تحول تواجد حزب العمال الكردستاني "بي كا كا" في العراق إلى نقطة فاصلة في العلاقات العراقية التركية، ولا سيما أن التنظيم يفرض وجوده ليس في المناطق الحدودية بين البلدين، وإنما في العديد من المدن شمالي العراق وأبرزها محافظة السليمانية وقضاء سنجار بمحافظة نينوى، الأمر الذي تعده أنقرة تهديدا لأمنها القومي خصوصا أن التنظيم يتخذ من المناطق العراقية منطلقا لشن هجمات ضد تركيا.
وتؤكد أنقرة أن تنظيم "بي كا كا" أبرز التنظيمات الإرهابية الذي يتطلب تعاونا دوليا لمحاربته أسوة بتنظيم داعش.
ورغم التحرك العسكري التركي شمالي العراق، إلا أن التنظيم ما يزال يحتفظ بقوته العسكرية، مستغلا الظروف الأمنية والسياسية التي يمر بها العراق من جهة، وحالة الاستقطاب الدولي الذي تشهده المنطقة والتدخلات الدولية في الملف العراقي وخاصة من الجانبين الأمريكي والإيراني.
ويحاول تنظيم "بي كا كا" الاستفادة من ضعف الدولة العراقية وسلطتها المركزية، ودعم وجوده من دول خارجية وجهات متنفذة سياسيا وعسكريا في الداخل العراقي، فضلا عن عامل عدم الثقة بين حكومتي بغداد وأربيل.
تركيا و "بي كا كا"
خلال الأعوام الأخيرة، تصاعدت العمليات العسكرية التركية في الشمال العراقي ضد تنظيم "بي كا كا"، وتنوعت تلك العمليات ما بين تدخل بري وإقامة عشرات القواعد العسكرية فضلا عن الضربات الجوية شبه اليومية في مناطق الشريط الحدودي شمالي أربيل ودهوك، وضرب قيادات ومسلحي التنظيم في محافظة السليمانية وقضاءي سنجار ومخمور في محافظة نينوى.
وخلال السنوات الماضية، كان تنظيم "بي كا كا" أبرز الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات والمباحثات العراقية التركية، وتسبب التنظيم بتوتر العلاقات بين البلدين في أكثر من مناسبة، كما زادت العمليات التركية شمالي العراق من حدة هذا التوتر.
وأدت هجمات تركيا على الأراضي العراقية إلى تأجيج التوترات مع عدد كبير من الجهات الفاعلة في العراق، كما أن المسؤولين العراقيين يدينون بشكل روتيني ما يوصف بأنه انتهاكات لسيادة العراق.
لكن أنقرة ترد بالقول إن تدخلها يأتي بسبب عدم اتخاذ أي إجراءات من الحكومة العراقية لتحديد نفوذ حزب العمال ووقف هجماته ضد تركيا.
وخلال الأسبوع الماضي، زار مدير جهاز المخابرات التركي إبراهيم كالن العراق مرتين، الأولى التقى خلالها مسؤولي الحكومة الاتحادية في بغداد ومسؤولين سياسيين، والثانية التقى خلالها رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني ورئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، وكان الغرض من الزيارة بحث الأنشطة المتصاعدة لتنظيم "بي كا كا" وسبل تحييده ومواصلة العمليات التركية لضرب التنظيم.
وتطالب تركيا من الجانب العراقي رسميا تصنيف منظمة "بي كا كا" ضمن المنظمات الإرهابية، لكن العراق يتهرب من هذا المطلب ويكتفي بالتأكيد على رفضه استغلال أي جهة للأراضي العراقية في مهاجمة دول الجوار ومنها تركيا.
التأسيس والنفوذ
تأسس تنظيم "بي كا كا" في شمال العراق لأول مرة في أوائل الثمانينيات، ومنذ ذلك الوقت بدأ الجيش التركي في شن عمليات عبر الحدود غالبًا ما أتت انتقامًا لمقتل جنود وشرطة أتراك.
وفي تلك الحقبة سمح الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين (1979-2003) لأنقرة بالعمل على الأراضي العراقية بشكل محدود وباتفاق مسبق مع بغداد على بعد 5 كيلومترات (3.1 ميل) من الحدود.
وبعد أن فقدت بغداد السيطرة على كردستان العراق في أعقاب حرب الخليج بين عامًي 1990-1991، فشل الحزب الديمقراطي الكردستاني في منع حزب العمال الكردستاني من توسيع نطاق وجوده المحلي.
وبعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، واصل تنظيم "بي كا كا" هجماته على تركيا انطلاقا من شمالي العراق، مستغلا ضعف الدولة العراقية وحل الأجهزة الأمنية الرسمية.
كما يفرض مسلحو "بي كا كا" السيطرة على قضاء سنجار، الذي يمثل نقطة ارتكاز مهمة كونها تربط جغرافيا العراق بسوريا وتقترب من الحدود التركية.
ويرجع نفوذ التنظيم في سنجار التي تتبع إداريا محافظة نينوى إلى العام 2014، حيث هاجم تنظيم داعش القضاء وفرض السيطرة عليه، ما دفع مسلحي "بي كا كا" إلى الدخول بذريعة فك الحصار عن الإيزيديين المحاصرين في جبل سنجار.
ومنذ ذلك التاريخ تصاعد نفوذ "بي كا كا" في سنجار، وبلغ ذروته خلال العامين الماضيين، عندما فرض فعليا سيطرته الأمنية كما عين إدارة محلية على القضاء تابعة له مستغلا الدعم الذي يحصل عليه من قبل الحشد الشعبي والجهات السياسية التي تمثله في الحكومة والبرلمان والتي باتت اليوم منضوية تحت مسمى "الإطار التنسيقي".
كما يتواجد حزب العمال الكردستاني في قضاء مخمور بمحافظة نينوى، مستغلا الفراغات الأمنية الموجودة هناك بين مناطق سيطرة القوات العراقية الاتحادية ومناطق سيطرة القوات الكردية "البيشمركة"، فضلا عن تواجده في مخيم اللاجئين الكرد الأتراك في القضاء، حيث تشير التقارير إلى تحول المخيم من مقر لإيواء اللاجئين المدنيين إلى مقر أمني تدار من خلاله أنشطة التنظيم بمجال التخطيط والإعلام وغيرها.
علاقة "بي كا كا" بالولايات المتحدة وإيران
تتهم تركيا الولايات المتحدة بدعم تنظيمات "بي كا كا" ووحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية في سوريا، وذلك من خلال اعتبار واشنطن تلك التنظيمات الكردية حليفا استراتيجيا لها في مناطق شرق سوريا.
اعترفت كل من إدارتي جورج دبليو بوش (2001-2009) وباراك أوباما (2009–2017) بالتهديد الذي يمثله التنظيم لتركيا من العراق وتعهدتا بدعم أنقرة في قتال هذا التنظيم، ومع ذلك، من وجهة نظر تركيا، فإن مثل هذه التطمينات لم تترجم بشكل كاف إلى عمل ملموس.
وبعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011 والصعود الكبير لتنظيم داعش عام 2014، أصبحت وحدات حماية الشعب التابعة لتنظيم "بي كا كا" شريكًا مهمًا للولايات المتحدة، ما زاد من تصورات أنقرة لواشنطن على أنها غير داعمة للقتال ضد مسلحي "بي كا كا" الذي تعده تركيا الخطر الإرهابي الأول.
وخلال السنوات الأخيرة شهدت العلاقات التركية الأمريكية توترا بسبب الدعم الأمريكي المتواصل للتنظيمات الكردية شمال وشرق سوريا.
لكن الغريب في الدعم الخارجي لتنظيم "بي كا كا"، أنه يحضى بدعم وتأييد واشنطن في سوريا، لكنه في العراق يعد أحد الأذرع الإيرانية التي تقول واشنطن أنها تسعى لضربها وإضعافها.
بحسب مسؤولين عراقيين فإن حزب العمال الكردستاني يعمل بدعم واسع من إيران، وأن الأخيرة هي من تعرقل أي محاولات حكومية عراقية لإنهاء وجود الحزب في المناطق وخاصة قضاء سنجار.
وتحاول إيران استغلال أنشطة تنظيم "بي كا كا" لتحقيق مصالحها في ضرب المصالح التركية من جهة، وإضعاف سلطة الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في أربيل على اعتبار أنه ليس من الأحزاب القريبة من طهران، إضافة إلى ضمان استمرارية نفوذها في بعض المناطق كالسليمانية الحدودية مع إيران وسنجار الحدودية مع سوريا والتي تقع على طريق الحرير الإيراني الذي يوصلها بالبحر المتوسط.
"بي كا كا" والسيادة العراقية
النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني محما خليل أكد أن وجود حزب العمال الكردستاني في شمال العراق وقضاء سنجار يعد انتهاكا صارخا للسيادة العراقية.
وقال خليل في حديث لشبكة "الساعة" إن "الحكومة الاتحادية في بغداد تتحمل المسؤولية عن الحفاظ على سيادة العراق وبالتالي فهي المسؤولة عن إنهاء نفوذ تنظيم (بي كا كا) في شمال العراق".
وأشار خليل إلى "جهات متنفذة في الدولة العراقية ومنها بعض الفصائل في الحشد الشعبي والقوى السياسية التي تقف وراء تلك الفصائل بدعم تنظيم (بي كا كا)"، مبينا أن "هذه الجهات هي التي تعرقل أي محاولة للدولة لتقويض نفوذ حزب العمال في العراق".
وتعليقا على إعلان الحكومة العراقية فرض سيطرتها على قضاء سنجار شدد خليل الذي ينحدر من القضاء على أن "تنظيم (بي كا كا) ما يزال يسيطر على سنجار وأن الدولة العراقية غائبة عن المشهد هناك".
واتهم خليل: "التنظيم بارتكاب جرائم ضد العراقيين من أبناء المكون الإيزيدي تتضمن عمليات قتل واختطاف وتجنيد قسري للشباب والفتيات"، فضلا عن "إدارة سجون سرية تحتوي على عشرات المعارضين لوجود هذا الحزب".
ولفت إلى أن "الفرصة الوحيدة أمام الدولة العراقية لحل مشكلة سنجار كانت عبر اتفاق تطبيع الأوضاع في القضاء الذي أبرمته حكومته الكاظمي مع حكومة إقليم كردستاني نهاية العام 2020"، مؤكداً أن "الحكومة الاتحادية عجزت عن تطبيقه لغاية اليوم ولن ينفذ في الواقع ما لم تكن هناك إرادة حقيقية لدى القوى السياسية المتنفذة بالقرار في بغداد".
كما حمل البرلماني العراقي: "المجتمع الدولي ممثلة بالأمم المتحدة مسؤولية بقاء سنجار خارج سيطرة الدولة العراقية، على اعتبار أنها كانت الطرف الذي أشرف على توقيع اتفاق سنجار، الذي لم يرى النور لغاية اليوم وبقي حبرا على ورق".
وتسبب وجود حزب العمال في سنجار بمنع عودة عشرات آلاف النازحين الإيزديين إلى مناطق القضاء، بحسب السلطات الحكومية في كردستان.
كما يمنع مسلحو "بي كا كا" والفصائل المسلحة الموالية له عودة العائلات العربية إلى مركز قضاء سنجار، وفي صيف 2023 هددت تلك الجماعات باستهداف أي عائلات عربية تعود إلى القضاء على الرغم من حصول موافقات من السلطات الحكومية الإدارية والأمنية.
"بي كا كا" والحزب الديمقراطي الكردستاني
تعود علاقة "بي كا كا" بالحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني إلى الثمانينات من القرن الماضي، فالتنظيم بدأ نشاطه بمباركة من القيادات الكردية العراقية آنذاك، من خلال السماح له بالعمل في مناطق الشريط الحدودي مع تركيا.
لكن التحالف بين الحزب الديمقراطي و"بي كا كا" لم يكن تحالفا منهجيا بل تحكمه المصالح الآنية والظروف والمتغيرات في الساحة السياسية، فبعد غزو العراق عام 2003، وتحول الحزب الديمقراطي من المعارضة إلى السلطة وسيطرته على إدارة إقليم كردستان بدأ التوتر يظهر في علاقاته مع "بي كا كا" لاسيما بسبب الضغوط التركية التي يصفها البعض بأنها أصبحت الحليف الجديد للحزب الديمقراطي الكردستاني.
ووجدت تركيا في الحزب الديمقراطي الكردستاني شريكها الكردي العراقي الرئيسي في ملاحقة حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، حيث حاولت أربيل استيعاب المخاوف الأمنية التركية، وشمل ذلك التعاون مع تركيا ومحاولة فرض نوع من الحصار على حزب العمال الكردستاني.
ليس من الواضح ما إذا كانت أربيل قدمت بالفعل معلومات استخباراتية إلى أنقرة، لكن ما هو واضح هو أن تركيا تمكنت من التسلل واختراق الإقليم الكردي في العراق لتعقب مقاتلي حزب العمال ورصدهم، وقصفهم أو ضربهم باستخدام الطائرات المسيرة.
تسبب دخول تنظيم داعش وسيطرته على المدن العراقية وتهديده لإقليم كردستان، بعودة العلاقات بين الديمقراطي الكردستاني وتنظيم "بي كا كا"، وتطور الأمر ووصل حد التحالف من خلال التعاون بين التنظيم وقوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي في استعادة قضاء سنجار وفرض السيطرة عليه عام 2015.
لكن الخلافات سرعان ما ظهرت مجددا بين الجانبين، من أجل فرض النفوذ والسلطة على القضاء وعدم قبول تنظيم "بي كا كا" تسليم القضاء لسلطة الحزب الديمقراطي، حتى وصلت عمليات فرض القانون عقب استفتاء الإقليم والتي أعادت الأراضي المتنازع عليها لسلطة الدولة العراقية، فأنهت وجود قوات البيشمركة والحزب الديمقراطي الكردستاني في سنجار بشكل نهائي مقابل نفوذ شبه كامل لحزب العمال والفصائل المسلحة المرتبطة به والتي تحظى بدعم من قوات الحشد الشعبي العراقية.
جهات متنفذة تدعم "بي كا كا"
الخبير العسكري والباحث في مركز راسام للدراسات الاستراتيجية العقيد حاتم الفلاحي أكد أن معالم الدعم الإيراني لتنظيم "بي كا كا" في العراق واضحة ولا تقبل الشك، وهو ما يفسر رفض العراق اتخاذ أي إجراءات فعلية لإنهاء نفوذ التنظيم على أراضيه أو حتى تصنيفه ضمن المنظمات الإرهابية.
وبين الفلاحي في حديث لشبكة "الساعة" أن "الدعم الإيراني للتنظيم يظهر من خلال دعم الفصائل المسلحة المرتبطة بالحشد الشعبي والمعروفة بولائها لإيران".
وقال الفلاحي إن "إيران تسعى لاستغلال أنشطة التنظيم لاستهداف المصالح التركية سواء في العراق وسوريا"، وأوضح أن "إيران بدأت تحرك التنظيم من خلال الفصائل المسلحة العراقية التي باتت تقدم للتنظيم التسليح والتمويل والرواتب فضلا عن دعمهم للبقاء في قضاء سنجار".
وأشار الفلاحي إلى أن "قضاء سنجار يعتبر مركزا رئيسيا لطريق الحرير الإيراني الذي يمر إلى سوريا"، مبينا أن "السيطرة على سنجار يعني تهديد كردستان ولاسيما مسعود بارزاني وتهديد للمصالح التركية فضلا عن السيطرة على الممر البري الإيراني إلى البحر المتوسط عبر الأراضي السورية".
وأضاف أن "اتفاق سنجار أبرم بين بغداد وأربيل لكن ظل حبرا على ورق، بسبب رفض حزب العمال والحشد الشعبي ومن ورائه إيران لتنفيذ الاتفاق"، فضلا عن "عجز الدولة العراقية وأجهزتها الأمنية عن تطبيق الاتفاق".
وبين الفلاحي أن "دفع إيران لأتباعها في العراق لرفض تنفيذ اتفاق سنجار يعطي دلالة واضحة على أن المصالح الإيرانية هي الراجحة وأنها قادرة على منع الحكومة العراقية من السيطرة على المناطق الاستراتيجية، كما يدل على عدم استقلالية القرار السياسي والأمني العراقي وضعف الأجهزة الامنية في مواجهة الميليشيات وذلك كله أبقى سنجار خارج السيطرة الحكومية لغاية اليوم".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام