لم يعد من المفاجآت فرض عقوبات أمريكية على شخصيات وشركات عراقية وإدراجها ضمن لوائح الإرهاب على خلفية تعاملها مع الحرس الثوري الإيراني، فالعقوبات الأمريكية كانت طيلة السنوات الماضية رسائل تحذير لبغداد من عقوبات أقسى وأشد في حال استمرت العلاقات مع إيران المعاقبة اقتصاديا بقرارات من الإدارة الأمريكية.

آخر تلك العقوبات، ما أعلنته وزارة الخزانة الأمريكية عن إدراج شركة الطيران العراقية (فلاي بغداد) ومديرها التنفيذي، على لائحة العقوبات، لتقديم المساعدة إلى الحرس الثوري الإيراني والمجموعات الوكيلة له في العراق وسوريا ولبنان.

وقالت الوزارة الأمريكية في بيان: إن "شركة (فلاي بغداد) ولسنوات عدة، دعمت عمليات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ووكلاءه عبر توصيل العتاد والأفراد في جميع أنحاء المنطقة".

وأضافت أن "رحلات الشركة قامت بتسليم شحنات أسلحة إلى مطار دمشق الدولي في سوريا، لنقلها إلى أعضاء الحرس الثوري الإيراني، فيلق القدس والميليشيات المتحالفة مع إيران على الأرض في سوريا، بما في ذلك الحرس الجمهوري العربي السوري، وحزب الله اللبناني، وكتائب حزب الله العراقية".

 

اتهامات أمريكية

وبحسب وزارة الخزانة الأمريكية فقد "سلمت شركة فلاي بغداد لهذه الجماعات العاملة في سوريا مجموعة من الأسلحة، بما في ذلك صواريخ فتح وذو الفقار والفجر إيرانية الصنع، بالإضافة إلى بنادق AK-47 وRPG-7 وقنابل يدوية ورشاشات أخرى".

وعلى إثر ذلك، باشر البنك المركزي العراقي بتجميد حسابات شركة فلاي بغداد للنقل الجوي، بحسب ما أفادت مصادر حكومية مطلعة والتي أوضحت أن "البنك قام بتجميد حسابات الشركة في ثلاثة مصارف رئيسية استجابة لعقوبات الخزانة الأمريكية".

كما أدرجت الخزانة الأمريكية ثلاثة قادة ومؤيدين منضوين في كتائب حزب الله العراقية، التي تتهمها الوزارة بدعم الحرس الثوري الإيراني في العراق، على لائحة العقوبات، ومن بين هؤلاء القادة عضو مجلس النواب العراقي حسين مؤنس.

وفي حال ثبتت التهم الأمريكية الموجهة إلى شركة فلاي فإن كارثة كانت تحصل في المطارات العراقية بسبب تعمد الشركة نقل الأسلحة والصواريخ في الرحلات التي تحمل مئات الركاب الذين يمكن أن يكونوا ضحية لاستغلال الطيران المدني في الأغراض العسكرية.

 

استهداف لإيران

السفيرة الأمريكية في بغداد وصفت العقوبات الأمريكية على شركة النقل العراقية وقيادات حزب الله بأنها تؤكد عزم واشنطن على التصدي للتهديد المستمر الذي يمثله الحرس الثوري الإيراني، وشبكته الموالية في العراق.

وكتبت رومانوسكي، في تدوينة لها على منصة "X": أن "استخدام إيران لشركة طيران عراقية لتهريب الأسلحة والمقاتلين والدولار الأمريكي يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة العراق".

لكن على الأغلب فإن عقوبات الخزانة الأمريكية ستمهد لعقوبات أخرى تطال شخصيات وشركات ثم مؤسسات عراقية حكومية، وربما تشمل البنك المركزي العراقي في المستقبل إذا لم يتعامل العراق بجدية مع رسائل التحذير بشأن التعامل مع الجهات الإيرانية التي تصنفها واشنطن إرهابية.

 

عقوبات في الطريق

الناشط السياسي ورئيس مشروع المواطنة العراقية غيث التميمي توقع أن تتواصل العقوبات الأمريكية على الشركات والشخصيات والمؤسسات العراقية خلال المرحلة المقبلة بسبب عدم وجود أي تجاوب من السلطات العراقية لمحاسبة الجهات التي تتعامل مع المنظمات المدرجة على لوائح الإرهاب العالمي.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "العقوبات الأمريكية لا تأتي بصورة ارتجالية وسريعة، لكنها تصدر بناء على تقارير ومعلومات تفيد بتورط شركات وجهات بممارسة أنشطة تصنفها واشنطن بالإرهابية".

وأضاف: أن "الحكومات في العراق ينبغي أن تتعامل بحزم مع الجهات التي تصدر عليها عقوبات أمريكية وذلك لتجنب المزيد من العقوبات ولضمان إعادة الثقة بين المؤسسات الأمريكية والعراقية"، مبينا أن "بغداد لم تتخذ أي إجراءات ضد هذه الجهات من شأنها تقييد أنشطتها ما يجعل الحكومة العراقية بموقف ضعف أمام المجتمع الدولي".

وأوضح التميمي: أن "استمرار أنشطة الشركات والجهات العراقية مع الحرس الثوري الإيراني والجهات التابعة له سيدفع نحو مزيد من العزلة والعقوبات تجاه المؤسسات الرسمية العراقية كما يحصل حاليا مع سلطة الطيران المدني التي لا تستطيع الوصول بالرحلات الجوية إلى أمريكا وكندا وأوروبا بسبب العقوبات الدولية"، مبينا أن "السياسات المالية في العراق معرضة هي الأخرى لعقوبات أمريكية في المرحلة المقبلة ومنها البنك المركزي العراقي والمصارف العراقية الحكومية في حال ثبت تعاونها مع الجهات المحظورة أو تجاهل العراق التحذيرات الأمريكية عبر العقوبات الحالية".

وأشار إلى أن "العقوبات تمثل في البداية إشارات لإعلام الحكومة العراقية بالجهات المتورطة بالتعاون مع الجهات الدولية المصنفة إرهابية، وفي حال لم تتخذ الحكومة خطوات جدية ضد الجهات المعاقبة فسيؤدي إلى أن تكون العقوبات تصاعدية وبالتالي تصل إلى تقييد وصول الدولار إلى العراق ويعني ذلك دخول العراق في أزمة اقتصادية كبيرة وانهيار كبير للعملة العراقية".

واستبعد التميمي" "اتخاذ الحكومة العراقية أي إجراءات ضد الشركات والشخصيات المدرجة ضمن العقوبات الأمريكية"، مبينا أن "السلطات العراقية تعمل العكس من خلال استمرار تعاملها مع الجهات المعاقبة ووجود شخصيات فرضت عليها العقوبات في مناصب وزارية في الحكومة"، منوها إلى أن "ذلك يعد مؤشرات على عدم جدية الحكومة العراقية في التعامل مع هذا الموضوع لتجنب المزيد من العقوبات الأمريكية".

 

إنذار أمريكي للعراق

الأكاديمي والخبير الاقتصادي نبيل المرسومي حذر من فرض عقوبات أمريكية جديدة على العراق بسبب استمرار التعامل الاقتصادي مع إيران والفصائل المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وقال المرسومي في شرح لتداعيات قرار الخزانة الأمريكية الأخير إن "العقوبات على شركة فلاي بغداد للطيران، بمثابة إنذار اقتصادي أمريكي للعراق".

وبين المرسومي في التوضيح المنشور على صفحته بمنصبة "فيسبوك" وتابعته شبكة "الساعة" أن الولايات المتحدة تتبنى أربعة أساليب في عقوباتها الاقتصادية وهي:

1 – التجميد: مصادرة أصول الدولة الموجودة بالخارج وتجميد حسابات مؤسسات الدولة والأفراد المتهمين بالضلوع في صناعة القرارات التي تتقاطع مع المصالح الأمريكية.

2 - القيود المالية: الاستبعاد من نظام التحويل المالي (سويفت) لإرسال الأموال عبر العالم، والذي يستخدم من قبل عدة آلاف من المؤسسات المالية في أكثر من 200 دولة وتم استخدام هذه العقوبة من قبل ضد إيران وروسيا بعد حربها ضد أوكرانيا.

3 - الاستبعاد من مقاصة الدولار: حظر المعاملات المالية التي تنطوي على استخدام الدولارات الأمريكية ومعاقبة أي شركة غربية تتعامل مع شركات الدولة التي تتعرض للعقاب.

4 - منع الوصول لأسواق الديون العالمية: وهو إجراء من شأنه الحرمان من التمويل لتنمية الاقتصاد وقد ترتفع تكلفة الاقتراض في البلاد وقد تنخفض قيمة العملة الوطنية.

 

ما العقوبات المطروحة؟

أشار المرسومي إلى أن توسع العمليات العسكرية في العراق من الممكن أن يجعل العراق عرضة للعقوبات الآتية:

1 - التوقف عن تسليم الدولار إلى العراق إذ إن القوانين الأمريكية مثل قانون "معاقبة أعداء أمريكا" تتيح لها عدم تسليم الدولار إلى بعض الدول مما سيخفض كثيراً من سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار وقد نشهد انهياراً كبيراً للدينار العراقي يؤدي بالنتيجة إلى تضخم جامح يذكرنا بالحصار الأمريكي على العراق.

2 - الامتناع عن التعامل مع البنك المركزي العراقي وهو ما يؤدي إلى فقدان ثقة العالم به ويدفعهم إلى التوقف عن التعامل مع البنك المركزي العراقي لأسباب فنية تتعلق بالمعايير النقدية العالمية أو لأسباب تتعلق بالخشية من فرض عقوبات أمريكية على الجهة التي تتعامل مع البنك المركزي العراقي.

3 - فرض عقوبات على المصارف العراقية وشركات التحويل المالي مما يربك الوضع الاقتصادي ويحد من تمويل التجارة الخارجية.

4 - منع العراق من استخدام نظام التحويل المالي (سويفت) الذي يخضع في جانب كبير منه للنفوذ الأمريكي.

5 -   إيقاف برامج الإقراض والإعمار والمساعدات الفنية التي يقدمها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للعراق إذ إن هاتين المنظمتين تتحكم بهما الولايات المتحدة.

6 - التوقف عن منح العراق الاستثناء الخاص باستيراد الغاز والكهرباء من إيران ما سيؤدي إلى انهيار المنظومة الكهربائية فيه.

7 - ستؤثر العقوبات الأمريكية المحتملة كثيراً في قطاع النفط إذ ربما ستوقف الولايات المتحدة استيراداتها من العراق التي تصل إلى 400 ألف برميل يومياً وربما ستتطور العقوبات إلى فرض عقوبات أمريكية على الجهات التي تشتري النفط العراقي الذي يشكل 93% من الإيرادات العامة.

8 - التأثير السلبي على البيئة الاستثمارية في العراق والمتمثل بإضعاف ثقة المستثمرين وبشكل خاص ما يتعلق بالشركات العاملة في مجال النفط الأمريكية منها والأجنبية مما سيكون له انعكاس على قدرة العراق في الإنتاج والتصدير وعلى مشاريع تطوير الحقول النفطية وخاصة تلك المتعلقة باستثمار الغاز المصاحب التي يعول العراق عليها من أجل خفض استيراداته من الغاز الذي هو المصدر الوحيد لتوليد الكهرباء في العراق، فضلاً عن تأثيراتها السلبية على البرامج الاقتصادية الحكومية في البناء والإعمار.

 

تداعيات سياسية

وفي أولى التداعيات السياسية للعقوبات الأمريكية الأخيرة على قيادات عراقية، نددت اللجنة المالية النيابية بإدراج الخزانة الأمريكية النائب حسين مؤنس ضمن لائحة العقوبات الاقتصادية، عادة هذا الإجراء تجاوزًا وتعسفًا لا يُبرره أي مبرر.

وقالت اللجنة في بيان إن "إدراج اسم النائب حسين مؤنس على لائحة العقوبات الاقتصادية يُعَد خرقًا فظًا للشفافية وعدم وضوح في السياسات التي تتخذها الحكومة الأمريكية تجاه الشخصيات العراقية الوطنية".

وطالبت اللجنة المالية النيابية الخزانة الأمريكية بتقديم شواهد قاطعة وبراهين صادقة، تلقي الضوء على الأسباب التي أدت إلى اتخاذ قرار إدراج اسم النائب حسين مؤنس في قائمة العقوبات، وفهم المبررات وراء هذا الإجراء.