انفراجة تلوح في الأفق في العراق، بعد توتر وتصعيد بين الفصائل المسلحة القريبة من إيران والولايات المتحدة في الساحة العراقية استمر طيلة الأشهر الأربعة الماضية، وذلك بعد الكشف عن اتفاق بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة على خفض التصعيد ووقف الهجمات المسلحة مقابل توقف الجانب الأمريكي عن مهاجمة تلك الفصائل.
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني كشف عن اتفاق لوقف الهجمات بين الفصائل والجانب الأمريكي.
وقال رئيس الوزراء العراقي في تصريح لقناة "العربية – الحدث" السعودية وتابعته شبكة "الساعة": إنه "تم التوصل مع الجانب الأمريكي إلى معادلة تتضمن وقف هجمات الفصائل المسلحة مقابل وقف الرد الأميركي".
وأضاف السوداني أنه "ليس لدى العراق أي اتصال مع أميركا بعد الاعتداء الأخير"، ولفت إلى أن "رغبة حكومته إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق هدفه نزع كل مبررات الهجمات على مستشاريه"، مشددا على أن "أي هجوم عسكري على أراضي العراق مرفوض من أي جهة كانت"، مبينا أن "التحالف الدولي بدأ بطلب عراقي وسينتهي أيضا بطلب عراقي".
اتفاق خفض التصعيد مع الجانب الأمريكي جاء بتوصية ومباركة إيرانية تمثلت بزيارة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني، وزيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني على أكبر أحمديان إلى بغداد مؤخرا.
بداية التصعيد
خلال الأيام الأخيرة وصل التصعيد بين الجانب الأمريكي والفصائل المسلحة في العراق إلى أعلى المستويات، وذلك على خلفية مقتل 3 عسكريين أمريكيين بضربة صاروخية استهدفت قاعدة عسكرية أمريكية شمال شرقي الأردن قرب الحدود مع العراق وسوريا.
التوتر لم ينحصر بين الولايات المتحدة وأذرع إيران في المنطقة، لكنه شمل العلاقة مع الحكومة العراقية التي وقعت بين مطرقة الفصائل وهجماتها وسندان الرد الأمريكي والتهديد بعقوبات اقتصادية على العراق.
عقب الهجوم الذي نفذ يوم 28 كانون الثاني الماضي، اتهمت الإدارة الأمريكية الفصائل المسلحة العراقية القريبة من إيران بالوقوف وراءه، وتوعد الرئيس جو بايدن بالرد على تلك الهجمات، وبالفعل جاء الرد على مقتل الجنود الأمريكيين بضربة أمريكية واسعة استهدفت 85 هدفا للفصائل القريبة من إيران ضمن 7 مواقع في العراق وسوريا.
الحكومة العراقية سارعت إلى إدانة الهجوم الأمريكي، وعدته محاولة لجر المنطقة إلى صراع واسع، ووصفته بأنه انتهاك لسيادة العراق.
جدية أمريكية
لكن وزارة الدفاع الأمريكية، أكدت أن الضربة التي وجهت للحرس الثوري الإيراني والفصائل التابعة لها في العراق وسوريا لن تكون النهاية، وتوعدت بشن المزيد من الضربات ضد ذات الأهداف.
وقال المتحدث باسم البنتاغون باتريك رايدر إن "على العراقيين معرفة أن الأمريكيين يحتفظون بالحق في الرد على حماية الجنود الأمريكيين ضد هجمات الجماعات المدعومة من إيران في العراق، وأن الهجمات الانتقامية الأمريكية لم تكتمل بعد".
بينما قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان، إن "الرئيس الأمريكي جو بايدن، أمر بالرد على الهجمات، التي نتعرض لها، بشكل حازم وجدي، وهو ما يحدث".
وشدد على أن "الضربات التي بدأتها واشنطن يوم الجمعة، ليست نهاية الأمر، وسنشن ضربات أخرى، وسنتخذ إجراءات إضافية".
وبدأ التوتر بين الجانبين منذ بداية الصراع في قطاع غزة، حيث شنت الفصائل المسلحة الموالية لإيران نحو 170 هجوما استهدف القواعد الأمريكية في العراق وسوريا منذ السابع من تشرين أول الماضي، بحسب بيانات وزارة الدفاع الأمريكية.
في 24 كانون الثاني الماضي تسلمت بغداد رسالة مهمة من الرئيس الأمريكي، أبلغ فيها حكومة السوداني بأن الولايات المتحدة ستواصل الرد على الفصائل وهجماتها ضد المصالح الأمريكية، وبحسب مصادر سياسية فإن الرسالة الأمريكية تضمنت وعيدا لحكومة بغداد باتخاذ إجراءات عسكرية وسياسية واقتصادية في حال لم تتوقف الهجمات على القواعد الأمريكية في العراق.
غير أن الأمور بعد استهداف القاعدة الأمريكية في الأردن أخذت أعلى مستويات التوتر، حيث أثارت الضربة موقفا أمريكيا حازما للتدخل العسكري القوي للرد على الفصائل المنفذة للهجمات، وهو ما دفع الفصائل في العراق إلى تعليق عملياتها العسكرية ضد القواعد الأمريكية.
تعليق العمليات
استبقت كتائب حزب الله العراقية رد واشنطن على مقتل 3 جنود أميركيين في هجوم بطائرة مسيرة على قاعدة أميركية بالأردن، معلنةً تعليق عملياتها ضد القوات الأميركية.
وقالت كتائب حزب الله العراقية في بيان إنها "علّقت كل عملياتها العسكرية ضد القوات الأميركية بالمنطقة في قرار يهدف لعدم إحراج الحكومة العراقية، بشأن المفاوضات الجارية لجدولة وتنظيم انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق".
وأعلنت الحكومة العراقية الشهر الماضي، التحرك لإنهاء وجود التحالف الدولي بعد انتهاء الحاجة إليه، وأكد تشكيل لجان مشتركة مع الجانب الأمريكي لتنظيم مستقبل الوجود الأمريكي في البلاد.
ويبدو أن التهدئة وخفض التصعيد الذي تسعى الحكومة العراقية الوصول إليه عبر الاتفاق مع الفصائل، قد أقنع الأخيرة بعد رفضها جميع محاولات خفض التصعيد خلال الأشهر الماضية، وتأتي هذه القناعة بحسب مراقبين انطلاقا من أمرين، الأول يتمثل بالخشية من الرد الأمريكي المزلزل ضدها لاسيما بعد التوجه الأمريكي نحو ذلك فعليا وليس إعلاميا فقط، والثاني يتمثل في محاولة تحقيق مكسب شكلي عن طريق الحكومة يتمثل بجدولة وتنظيم انسحاب التحالف الدولي من العراق.
تفاصيل اتفاق التهدئة
وكشفت مصادر عراقية عن تفاصيل الاتفاق بين السوداني والفصائل المسلحة بشأن التهدئة المؤقتة مع الجانب الأمريكي.
وقالت المصادر إن "السوداني اتفق مع الفصائل على أن توقف الأخيرة هجماتها في العراق فقط مقابل تعهد الحكومة بالعمل على حسم مفاوضات إخراج القوات الأمريكية من العراق عبر لجنة التفاوض خلال فترة لا تتجاوز 3 أشهر، وبينت أن الاتفاق أفضى إلى وقف الهجمات في العراق مع تأكيد الفصائل على مواصلتها في سوريا".
المصادر ذاتها أوضحت أن "السوداني حذر الفصائل من استمرار استهداف القوات الأمريكية، خشية من ردود أفعال أمريكية لا تتوقف عند قصف المقرات، بل تتحول إلى اغتيال قادة بارزين".
الإطار يميل لخفض التصعيد
الباحث في الشأن السياسي حيدر الموسوي أكد وجود إجماع داخل قوى الإطار التنسيقي على خفض التصعيد ضد القوات الأمريكية، مبينا أن حكومة السوداني وقيادات الإطار تسعى حاليا لإقناع فصيل واحد من الفصائل المنضوية في ما تسمى فصائل المقاومة في العراق للتخلي عن التصعيد على الأقل في الوقت الحالي.
وقال الموسوي في حديث لشبكة "الساعة" إن "هناك اجماعا داخل الإطار التنسيقي على خفض التصعيد واستبعاد المواجهة المسلحة مع الولايات المتحدة، وهذا الرأي ليس بالجديد، حيث إن رؤية الإطار كانت ضد التصعيد منذ بداية الأحداث في غزة، إلا إن بعض الأطراف وتحديدا فصيلين مسلحين هما من دفع نحو خيار المواجهة المسلحة مع الجانب الأمريكي".
وأضاف الموسوي: أن "الإطار ليس مجبر على فسح المجال لواشنطن لتصفية الفصائل المسلحة"، مؤكدا وجود حراك تقوده حكومة السوداني وقيادات الإطار لإقناع الفصائل وتحديدا طرفين من الفصائل للتهدئة وترك التصعيد، وأثمر هذا الحراك عن تعليق كتائب حزب الله للعمليات العسكرية ضد القوات الأمريكية، وذلك بعد وسطات ودخول أطراف كثيرة على الخط في محاولة لخفض التصعيد لاسيما بعد مقتل الجنود الأمريكيين في استهداف القاعدة الأمريكية في الأردن".
وأشار الموسوي إلى "جهود الوساطة ما تزال مستمرة لثني طرف وحيد متبقٍ ضمن الفصائل المسلحة عن خيار المواجهة، والذهاب نحو خفض التصعيد في المنطقة".
خشية الرد الأمريكي
رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل يرى أن الاتفاق بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة جاء نتيجة لخطورة الأوضاع عقب التهديدات الأمريكية.
وقال فيصل في حديث لشبكة "الساعة" إن "حكومة السوداني وبعض قوى الإطار التنسيقي ولتدارك التصعيد الأمريكي عسكريا واقتصاديا ضد العراق ضغطت كثيرا على تلك الفصائل العراقية لوقف هجماتها ضد المصالح الأمريكية".
وأوضح فيصل أن "حكومة السوداني لجأت إلى طهران للضغط على الفصائل الموالية لها في العراق من أجل وقف الهجمات المسلحة ضد القوات الأمريكية، لاسيما وأن الجانب الأمريكي أوقف الحوارات مع الحكومة العراقية بشأن إنهاء مهام التحالف الدولي وإخراج القوات الأجنبية بعد استهداف القاعدة الأمريكية في الأردن".
ولم يستبعد رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية: "انهيار التهدئة الحالية مع الفصائل المسلحة، عازيا ذلك لارتباط تلك الفصائل بالإرادة الإيرانية أكثر من الإرادة والمصلحة العراقية"، مشيرا إلى أن "إيران استخدمت وستبقى تستخدم تلك الفصائل كأداة لتمرير أجندتها في العراق والمنطقة"، حسب تعبيره.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام