وصل مدير المخابرات التركية إبراهيم قالن إلى العاصمة العراقية بغداد في زيارة تبحث الملفات الأمنية بين البلدين وفي مقدمتها تواجد تنظيم "بي كا كا" والعمليات العسكرية التركية شمالي العراق والتي تتواصل منذ أكثر من 3 سنوات.
ويمثل انتشار تنظيم "بي كا كا" المعارض لتركيا والمصنف عالميا ضمن لوائح الإرهاب في مناطق شمالي العراق أكثر الملفات حساسية في العلاقات العراقية التركية، لاسيما وأن نفوذ التنظيم تصاعد في السنوات الأخيرة في شمالي العراق.
ويفرض مسلحو "بي كا كا" السيطرة على مناطق شمالي محافظتي دهوك وأربيل قرب الحدود مع تركيا، كما لهم نفوذ واسع ومتزايد في محافظة السليمانية، كما يفرضون سيطرتهم على مواقع في قضاء مخمور وأغلب مناطق قضاء سنجار بمحافظة نينوى.
ومنذ سنوات تطالب أنقرة من الجانب العراقي اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة لإنهاء وجود التنظيم، لكن السلطات العراقية لا تتعامل بجدية مع هذا الموضوع بسبب عدم قدرة السلطات الأمنية العراقية على فتح جبهة قتال جديدة من جهة، واستغلال التنظيم من أطراف دولية لاسيما إيران من جهة أخرى.
لم يعلن الجانب العراقي ولا التركي عن تفاصيل زيارة رئيس جهاز المخابرات التركية بشكل مسبق، لكنها بدأت بلقاء جمع قالن بمستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي الذي أكد بحسب بيان صدر عن مكتبه رفض الحكومة العراقية استخدام أراضي العراق منطلقا للاعتداء على أي دولة مجاورة وفي مقدمتها تركيا.
تعاون وتنسيق أمني
بيان مستشارية الأمن القومي العراقي الذي وردت نسخة منه إلى شبكة "الساعة" قال: إن "الأعرجي، استقبل بمكتبه مساء الاثنين، رئيس جهاز المخابرات التركي، والوفد المرافق له"، وأضاف: أن "اللقاء بحث آخر المستجدات الأمنية في المنطقة، لاسيما استمرار الحرب في غزة وتداعياتها الخطيرة، فضلا عن بحث استمرار التعاون الأمني والاستخباري بين البلدين، بما يعزز أمن واستقرار المنطقة".
وأكد الأعرجي، بحسب البيان على "أهمية تنامي وتطوير العلاقة بين بغداد وأنقرة وفق مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة"، مشيرا إلى أن "جميع المشاكل يمكن حلها من خلال الحوار والدبلوماسية، طالما كانت النوايا صادقة"، مشددا على"ضرورة خلق منظومة أمنية بين دول المنطقة لتبادل المعلومات الأمنية والاستخبارية وتحقيق المزيد من الاستقرار وتجنب الأزمات".
وتابع البيان: أن "الأعرجي شدد خلال اللقاء على رفض العراق وعدم سماحه لاتخاذ أراضيه منطلقا للاعتداء على أي دولة"، مبينا أن "رئيس الوزراء محمد شياع السوداني يؤكد مراراً على أهمية علاقات حُسن الجوار واحترام السيادة بين العراق وجيرانه، وعدم السماح بتعكير صفو العلاقات".
من جانبه أكد رئيس المخابرات التركية أن "وجود مسلحي تنظيم (بي كا كا) يضر بأمن واستقرار العراق وتركيا على حد سواء".
وبحسب بيان مكتب الأعرجي فإن قالن أكد أن "بلاده تنظر إلى وحدة أراضي العراق وسيادته مثلما تنظر إلى وحدة وسيادة تركيا"، مشيرا إلى أن "أمن العراق وتركيا واحد، فيما أعرب عن دعم تركيا للعراق في مجالات مكافحة الإرهاب والمخدرات والإتجار بالبشر، إلى جانب التعاون في ملف المياه من خلال اللجنة المشتركة بين البلدين".
3 ملفات رئيسة
المحلل السياسي التركي القريب من حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم في البلاد يوسف كاتب أوغلو أشار إلى وجود 3 ملفات رئيسية ستكون على طاولة حوار مدير جهاز المخابرات التركية خلال زيارته للعراق.
وقال كاتب أوغلو في حديث لشبكة "الساعة": إن "زيارة قالن إلى العراق ستركز على 3 مسارات ومحاور، الأول يتعلق بالتعاون الأمني والاستخباري وتواجد مسلحي تنظيم (بي كا كا) في الشمال العراقي، وضرورة تنسيق الجهود لمواجهة هذا التنظيم الذي يمثل وجوده خطرا على الأمن القومي للعراق وتركيا على حد سواء".
وأضاف: أن "المحور الثاني للزيارة سيركز على ضرورة تحقيق التنسيق الأمني الإقليمي لتجنب أي تصعيد عقب الضربات الإيرانية الأخيرة في العراق وسوريا وباكستان والتي أحدثت توترا في المنطقة"، وأشار إلى أن "المحور الثالث سيركز على بحث استكمال الملفات المعروضة بين البلدين كطريق التنمية والمياه وتصدير النفط العراقي عبر تركيا".
وتوقع كاتب أوغلو أن "تأتي هذه الزيارة نتائج تعاونية على المستوى الأمني والاستخباري، وأن توضح الرؤية التركية في التحرك ضد تنظيم (بي كا كا) في الداخل العراقي وأهمية التنسيق لتوسيع هذا الاستهداف لتحييد وإضعاف مسلحي التنظيم وجعلهم عاجزين عن تهديد الأمن في البلدين.
من يدعم "بي كا كا"؟
وتوجه اتهامات للحكومة العراقية بدعم جهات في تنظيم "بي كا كا" من ناحية التمويل والتسليح والغطاء الرسمي، فبعض الميليشيات المنضوية التابعة لـ "بي كا كا" هي ذاتها منخرطة في صفوف هيئة الحشد الشعبي ويتقاضى مقاتلوها رواتب شهرية من الموازنة العراقية.
كما اتهمت أنقرة الاتحاد الوطني الكردستاني الحاكم في محافظة السليمانية بإقليم كردستان العراق بدعم "بي كا كا" وميليشيات "قسد" وجعل المحافظة منطقة لأنشطة التنظيمين، وهو ما دفع تركيا لشن هجمات غير مسبوقة في السليمانية وحظر الرحلات الجوية نحوها.
في حين يرى مراقبون للشأن العراقي أن إيران تقف وراء دعم حزب العمال الكردستاني "بي كا كا" شمالي العراق، من أجل استخدام هذا الملف ضد تركيا تارة وضد الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في أربيل تارة أخرى.
الاتحاد ينفي
لكن القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني غياث السورجي ينفي التهم التركية، ويؤكد أن حزبه لا يدعم أنشطة تنظيم "بي كا كا"، مشيرا إلى أن تركيا تستهدف الاتحاد الوطني لعدم قبوله ورضوخه للإملاءات التركية.
وقال السورجي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الاتحاد الوطني لا يدعم أنشطة حزب العمال الكردستاني لكنه لا يعتبره منظمة إرهابية، بل يعتبره حزبا سياسيا معارضا لتركيا ينشط على الأراضي العراقي مع وجود اختلاف كبير بين أيدلوجية ومنهج حزب العمال والاتحاد الوطني".
وأضاف: أن "بي كا كا متواجد بشكل كبير في محافظتي دهوك وأربيل الحدودتين مع تركيا، وأن تواجد الحزب في السليمانية ليس بالكبير"، مبينا أن تركيا تسعى للتوسع في شمالي العراق من خلال التذرع بمحاربة حزب العمال، حسب تعبيره.
وأشار السورجي إلى أن "الموقف التركي الأخير تجاه الاتحاد الوطني يأتي على خلفية مواقف سياسية نتيجة رفض الحزب الاملاءات التركية"، مبينا أن "الاتحاد يرفض أن يكون تابعا لأي من دول المنطقة لأنه يؤمن أن عمقه الاستراتيجي هي العاصمة العراقية بغداد".
احتواء التصعيد بالمنطقة
من جهته يرى الباحث في الشأن العراقي غانم العابد أن زيارة قالن إلى العراق ستركز على الملف الأمني والحرب على تنظيم "بي كا كا" من جهة، والتصعيد الحاصل في المنطقة من جهة أخرى.
وقال العابد في اتصال مع شبكة "الساعة": إن "زيارة قالن إلى العراق تأتي في وقت محتقن وحرج وفي ظل تطور الأحداث بالمنطقة على خلفية العدوان على غزة، والذي بدأت تداعياته تمتد وتتسع جغرافيا".
وأضاف أن "البعثة الأممية في العراق حذرت مؤخرا من انجرار العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة"، مبينا أن "هذه التحذيرات من الطبيعي أن تدفع دول جوار العراق ومنها تركيا إلى محاولة تنسيق المواقف لتجنب انتقال أي تداعيات للصراع إليها".
وتابع أن "هناك الكثير من الملفات التي ستطرح للنقاش بين مدير المخابرات التركية والمسؤولين العراقيين، أبرزها ملف تنظيم (بي كا كا) والخلافات مع الاتحاد الوطني، فضلا عن مشاكل تصدير النفط ومشكلة المياه"، إضافة إلى "بحث التطورات في المنطقة ومحاولة احتوائها بشكل سريع بالتنسيق مع الحكومة العراقية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام