مرت سنوات على فتح ملف الموظفين الفضائيين في العراق، إلا أن السلطات الحكومية لم تتخذ أي إجراء لضبط هذا الموضوع ووقف الهدر المالي الحاصل جراء وجود أعداد كبيرة من هؤلاء الفضائيين.
وبرز مصطلح الموظفين الوهميين أو الفضائيين في مؤسسات الدولة منذ سنوات، وهم الأشخاص الذين يقدمون كامل رواتبهم أو نصفها إلى مسؤوليهم مقابل تغيّبهم عن العمل لفترات طويلة، أو أسماء وهمية يقبض المسؤولون رواتبها، أو متوفون ولم يتم استخراج شهادات وفاة لهم وما زال مسؤولون أو أفراد من أسرهم يتقاضون الرواتب بدلاً منهم.
ويمثل ملف الموظفين الفضائيين أحد ملفات الفساد والهدر المالي في العراق، الذي تورطت فيه جهات سياسية من خلال وجودها في إدارة الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال الأعوام الماضية.
أعداد صادمة
عضو مجلس النواب العراقي عن اللجنة المالية النيابية جمال كوجر كشف عن أرقام صادمة تخص أعداد الموظفين الفضائيين وأعداد الموظفين مزدوجي ومتعددي الراتب في البلاد، مؤكدا أن أعدادهم تقترب من 600 ألف موظف.
وقال كوجر في تصريح لشبكة "الساعة": إن "وزارات ومؤسسات الدولة العراقية باستثناء إقليم كردستان تشهد وجود أكثر من 300 ألف موظف فضائي، يتقاضون الرواتب دون أن يلتحقوا بالوظيفة الحكومية".
وأضاف: أن "أرقام الموظفين الذين يتقاضون رواتب مزدوجة (راتبين) أو أكثر يتراوح ما بين 250 – 300 ألف موظف"، مبينا أن "هؤلاء الموظفين مسجلون في أكثر من دائرة حكومية ويتقاضون رواتب شهرين منها في وقت واحد".
وأشار كوجر إلى أن "الجهات الحكومية حاولت في السنوات السابقة أن تنكر هذا الموضوع، لكنها في النهاية أقرت به، وكشفت عن وجود مئات الآلاف من هؤلاء الموظفين بشهادة كبار المسؤولين الماليين في العراق".
وأوضح عضو اللجنة المالية النيابية أن "وزارات ومؤسسات الدولة لا تمتلك قاعدة بيانات دقيقة للموظفين الفضائيين، لكنه أشار إلى أن الحكومة السابقة برئاسة مصطفى الكاظمي أقرت بأن العراق غادر حقبة الموظفين مزدوجي الرواتب ودخل في حقبة الموظفين متعددي الرواتب، ما يعني أن هذه المشكلة مستمرة ولم تعالج لغاية اليوم بشكل حقيقي".
وأضاف أن "رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي كشف في عهده عن 50 ألف فضائي في وزارة الدفاع فقط"، مشددا على "ضرورة فتح هذا الملف ومراجعته للقضاء على الموظفين الوهميين، بدل التفكير بوقف التعيينات أو تقليص رواتب الموظفين".
المالكي والموظفون الوهميون
وأثير ملف الموظفين الوهميين لأول مرة بعد العام 2014، وبعد ذلك كشفت جهات برلمانية عن أرقام صادمة بهذا الخصوص لكن السلطات الحكومية لم تتحرك بشكل جدي وفاعل للقضاء على المشكلة.
ويعود ملف الموظفين الوهميين إلى فترة حكم نوري المالكي (2006 – 2014)، حيث كانت الوظائف تمنح بطريقة عشوائية وغير مدروسة، بهدف كسب الولاء السياسي والحزبي، بحسب تأكيدات برلمانية.
وكشفت اللجان التحقيقية بسقوط الموصل بيد داعش في حزيران 2014، عن أن الحضور الفعلي لمنتسبي الوحدات العسكرية قبل سيطرة التنظيم على الموصل لم يزد عن 30 – 40 %، بينما المقاتلون الذين تصل نسبتهم 60 % كانون لا يلتحقون بالوحدات المنتشرة في مناطق نينوى مقابل دفع مبالغ مالية تصل لأكثر من نصف راتبهم الشهري للضباط والآمرين.
خسائر بسبب الفضائيين
وتمثل المؤسسة العسكرية سواء الجيش والشرطة والحشد الشعبي أكثر المؤسسات التي فيها موظفون وهميون وفضائيون.
وحصلت شبكة الساعة على معلومة من مصدر حكومي رفيع في وزارة المالية رفض الكشف عن هويته تفيد بأن "عدد المنتسبين الفضائيين في هيئة الحشد الشعبي فقط يبلغ نحو 150 ألف موظف".
وبحسب الأرقام المعلنة عن أرقام الوهميين والفضائيين ومزدوجي الرواتب فإن العراق يخسر سنويا نحو 4 مليارات دولار على هؤلاء الموظفين.
وظائف وهمية بأشكال جديدة
الأكاديمي والخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني أكد أن مشكلة الموظفين الوهميين في العراق ما تزال قائمة، لافتا إلى أنها باتت تأخذ صورا وأشكالا متعددة.
وقال المشهداني في حديث لشبكة "الساعة": إن "ملف الفضائيين والوهميين ما يزال قائما رغم بعض التصريحات الحكومية التي تتحدث عن معالجة هذا الموضوع"، وأوضح أن "المؤسسات العسكرية تمثل أكثر المؤسسات التي تنتشر فيها الوظائف الوهمية".
وأضاف المشهداني أن "قسما من الموظفين الفضائيين توجد أسماؤهم في سجلات ومؤسسات الدولة لكنهم لا يحضرون للدوام في المؤسسات الحكومية مقابل دفع مبالغ مالية للمسؤولين عنهم".
وتابع: أن "الموظفين الوهميين يتواجدون بشكل كبير في المؤسسات الأمنية ويظهر ذلك من خلال متابعة أعداد المنتسبين الذين يتقاضون رواتب من الدولة، وعدد المنتسبين الأمنيين الذين من المفترض أن يشاركوا في الانتخابات والتصويت الخاص، وليس عدد المشاركين في التصويت على اعتبار أن الكثير من عناصر الأجهزة الأمنية لا يرغبون بالمشاركة في الانتخابات".
وأكد المشهداني أن "الغريب في العراق عدم معرفة وزارتي المالية والتخطيط بعدد الموظفين الوهميين، والأكثر غرابة من ذلك أن هذه الوزارات لا تعرف عدد موظفي الدولة العراقية الذين يتقاضون رواتب شهرية منها".
وشدد الأكاديمي والخبير الاقتصادي على "ضرورة اكمال مشروع الرقم الوظيفي الخاص بموظفي الدولة والذي اطلقته وزارة التخطيط لحصر عدد الموظفين وإنهاء مشكلة الموظفين الوهميين"، معربا عن "استغرابه من توقف العمل بالمشروع بعد وصوله إلى تسجيل أكثر من 2.5 مليون موظف حكومي في مختلف مؤسسات الدولة".
وأشار المشهداني إلى "وجود شكل جديد من أشكال الوظائف الوهمية في العراق، ويظهر ذلك من خلال الفوضوية والعشوائية في إطلاق التعيينات الجديدة، وغياب التنظيم الإداري للموظفين من حيث تغيير مواقعهم واختصاصاتهم وشهاداتهم الدراسية".
وبين أن "التعيينات التي تأتي بشكل عشوائي وغير مدروس أو مخطط وبعيدا عن الحاجة الفعلية للمؤسسات سيخلق حالة من الإرباك الوظيفي والبطالة المقنعة وهي أحد أشكال الوظيفية الوهمية".
وأوضح أن "أحد الأشكال الأخرى يتمثل بتغيير الصفة الوظيفية بناء على حصول الموظفين على دراسات مختلفة جامعية أو عليا وبالتالي تغيير مواقعهم بناء على ذلك ما يؤثر سلبا على عمل المؤسسة ويولد نقصا في الحاجة الفعلية لبعض الموظفين الفنيين والعمال ولا سيما في وزارات النفط والكهرباء وغيرها"، مبينا أن "معظم موظفي الدولة من الفنيين والعمال أصبحوا من حملة الشهادات والشهادات العليا من أجل تحسين ورفع رواتبهم والارتقاء بدرجاتهم الوظيفية على حساب عمل المؤسسة الحكومية وحاجتها الفعلية، الأمر الذي سيؤدي إلى خلق المزيد من البطالة المقنعة والوظائف الوهمية بطريقة مختلفة".
أعداد غير مسبوقة
ويقضي قانون الموازنة العامة الاتحادية العراقية للسنوات 2023 و2024 و2025 المنشور في العدد 4726 الصادر في (26 حزيران 2023) من جريدة الوقائع العراقية بأن عدد الموظفين في العراق هو 4 ملايين و47 ألف موظف وموظفة، وحدد عدد موظفي إقليم كردستان بـ 658 ألفا و189 موظفاً وموظفة.
ويعد العراق أكبر الدول من حيث عدد الموظفين الحكوميين نسبة إلى مجمل القوى العاملة، بحسب تقرير نشرته مؤسسة عراق المستقبل المستقلة المعنية بالشؤون الاقتصادية.
ويقول رئيس المؤسسة منار العبيدي، في التقرير إنّ "نسبة العاملين في القطاع الحكومي بالعراق بلغت 37% بين مجموعة دول شملتها الدراسة، إذ يعتبر القطاع الحكومي الأكثر ضغطًا على الموازنة العامة للدولة التي تذهب بمجملها كرواتب للموظفين، دون وجود إنتاج حقيقي يوازي هذه المصروفات العالية نتيجة عدم خلق بيئة استثمارية تساهم في تشجيع القطاع الخاص وتوفير فرص عمل من خلاله، الأمر الذي يزيد من الضغط على القطاع العام".
وتشير إحصاءات غير مؤكدة عن أن رواتب موظفي الدولة العراقية تزيد عن 40 مليار دولار أمريكي سنويا، أي ذهاب نحو نصف الموازنة لتمويل الرواتب وهو ما أمر لا يحدث في باقي بلدان العالم.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام