تتجه الأنظار صوب العاصمة العراقية بغداد وحكومة المركز لاتخاذ إجراءات سريعة ومناسبة للرد على العدوان الإيراني الذي استهدف مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان في وقت متأخر من مساء الاثنين الماضي.

وتبدو الحكومة العراقية الطرف الأكثر إحراجا عقب الهجوم الإيراني، لعدم قدرتها على الرد أو منع الهجمات الإيرانية التي تنتهك سيادة البلاد، في وقت يرفع رئيس الوزراء راية السيادة وقدرة العراق على حمايتها ولا سيما عبر حراكه الأخير الرامي لإنهاء تواجد القوات الأمريكية في العراق بدعم من إيران الحليف الأقرب لسلطات بغداد.

الهجوم الإيراني استخدمت فيه صواريخ باليستية، وتبناه الحرس الثوري الإيراني الذي زعم استهداف مراكز معادية لطهران وتجمعات لجهات الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد"، وهي مزاعم نفت صحتها حكومتا بغداد وأربيل.

وطال القصف الإيراني منزلا لأحد أبرز رجال الأعمال في إقليم كردستان بيشرو ديزيي، وأسفر عن مقتل 4 أشخاص من بينهم صاحب المنزل ورجل أعمال آخر كان في ضيافته ليلة الاستهداف.

 

ادعاءات باطلة

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي: إن "ادعاءات إيران باستهداف مقر للموساد في أربيل لا أساس لها من الصحة".

وأوضح الأعرجي الذي زار موقع الهجوم الصاروخي على رأس وفد أمني وعسكري رفيع لمعاينة الحادث أن "المنزل تعرض للتدمير الكامل".

وأدان الأعرجي الهجوم، ووصفه بأنه "تجاوز واعتداء على السيادة العراقية، وانتهاك لإقليم كردستان، كما تحدث عن اتفاق أمني بين العراق وإيران إذ يعد إقليم كردستان جزءاً منه"، مشيراً إلى "عقد لقاء مع وفد أمني إيراني الأربعاء الماضي، لمتابعة تنفيذ بنود الاتفاق، ولم يتم التطرق إلى ما يشار إليه من ذرائع للقصف الذي حدث أمس، لذا نحن في حالة ذهول، والقصف جرى من دون إخطار السلطات العراقية".

وقال مصدر رفيع في حكومة إقليم كردستان العراق: إن "سلطات الإقليم جمعت أدلة ووثائق تثبت زيف المعلومات الإيرانية عن كون المكان مقرا للموساد".

وأضاف المصدر أن "المنزل الذي تعرض للقصف المركز من إيران، لم يكن سوى منزل كبير مع حديقة لعائلة رجل أعمال معروف في أربيل، وكان معه ضيف قتل بالهجوم وهو رجل أعمال عراقي أيضاً"، مؤكداً أن "القصف مبني على معلومات مغلوطة للحرس الثوري الإيراني".

 

شكوى في مجلس الأمن

الحكومة العراقية قدمت شكوى ضد إيران إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بعد اعتدائها الصاروخي على أربيل عاصمة كردستان العراق، عادةً الهجوم انتهاكاً لسيادة البلاد وأمن الشعب العراقي.

وقالت وزارة الخارجية العراقية في بيان: إن "العراق تقدم بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، تتعلق بالعدوان الصاروخي الإيراني الذي استهدف مدينة أربيل، وأدى إلى سقوط ضحايا من المدنيين الأبرياء وإصابة آخرين وتسبب بأضرار في الممتلكات العامة والخاصة".

وتابعت الوزارة أنها "رفعت شكوى برسالتين متطابقتين إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن الدولي عبر الممثلية الدائمة لجمهورية العراق في نيويورك، أكدت فيهما أن هذا العدوان يُعد انتهاكاً صارخاً لسيادة العراق وسلامته الإقليمية وأمن الشعب العراقي".

ولجأت الحكومة العراقية للمرة الأولى إلى تقديم شكوى ضد إيران ومحاولة تدويل الاعتداء، خصوصا أن الحكومة ولدت من رحم الإطار التنسيقي المقرب من إيران.

وشمل الرد الحكومي استدعاء الخارجية العراقية للقائم بالأعمال الإيرانية في بغداد وتسليمه مذكرة احتجاج على خلفية الهجوم.

كما استدعت الخارجية العراقية سفيرها في طهران للتباحث والمشاورة بتداعيات القصف الذي أدانته بغداد ووصفته بأنه ينتهك السيادة العراقية.

وأكدت الحكومة العراقية استنكارها وإدانتها للعدوان الإيراني على أربيل، عادةً هذا السلوك عدواناً على سيادة العراق وأمن الشعب العراقي، وإساءة إلى حسن الجوار وأمن المنطقة.

 

موقف السوداني

أما رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني المدعوم من قوى الإطار التنسيقي المعروفة بقربها وولائها لإيران فقد أكد أن الضربة الصاروخية التي قامت بها إيران تمثل عملا عدوانيا واضحا ضد العراق استهدف منطقة سكنية كان الضحايا فيها عائلة عراقية كردية، بينهم أطفال.

ونقل موقع "بلومبيرغ" الأمريكي عن السوداني قوله إن "هذا بالتأكيد تطور خطير يقوض العلاقة القوية بين العراق وإيران"، وأعلن أن "الحكومة العراقية تحتفظ بحقها للقيام بكافة الإجراءات الدبلوماسية والقانونية لحماية سيادتها".

 

لجان حكومية وبرلمانية

وأعلن رئيس الوزراء تشكيل لجنة للتحقيق في حادث الاعتداء بالقصف الصاروخي الإيراني الذي استهدف مدينة أربيل.

كما أعلنت رئاسة مجلس النواب تشكيل لجنة برلمانية للوقوف على تفاصيل الاعتداء الإيراني على أربيل.

وقالت رئاسة البرلمان إنها "تطالب الحكومة الاتحادية بالتدخل الفوري لإيقاف هذه التطاولات من الخارج وحماية السيادة الوطنية، ومنع تكرار هذه التجاوزات من دول الجوار".

ووصف رئيس حكومة كردستان مسرور بارزاني، الهجمات الصاروخية بأنها "هجوم جبان بلا سبب وأكد على ضرورة الرد عليها".

ودعا رئيس حكومة إقليم كردستان الولايات المتحدة إلى "ضرورة تحرك المجتمع الدولي بعد هجوم الحرس الثوري الإيراني على أربيل".

ولم يضع أي من المراقبين للشأن العراقي احتمالية الرد العراقي العسكري على الهجوم الإيراني، كونه لا يمتلك القدرة على الرد ولا القدرة على صد العدوان، ولكنهم أشاروا إلى أن التحرك العراقي الدبلوماسي يمكن أن يكون عبر تقديم بغداد لشكوى ضد إيران في مجلس الأمن الدولي وبالتالي توكيل المجتمع الدولي بالرد على الاعتداء الإيراني.

 

تفعيل المنطقة الآمنة

المحلل السياسي الكردي المقرب من الحزب الديمقراطي الكردستاني محمد زنكنة أكد أن تدويل ملف الاعتداءات الإيرانية على الإقليم سيكون الحل الأخير أمام سلطات كردستان إذا أخفقت وتخلت بغداد عن مسؤوليتها تجاه حماية السيادة العراقية ووقف هذه الهجمات.

وقال زنكنة في حديث لشبكة "الساعة": إن "الهجوم الإيراني لا يتجاوز كونه ممارسة إرهابية لا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال لأن الموقع المستهدف هو منزل لرجل أعمال لا علاقة له بالشأن الأمني والسياسي"، واصفا الهجوم بأنه "بمثابة إعلان حرب من الجانب الإيراني على العراق وإقليم كردستان".

وأوضح زنكنة أن "الاعتداء على منزل المستثمر ورجل الأعمال بيشرو ديزي يعد الاستهداف الثالث للاستثمار في كردستان مؤخرا، بعد استهداف شركة كار كروب وشركة كورك من قبل هيئة الإعلام والاتصالات بدعم من الفصائل المسلحة المتنفذة في بغداد".

وشدد زنكنة على أن "انقطاع الأوصال بين حكومتي بغداد وأربيل وعدم تطبيق الدستور الذي يضمن حماية سيادة العراق وإقليم كردستان ووقف الاعتداءات الخارجية عليه، فإن أربيل ستتجه نحو تدويل القضية وطلب الحماية الدولية".

ولفت إلى أن "حكومة أقليم كردستان لا تريد أن تلجأ لخطوة التدويل مبكرا على اعتبار أن هذه الخطوة من شأنها إضعاف الحكومة المركزية، ولكنها ستلجأ إليها وستطلب تفعيل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 والذي يضمن حماية المناطق الآمنة في إقليم كردستان لضمان تجنب مثل هذه الخروقات والاعتداءات في حال لم تقم الحكومة المركزية بواجبها بهذا الخصوص".

 

لا خيارات غير التدويل

الباحث والصحفي العراقي عمر الجنابي توقع ذهاب حكومة إقليم كردستان نحو خيار التدويل، لأن الحكومة العراقية لا تستطيع اتخاذ أي إجراء لوقف هذه الاعتداءات.

وقال الجنابي في حديث لشبكة "الساعة": إن "القصف الإيراني على أربيل لا علاقة له باستهداف مواقع للموساد كما زعم الحرس الثوري، ولكنه رسائل إيرانية موجهة للولايات المتحدة ولعدة جهات تتخوف طهران من قيامها بأي تحرك ضد نظامها".

وأشار الجنابي إلى أن "إيران اليوم تتخوف من الرد الأمريكي على نفوذها في المنطقة ولا سيما أنه يتزامن مع العدوان الإسرائيلي على غزة، كما يتزامن مع عزم واشنطن إرسال 1500 عسكري إلى العراق وسوريا في أكبر انتشار عسكري في المنطقة منذ العام 2008".

وأوضح أن "النظام الإيراني يخشى من هذا التحرك الأمريكي ومنه تشكيل التحالف الدولي في البحر الأحمر، كما تخشى من تحرك المعارضة السورية ضد نفوذها هناك ومن الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني الذي يرتبط بعلاقة مع أربيل، فضلا عن تخوفه من الجماعات البلوشية في باكستان والتي يمكن أن تدعم البلوش في الداخل الإيراني وتجعلهم قنبلة موقوتة تفجر الأوضاع في أي لحظة"، مبينا أن "هذا التخوف قاد إيران إلى مهاجمة 3 مواقع في العراق وسوريا وباكستان خلال اليومين الماضيين".

وأعرب الجنابي عن "استغرابه من ردود الفعل الأمريكية والأوروبية الخجولة تجاه الاعتداء الإيرانية على إقليم كردستان، مرجحا ذهاب أربيل خلال المرحلة المقبلة نحو تدويل ملف الاعتداءات الإيرانية المتكررة عليه"، متوقعا أن "يكون التحرك الكردي نحو بريطانيا في ملف التدويل بدل الولايات المتحدة، على اعتبار أن إدارة بايدن تجامل في بعض الأحيان الجانب الإيراني".