تداعيات وتطورات خطيرة قد تشهدها الساحة العراقية خلال الساعات والأيام المقبلة، وذلك عقب هجوم استهدف قاعدة أمريكية أسفر عن مقتل 3 جنود وإصابة العشرات، في أعنف هجوم يستهدف القوات الأمريكية في المنطقة منذ التصعيد الصاروخي الأخير عقب أحداث غزة.
وأعلن الجيش الأميركي مساء الأحد مقتل 3 من عناصره وإصابة عشرات آخرين في هجوم بطائرة مسيّرة على قاعدة تابعة له، بينما اتهمت واشنطن مجموعات مسلحة مدعومة من إيران بالوقوف وراء الهجوم وتوعدت بالرد عليه.
الهجوم نفذ عبر طائرة مسيرة مفخخة واستهدف قاعدة للقوات الأمريكية داخل الأراضي الأردنية، قرب المثلث العراقي السوري الأردني، فيما أعلنت ما تسمي نفسها المقاومة الإسلامية في العراق المسؤولية عن الهجوم.
وقالت القيادة الوسطى الأميركية إن الهجوم استهدف قاعدة الدعم اللوجيستي عند البرج 22 من شبكة الدفاعات الأردنية (شمال شرقي الأردن) قرب الحدود مع سوريا وأسفر عن مقتل 3 جنود وإصابة 34 آخرين، مشيرة إلى إجلاء 8 من الجنود الجرحى من الأردن للحصول على رعاية صحية متقدمة.
وبينما قال مصدر في المقاومة الإسلامية بالعراق للجزيرة إن الجنود الأمريكيين قتلوا بطائرة مسيرة هاجمت قاعدة أمريكية في سوريا انطلاقا من الأراضي السورية، نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤول في الفصيل العراقي تبنيه المسؤولية عن الهجوم، محذرا من أنه سيكون هناك تصعيد في حال استمرت الولايات المتحدة في دعم إسرائيل.
من جهتها، نقلت شبكة "سي إن إن" عن مسؤولين أن الطائرة المسيّرة سقطت بالقرب من أماكن سكنية في القاعدة الأمريكية، وأشار المسؤولون إلى أن هذه أول مرة يقتل فيها جنود أمريكيون في هجمات على مصالح أمريكية منذ بدء الحرب على قطاع غزة.
ونسبت وكالة "أسوشيتد برس" لمسؤول أمريكي قوله إن طائرة مسيّرة كبيرة ضربت القاعدة الحدود السورية - الأردنية، مشيرا إلى أن القاعدة تستخدم من قبل قوات مشاركة في تقديم المشورة والمساعدة للقوات الأردنية.
وقال المسؤول إن "القاعدة المستهدفة تضم قوات الهندسة والطيران والخدمات اللوجستية والأمنية الأمريكية"، مضيفا أن "الهجوم تسبب في إصابات تتراوح بين جروح وكدمات وإصابات بالدماغ".
الموقف الأردني
وأكد الأردن أن الهجوم استهدف موقعا متقدما داخل أراضيه قرب الحدود مع سوريا، وقال وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة مهند مبيضين إن "الهجوم نُفذ بطائرة مسيرة ولم يؤد إلى أي إصابات في صفوف القوات الأردنية".
وكانت الحكومة الأردنية قالت في وقت سابق الأحد إن "الهجوم استهدف قاعدة التنف على الحدود السورية الأردنية، واتهمت مليشيات إرهابية بتنفيذه"، موضحة أن "الوجود الأمريكي بالقرب من الحدود الأردنية يأتي في سياق اتفاقية التعاون بين البلدين".
بالتزامن مع ذلك أعلنت الفصائل المسلحة في العراق استهداف 4 قواعد أميركية، 3 منها في سوريا وهي الشدادي بمحافظة الحسكة، والركبان، والتنف في محافظة حمص، عند مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية، أما القاعدة الرابعة فكانت منشأة "زفولون" البحرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وعيد أمريكي
وفي الردود الأمريكية على الهجوم توعد الرئيس الأمريكي جو بايدن بالرد على الهجوم الذي اتهم فيه جماعات موالية لإيران تعمل في العراق وسوريا.
وقال بايدن إن "الهجوم على القوات الأميركية في الأردن نفذته جماعات متشددة مدعومة من إيران تعمل بسوريا والعراق"، وتوعد بايدن بمحاسبة كل المسؤولين عن الهجوم في "الوقت المناسب وبالطريقة التي نختارها".
إلى ذلك قالت كامالا هاريس نائبة الرئيس الأميركي إن "الهجوم على القوات الأميركية في شمال شرق الأردن نفذته جماعات مسلحة مدعومة من إيران"، مضيفة أن "واشنطن ستحاسب جميع المسؤولين عن الهجوم"، بحسب تعبيرها.
تواطؤ بايدن مع إيران
سياسيون أمريكيون عن الحزب الجمهوري اتهموا إدارة بايدن بالتواطؤ مع الجانب الإيراني، الأمر الذي شجعها على شن هجمات تستهدف القوات الأمريكية في المنطقة.
وطالب أعضاء ونواب عن الحزب الجمهوري إدارة الرئيس جو بايدن بتنفيذ هجمات انتقامية ضد القوى الإيرانية وحلفائها في إيران وفي منطقة الشرق الأوسط.
وقال اليسناتور الجمهوري توم كوتون في تغريدة على موقع "X": "لقد شجع جو بايدن إيران لسنوات عديدة من خلال التسامح مع الهجمات على القوات الأمريكية ودعم رجال الدين الإيرانيين واسترضائهم بلا نهاية".
وأضاف: لقد ترك بايدن القوات الأمريكية كالبط، والآن قتل 3 وأصيب العشرات بهذا الهجوم"، مؤكداً أن "الرد الوحيد على هذه الهجمات يجب أن يكون انتقاما عسكريا مدمرا ضد القوات الإرهابية الإيرانية، سواء في إيران أو في جميع أنحاء الشرق الأوسط".
وتبنى عضو الكونجرس عن ولاية فلوريدا بايرون دونالدز خطاً مماثلا قائلا: إن "استراتيجية استرضاء بايدن تجاه إيران ووكلائها لم تنجح"، وكتب أن "السلام من خلال القوة يضمن عالما أكثر أمانا للجميع".
وحث الجنرال ويسلي كلارك القائد الأعلى السابق لقوات التحالف في أوروبا على "توجيه ضربات إلى الوكلاء في جميع أنحاء الشرق الأوسط"، وقال إنه "على الولايات المتحدة أن تتوقف عن القول: لا نريد التصعيد، وهذا يدعوهم إلى مهاجمتنا، توقفوا عن وصف ضرباتنا بأنها انتقامية".
أما الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب فحمل بايدن مسؤولية الضعف الأمريكي مقابل إيران، كما حمله مسؤولية الهجوم الأخير وذلك بسبب سياسية التراخي مع إيران، مؤكدا "أن إيران خلال فترة حكمه كانت ضعيفة للغاية ولم تتمكن من جمع دولارين لدعم أنشطتها المسلحة في المنطقة، على عكس اليوم حيث تنشط من جديد وتشن الهجمات في المنطقة وتستهدف القوات الأمريكية".
إيران تتبرأ
وردا على الاتهامات الأمريكية، نفت وزارة الخارجية الإيرانية ضلوعها في هجوم بطائرة مسيّرة الذي أودى بحياة 3 جنود أميركيين.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني إن "الاتهامات الأمريكية غرضها سياسي وتهدف إلى قلب الحقائق بالمنطقة".
كما أصدرت الخارجية الإيرانية بيانا وصفت فيه اتهام طهران بالوقوف وراء الهجوم بأنه باطل، مؤكدة أن "الاتهامات لا أساس لها، وهي مؤامرة لمن مصلحتهم جر أميركا إلى معركة بالمنطقة".
وأضافت الخارجية: أن "قوات المقاومة في المنطقة لا تتلقى الأوامر منا وتتخذ قراراتها للدفاع عن الشعب الفلسطيني بشكل مستقل"، كما اعتبرت أن "انتهاكات أميركا للسيادة العراقية والسورية وهجماتها على اليمن أدت إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار، وأشارت إلى أنها حذرت مرارا من خطورة توسيع دائرة الصراع بسبب استمرار الهجمات الإسرائيلية على غزة".
الموقف العراقي الرسمي
واستنكرت الحكومة العراقية الهجوم الذي وقع على الحدود العراقية السورية الأردنية، وأدى إلى مقتل 3 عسكريين أمريكيين وجرح آخرين، داعية إلى وقف دوامة العنف في المنطقة.
وقال الناطق باسم الحكومة باسم العوادي في بيان إن "الحكومة العراقية تستنكر التصعيد المستمر وخصوصا الهجوم الأخير الذي وقع على الحدود السورية - الأردنية، كما تتابع بقلق بالغ التطورات الأمنية الخطيرة في المنطقة".
وأضاف: "في الوقت الذي يدعو فيه العراق إلى وقف دوامة العنف، فإنه يؤكد استعداده للعمل على رسم قواعد تعامل أساسية تجنب المنطقة المزيد من التداعيات، والحيلولة دون اتساع دائرة الصراع".
وشدد على أن انعكاس ھذه التطورات يھدد السلم والأمن الإقليمي والدولي، ويقوض جھود مكافحة الإرهاب والمخدرات، وكذلك يعرض التجارة والاقتصاد وإمدادات الطاقة للخطر.
ضربة أمريكية متوقعة
الخبير والمحلل العسكري العراقي صبحي ناظم توفيق أكد أن الهجوم الأخير على القاعدة الأمريكية يمثل تطورا خطيرا للغاية، من شأنه تصعيد المنطقة إلى فوهة بركان، وستكون له تداعيات خطيرة على العراق بالدرجة الأولى.
وقال توفيق في حديث لشبكة "الساعة": إن "الهجوم يعد الأول الذي يقتل فيه جنود أمريكيون منذ كانون الثاني 2020 بقصف على يد فصائل مسلحة"، وأضاف: أن "هذه الفصائل لم يتم ردعها بالتهديد أو بالضربات الأمريكية الثلاث السابقات، بل هي تتحدى بكل جرأة من دون اكتراث لما سيحدث".
وأشار إلى أن "قادة الفصائل المشخصة سوف يتركون مواقعهم المعتادة ويختبئون بعيدا، والضربات المقابلة ستوقع خسائر كبيرة في صفوف المقاتلين البسطاء اللاهثين وراء الراتب ولقمة العيش، ليس إلا".
وأوضح توفيق أنه "من المستغرب عدم تصدي الدفاعات الجوية في قاعدة التنف الاستراتيجية للهجوم المنفذ بالطائرة المسيرة، لأسباب تبدو غامضة، وتقصيرا مخزيا للطواقم الأمريكية.
ورجح الخبير العسكري أن "يكون هناك ردا قويا من جانب الولايات المتحدة على الفصائل المسلحة القريبة من إيران، لاسيما وأن الرئيس بايدن وللمرة الأولى يشخص ميليشيات مدعومة من إيران، ويوجه تهديدا واضحا بالرد بضربات موجعة نحوها".
كما توقع أن "واشنطن سترد بقوة على هذه الضربة التي تعتبر مهيمنة لها، على اعتبار أنه من المعيب على الولايات المتحدة أن لا توجه على هذا الصاع الميليشياوي، ليس بصاعين، إنما بخمسة صاعات على الأقل، وإلا ستكون في موقف مهين ومخز"، حسب تعبيره.
تداعيات خطيرة على العراق
الباحث في الشأن السياسي العراقي نجم القصاب حذر من تداعيات التصعيد الأخير على العراق ولا سيما في الجانب الاقتصادي.
وقال القصاب في حديث لشبكة "الساعة": إن "الهجوم الذي استهدف القاعدة الأمريكية سيؤثر بشكل سلبي على مجمل إدارة الدولة في العراق وخاصة الوضع الاقتصادي، فالشركات التي بدأت مؤخرا بدخول العراق ستعزف عن المشاركة في استثمارات مقبلة بسبب خشيتها من الأوضاع الأمنية المتردية جراء الهجمات الصاروخية المتكررة".
وأضاف القصاب: أن "التصعيد الأخير سيؤثر أيضا على مفاوضات الجانب العراقي مع الولايات المتحدة بشأن جدولة الانسحاب الأمريكي من العراق والذي أعلنت الحكومة العراقية تشكيل لجان عسكرية خاصة بهذا الخصوص مؤخرا".
وأكد القصاب على ضرورة أن تتعامل الحكومة العراقية والنخب السياسية الحاكمة بحكمة لإبعاد العراق عن التداعيات السلبية التي قد تطال العراق وخاصة فيما يتعلق بالتضييق على الدولار والذي لو لجأت إليه واشنطن فسيؤدي إلى انهيار الدينار العراقي"، مشددا على أن "الموقف العراقي السياسي والحكومي يجب أن يكون في المنتصف وأن يمسك العصى من الوسط بحيث لا يميل شرقا نحو إيران ولا غربا نحو الولايات المتحدة"، مبينا أن "ميول العراق نحو الشرق أو الغرب بعيدا عن التوازن سيجعل العراق يدفع الكثير سياسيا واقتصاديا وأمنيا".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام