في أول تحرك عراقي رسمي ضد إيران منذ العام 2003، قدمت الحكومة العراقية ممثلة بوزارة الخارجية شكوى بشأن العدوان الإيراني على أربيل في مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة.

وتمثل هذه الشكوى نقطة لافتة في العلاقة بين إيران والسلطات في العراق التي عرفت بولائها وقربها من إيران طيلة العقدين الماضيين، ولا سيما أن العراق لم يتحرك ضد إيران في السنوات الماضية رغم الاعتداءات المتكررة بالقصف ودخول الأراضي والاستيلاء على الآبار النفطية الحدودية وغيرها من التحركات التي وصفت بأنها انتهاك لسيادة العراق.

ومساء الاثنين الماضي تعرضت مدينة أربيل شمالي العراق لقصف بصواريخ باليستية، أعلن الحرس الثوري الإيراني المسؤولية عنه، وادعى أن القصف استهدف مواقع للتجسس والموساد الإسرائيلي.

لكن السلطات العراقية كذبت الادعاءات الإيرانية وأكدت أن القصف استهدف موقعا مدنيا وهو منزل لأحد التجار ورجال الأعمال الكرد.

وبحسب سلطات إقليم كردستان فإن القصف تسبب بمقتل 4 أشخاص بينهم رجل الأعمال بيشرو ديزيي وضيفه رجل الأعمال العراقي كرم ميخائيل الذي يحمل الجنسية البريطانية.

الهجوم الإيراني الذي أدانته بغداد ووصفته بأنه انتهاك للسيادة العراقية، يأتي بالرغم من وجود اتفاقات أمنية وسياسية بين البلدين، لكن إيران لم تحترم تلك الاتفاقات التي تحدثت بالتفصيل عن وضع المعارضة الإيرانية في شمال العراقي ووقعت في آذار الماضي.

 

شكوى عراقية

والأربعاء الماضي، أعلنت وزارة الخارجية تقديم شكوى ضد إيران إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة على خلفية الاعتداءات الأخيرة على مدينة أربيل، وقالت في بيان إنها رفعت شكوى بموجب رسالتين متطابقتين إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن الدولي عبر الممثلية الدائمة لجمهورية العراق في نيويورك أكدت فيهما أن هذا العدوان يُعد انتهاكاً صارخاً لسيادة العراق وسلامته الإقليمية وأمن الشعب العراقي.

في المقابل، قالت وزارة الخارجية الإيرانية: إن "طهران تحترم سيادة الدول الأخرى ووحدة أراضيها لكنها في الوقت نفسه تستخدم حقها المشروع والقانوني لردع تهديدات الأمن القومي".

وتتجه الأنظار إلى مجلس الأمن الدولي والقرارات التي يمكن أن يصدرها لمواجهة العدوان الإيراني على العراق، وسط توقعات بأن حلفاء إيران وخاصة الصين وروسيا العضوين الدائمين في مجلس الأمن لن يتركوها وحيدة في مواجهة العقوبات الدولية المتوقعة.

 

الخطوة الأولى لوقف العدوان

مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غاري فيصل أكد أن تقديم العراق للشكوى في مجلس الأمن والأمم المتحدة ضد إيران يعد خطوة أولى ومقدمة لإجبار إيران على وقف عدوانها المتكرر على العراق.

وقال فيصل في حديث لشبكة "الساعة": إن "تقديم العراق للشكوى ضد إيران على خلفية عدوانها الأخير على أربيل واستهدافها مناطق مدنية وسقوط ضحايا من المدنيين جراء هذا العدوان يشكل مقدمة مهمة لإجبار إيران على احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يلزم الدول للجوء إلى الدبلوماسية بدل الحروب لحل الخلافات والأزمات بدل شن الهجمات المسلحة بالصواريخ الباليستية".

وأضاف: أن "الوثائق العراقية المقدمة في المحافل الدولية ستشكل إحراجا كبيرا لإيران، لاسيما وأن البلدين يرتبطان بعلاقات واتفاقيات سياسية وأمنية لكن الجانب الإيراني انتهكها ولجأ للقوة العسكرية تحت ذرائع وجود مراكز للموساد في أربيل، وهي تهم فندتها السلطات العراقية عبر مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي".

وتابع فيصل: أن "النتائج المترتبة على الشكوى العراقية في مجلس الأمن ستكون مهمة من خلال إدانة هذا العدوان وما سيترتب على ذلك من إحراج للنظام الإيراني داخليا وخارجيا"، مبينا أن "الفجوة بين الشارع الإيراني والنظام ستتسع بشكل واضح بسبب القرارات الدولية كما ستؤدي إلى مزيد من الإحراج والعزلة الدولية لإيران من خلال فضحها وكشف سياساتها التوسعية في المنطقة القائمة على فكرة نشر ولاية الفقيه".

وتوقع مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية أن تتبع الإدانات الدولية للعدوان الإيراني على أربيل عقوبات من مجلس الأمن الدولي الذي يعد الجهة المسؤولة عن الحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

وأشار فيصل إلى أن إيران أخطأت في تقدير الموقف عندما نشرت الأزمات والحروب في العراق وسوريا ولبنان واليمن وتحركها نحو باكستان وأفغانستان وهو ما من شأنه زعزعة الاستقرار والأمن الدوليين"، لافتا إلى أن "الحل الوحيد أمام العراقي هو اللجوء إلى المجتمع الدولي لوقف الاعتداءات الإيرانية"، منوها إلى "ضرورة أن تعمل بغداد على استغلال علاقتها بالمحيط العربي والدولي ولاسيما مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها من أجل الضغط على إيران لتجنب مثل هذه الاعتداءات مستقبلا".

وتؤكد الفقرة الرابعة من المادة الثانية لميثاق الأمم المتحدة على عدم استخدام القوة في العلاقات السياسية، حيث تنص على أن يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق مع مقاصد الأمم المتحدة.

 

لا إجراءات عقابية مباشرة

إلى ذلك ترى المحامية والخبيرة في القانون الدولي ديالا شحادة أن تحرك العراق في مجلس الأمن الدولي قد يتبعه تحرك لإصدار قرارات ملزمة وإجراءات ضد إيران بعد العدوان على أراضي العراق وانتهاك سيادته، لكنها استبعدت أن تشمل الإجراءات الدولية أي إجراءات عقابية مباشرة ضد إيران.

وقالت شحادة في تصريح لشبكة "الساعة": إن "هناك فرقا بين رفع شكوى مباشرة إلى مجلس الأمن، وبين رفع شكوى إلى هيئات أممية أخرى"، وأوضحت أنه "في حال رفع شكوى إلى مجلس حقوق الإنسان أو لمقررين مختصين بقضايا معينة مثلا، فإن الخطوات اللاحقة تكون عبر إصدار بيانات أو إجراء تحقيقات، وعلى إثرها تصدر توصيات قد ينتج عنها خطوات تنفيذية، وذلك يتم بعد عرضها ورفعها إلى مجلس الأمن".

وأضافت: أن "العراق رفع شكوى مباشرة إلى مجلس الأمن، خصوصا في ظل الخشية من تكرر العدوان الإيراني، دون مضيعة للوقت ودون رفع شكوى إلى هيئة أو وكالة أو جهاز أممي آخر، لأن المجلس لديه سلطة تنفيذية".

وتوقعت شحادة: "في حال عدم اعتراض الدول صاحبة حق النقض (الفيتو) القريبة من إيران صدور قرارات من مجلس الأمن ضد إيران تشمل التنديد بالاعتداء ثم الطلب من إيران الامتناع عن تكرار هذا الفعل، أو التعهد بالالتزام بميثاق الأمم المتحدة والاتفاقيات المرتبطة".

وأشارت شحادة إلى أنه "في حال عدم التزام إيران، قد تحصل نقاشات أعمق وأوسع لإصدار إجراءات تنفيذية رادعة أو عقابية"، ولفتت إلى أن "مثل هذه الإجراءات نادرا ما تتخذ في حال انتهاك دولة لسيادة دولة أخرى، مستبعدة حصول أي إجراءات عقابية بحق إيران في مجلس الأمن بعد الشكوى العراقية".

 

إدانة عربية

والأربعاء الماضي أدانت جامعة الدول العربية بشدة، القصف الإيراني الذي تعرضت له أربيل في إقليم كردستان العراق.

وحملت جامعة الدول العربية إيران جميع عواقب الهجوم على إقليم كردستان العراق، وأكد وزراء الخارجية العرب رفضهم كل الذرائع الإيرانية لتبرير القصف، بحسب بيان للخارجية العراقية.

وأكدت الجامعة على وحدة وسيادة الأراضي العراقية ضد أي اعتداء أو انتهاك خارجي، وعلى حق العراق بصفته عضو مؤسس في جامعة الدول العربية وعضو في الأمم المتحدة باللجوء إلى جميع الوسائل الدبلوماسية والقانونية التي يكفلها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية في الرد على هذه الانتهاكات.

 

تحرك كردي

ودعا رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة إلى التدخل لمنع تكرار الاعتداءات الإيرانية على شمالي العراق.

ويرى مقربون من دوائر الحكم في إقليم كردستان أن الخطوة الأخيرة التي ستلجأ إليها أربيل لوقف الاعتداءات الإيرانية ستتمثل بطلب تفعيل المادة 688 لمجلس الأمن والتي تنص على فرض منطقة آمنة شمالي العراق كما حصل في تسعينات القرن الماضي.

وبإمكان القيادات الكردية التحرك على المستوى الدولي لتفعيل هذا القرار عبر استغلال العلاقات الإيجابية بين السياسيين الكرد والولايات المتحدة والدول الأوروبية، لكن أربيل تحاول أن تستنفد الحلول التي يمكن ان تقدمها حكومة بغداد قبل المضي بتدويل القضية والتحرك بشكل منفرد نحو مجلس الأمن الدولي لطلب الحماية.

 

إيران والفصل السابع

أما الخبير القانوني العراقي علي التميمي فتوقع أن شكوى في مجلس الأمن الدولي ستؤدي في حال تكرار الاعتداءات الإيرانية إلى وضع إيران تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "تقديم العراق للشكوى في مجلس الأمن يعد خطوة مهمة وضرورية لوقف الاعتداءات الخارجية على العراق"، لافتا إلى أن "العراق ينبغي أن يقدم شكاوى في مجلس الأمن ضد إيران وتركيا والولايات المتحدة على خلفية القصف المتكرر على الأراضي العراقية".

وأضاف التميمي: أن "الاعتداءات الإيرانية على العراق تخالف المواد 1 ، 2 ، 3 ، 39 من ميثاق الأمم المتحدة، إذ أن الميثاق يؤكد أن أي تجاوز واعتداء من هذا النوع يضع المعتدي تحت طائلة البند السابع من الأمم المتحدة باعتبار أن المعتدي يهدد السلم والأمن والدوليين".

وأشار التميمي إلى أن "اجراءات الحكومة العراقية صحيحة ومهمة للرد على الاعتداءات الإيرانية، مبينا أن مجلس الأمن سيبدأ بإصدار قرارات التنبيه والإدانة والإنذار بعد الشكوى، وفي حال استمرار الانتهاكات والاعتداءات فمن المرجح يضع مجلس الأمن الدولة المعتدية تحت طائلة البند السابع وما يترتب عليها من عقوبات وإجراءات دولية".