورات الأحداث في الساحة العراقية خلال الساعات القليلة المقبلة، والتي من المتوقع أن تكون ساعات حاسمة لتحديد استمرار التصعيد بين الفصائل المسلحة القريبة من إيران والولايات المتحدة الأمريكية.

تجري الفصائل المسلحة في الوقت الحالي مشاورات لاتخاذ قرار بالرد على القصف الأمريكي، وفيما تتحمل الحكومة العراقية العبء الأكبر في محاولة خفض التصعيد بين الفصائل والولايات المتحدة، تتوقع أوساط عراقية بأن ترد الفصائل على مقتل أحد قادتها وذلك خلال الساعات المقبلة.

مساء الأربعاء (7 شباط 2024) نفذت طائرات أمريكية مسيرة ضربة جوية استهدفت قياديا بارزا في كتائب حزب الله العراقي الملقب (أبو باقر الساعدي)، في منطقة المشتل شرقي بغداد أسفرت عن مقتله واثنين من قيادات الكتائب.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن القيادي المستهدف هو المسؤول عن التخطيط المباشر والمشاركة في الهجمات على القوات الأميركية في المنطقة، وآخرها الهجوم على القاعدة الأمريكية قرب المثلث العراقي السوري الأردني الذي نفذ في 28 كانون الثاني الماضي واتهمت واشنطن فصائل عراقية موالية لإيران بالوقوف ورائه.

 

هدنة لم ترَ النور

قبل يوم واحد من مقتل الساعدي أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني التوصل إلى اتفاق لتهدئة الأوضاع بين القوات الأمريكية والفصائل المسلحة.

وقال السوداني إنه "تم التوصل إلى معادلة تتضمن وقف هجمات الفصائل المسلحة مقابل وقف الرد الأميركي".

مرت الساعات الأولى لمقتل أبو باقر الساعدي دون أي تصعيد إعلامي أو عسكري من جانب الفصائل العراقية المسلحة، التي كانت قد أعلنت تعليق الهجمات ضد القواعد الأمريكية في المنطقة.

ويأتي تعليق الفصائل العراقية للهجمات ضد المصالح الأمريكية لثلاثة أسباب: الأول يتمثل بخشية الرد الأمريكي الشامل والحازم ضد تلك الفصائل، والثاني الأوامر الإيرانية للفصائل بوقف التصعيد، والثالث يمثل بضغوط حكومة السوداني على الفصائل من أجل ضمان سير المفاوضات مع الجانب الأمريكي لجدولة وتنظيم انسحاب القوات الأمريكية وإنهاء دور التحالف الدولي في العراق.

 

ترقب لموقف الفصائل

مصادر سياسية وعسكرية عراقية كشفت مساء الخميس عن احتمالية توجه الفصائل العراقية للتصعيد ضد القوات الأمريكية مجددا، وذلك على خلفية الضربة الأمريكية الأخيرة في بغداد.

وقالت المصادر في تصريحات تناقلتها وسائل إعلام محلية عراقية: إن "الفصائل المسلحة العراقية ومن خلال تنسيقية مشتركة ستحدد موقفها من إنهاء تعليق عملياتها ضد القواعد الأمريكية واستئناف التصعيد العسكري خلال الساعات المقبلة، وذلك ردا على اغتيال القيادي في كتائب حزب الله ابو باقر الساعدي".

 

السوداني في مأزق

الصحفي والباحث العراقي عثمان المختار أوضح أن الساعات القليلة المقبلة ستحدد شكل الموقف الذي ستتخذه الفصائل المسلحة للرد على مقتل أحد قادتها.

وقال المختار في حديث لشبكة الساعة: إن "المعلومات المسربة تشير إلى أن قادة الفصائل المسلحة في العراق عقدت اجتماعا عبر تقنيات التواصل عن بعد وذلك من أجل اتخاذ موقف للرد على الضربة الأمريكية الأخيرة"، مبيناً أن "الاجتماع بحث بشكل جدي إنهاء تعليق العمليات ضد القوات الأمريكية والعودة لاستئناف الهجمات لاسيما من قبل كتائب حزب الله والنجباء وسيد الشهداء".

وأوضح أن "الخيارات كلها قابلة للتطبيق، لأن الفصائل تسعى للرد على الهجمات الأمريكية"، مبينا أن "تحرك الفصائل قد يكون محكوما بشكل كبير بالقرار الإيراني، من حيث استمرار تعليق العمليات من عدمه".

وأكد المختار أن "موقف الساعات المقبلة سيتحدد بناء على نجاح أو إخفاق رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في احتواء الأزمة الحالية"، مبينا أن "السوداني حاليا يعمل على إنهاء التصعيد عبر الضغط على الفصائل"، لافتا إلى أن "نتائج جهود السوداني ستكون ظاهرة للجميع خلال اليومين المقبلين، فإن نجحت ستتجه الأمور نحو التهدئة وإن فشلت فستذهب الأمور نحو المزيد من التصعيد".

وتوقع الصحفي والباحث العراقي أن "الجانب الأمريكي يسعى للتصعيد في العراق من خلال عزمه على مواصلة الضربات ضد الفصائل في وقت تسعى الحكومة العراقية للتهدئة"، مشيرا في ذات الوقت إلى أن "رد الفصائل على الضربة الأمريكية الأخيرة سيدخل العراق في دوامة عنف وتصعيد عسكري لأن أي رد من جانب الفصائل سيعقبه رد أمريكي في الساحة العراقية".

ونوه المختار إلى "اختراق الاستخبارات الأمريكية بشكل واسع للفصائل المسلحة العراقية، حيث أن استهداف الساعدي يؤكد أن واشنطن ترصد جميع القيادات في الفصائل والتي تعد غير معروفة على الصعيد الإعلامي العراقي لبعدها عن الأضواء والتزامها العمل السري طيلة الفترة الماضية"، مبينا أن "الاختراق يعني أن الضربات الأمريكية يمكن أن تطال أي قيادي في الفصائل وفي أي وقت تقرره الإدارة الأمريكية".

 

إنهاء مهام التحالف

وفي أول تعليق للسوداني على استهداف قائد في كتائب حزب الله العراقي، أكد رئيس الوزراء أن حكومته مصرة على إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق.

وفي وقت سابق، أكد المتحدث العسكري باسم حكومة السوداني أن "التحالف الدولي تحول إلى عامل عدم استقرار في العراق"، مبينا أن "الهجمات الأمريكية تدفع الحكومة للتوجه نحو الإسراع بإخراج القوات الأمريكية"، حسب قوله.

في الأثناء أعلنت مصادر برلمانية جمع 100 توقيع من أعضاء مجلس النواب لتشريع قانون يطالب الحكومة بإخراج القوات الأمريكية من البلاد.

كما أعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة اللواء يحيى رسول، عن استئناف عمل اللجنة العسكرية العراقية الأمريكية لإنهاء وجود التحالف الدولي، الأسبوع المقبل.

وقال رسول في بيان مقتضب: إنه "لمناقشة وجدولة إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، فإن اللجنة الثنائية العسكرية الفنية العليا بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، ستستأنف أعمالها الأحد المقبل 11 شباط/ فبراير الجاري".

ورغم المواقف العراقية، إلا أن الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق غير وارد في الوقت الحالي بحسب المسؤولين الأمريكيين، حيث أكدت وزارة الدفاع الأمريكية أنها لا تخطط لأي انسحاب قريب من العراق.

 

محاور التصعيد المتوقعة

رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري توقع إن تذهب الفصائل إلى التصعيد مجددا، وأشار إلى أن التصعيد المقبل سيكون عبر 3 محاور.

وقال الشمري في حديث لشبكة "الساعة" إن "محاور الرد التي قد تلجأ إليها الفصائل المسلحة ستكون أما عبر تنفيذ ضربات نوعية مركزة تستهدف البعثة الدبلوماسية الأمريكية في العراق، أو تنفيذ ضربات مركزة على القواعد الأمريكية في العراق كعين الأسد في الأنبار والحرير في أربيل، وقد يكون عبر خيار التصعيد من خلال التظاهرات ضد الوجود الأمريكي بصورة مشابه لما حدث في اقتحام السفارة الأمريكية في بغداد نهاية العام 2019 ".

وأضاف الشمري: أن "قرار الفصائل المسلحة العراقية باستهداف القوات الأميركية كان منذ 7 أكتوبر قرارا إيرانيا، ورغم محاولات السوداني إنهاء هذا التوتر إلا أن الأجندة الإيرانية في التصعيد العسكري كانت هي التي تنفذ على الأرض من قبل الفصائل المسلحة العراقية"، مبينا أن "قرار التصعيد في الوقت الحالي سيكون مرهونا بشكل كبير بالموقف الإيراني أيضا".

وأشار رئيس مركز التفكير السياسي إلى أن "الحكومة العراقية في وضع حرج لعدم قدرتها على خلق توازن بين الفصائل المسلحة وقوات التحالف الدولي"، مشيرا إلى أنه "على الحكومة العراقية التحرك السريع لاحتواء التصعيد عبر اقناع الفصائل بعدم الرد ومن ثم التفاوض مع الجانب الأمريكي لوقف التصعيد لتجنب دائرة الصراع على الساحة العراقية".

وبشأن موقف الحكومة العراقية الداعي لإنهاء وجود التحالف الدولي، أكد الشمري أن "العراق ما يزال بحاجة إلى هذا الوجود على مختلف الصعد، لأن قواته رغم تقدمها الكبير إلا أنها غير قادرة بمفردها على مواجهة التحديات الأمنية الخطيرة".

ورجح الشمري أن "الولايات المتحدة لن ترجع للمفاوضات مع الجانب العراقي بشأن أعمال اللجنة العسكرية المشتركة بسبب التطورات الأخيرة، كما توقع أن حكومة السوداني قد تجد نفسها مضطرة لإعلان الانسحاب من هذه المفاوضات".

 

أزمة متواصلة

وقبيل استهداف القيادي في كتائب حزب الله العراقي أبو باقر الساعدي، لاحت في الأفق بوادر انفراج في الأزمة الناتجة عن التصعيد على الساحة العراقية، عقب مقتل 3 عسكريين أمركيين بضربة على القاعدة الأمريكية في الأردن، من توصل الحكومة العراقية إلى اتفاق مع الفصائل لوقف التصعيد العسكري.

وفي وقت سابق كشفت مصادر عراقية عن تفاصيل الاتفاق بين السوداني والفصائل المسلحة بشأن التهدئة المؤقتة مع الجانب الأمريكي.

وقالت المصادر إن "السوداني اتفق مع الفصائل على أن توقف الأخيرة هجماتها في العراق فقط مقابل تعهد الحكومة بالعمل على حسم مفاوضات إخراج القوات الأمريكية من العراق عبر لجنة التفاوض خلال فترة لا تتجاوز 3 أشهر، وبينت أن الاتفاق أفضى إلى وقف الهجمات في العراق مع تأكيد الفصائل على مواصلتها في سوريا".

المصادر ذاتها أوضحت أن "السوداني حذر الفصائل من استمرار استهداف القوات الأمريكية، خشية من ردود أفعال أمريكية لا تتوقف عند قصف المقرات، بل تتحول إلى اغتيال قادة بارزين".