يبدو أن الإثارة لن تفارق جلسات البرلمان العراقي، فالجلسة الأخيرة التي عقدت السبت الماضي 13 كانون الثاني لاختيار رئيس البرلمان، حملت مفاجآت وإثارة وإطلاق تهم وعراك ومزادات علنية، بحسب ما وصفتها أوساط نيابية.
وأخفق البرلمان العراقي للمرة الثالثة على التوالي في اختيار رئيس له خلفا لمحمد الحلبوسي، المبعد من المنصب بقرار من المحكمة الاتحادية قبل أن تقرر رئاسة البرلمان في ساعة متأخرة من ليل السبت-الأحد رفع الجلسة حتى إشعار آخر بعد جولتين من التصويت، انتهت الثانية منها بمشاجرات وخلافات أفشلت عملية التصويت.
وفي جلسة السبت التي ترأسها النائب الأول لرئيس البرلمان العراقي محسن المندلاوي، وحضرها 260 نائباً، تنافس عدد من المرشحين، وافتتح المندلاوي باب الترشيح لمنصب رئيس البرلمان العراقي، إذ ترشح كل من النواب شعلان الكريم ومحمود المشهداني وسالم العيساوي وطلال الزوبعي وعامر عبد الجبار، والمرشح السادس عبد الرحيم الشمري الذي انسحب قبيل انعقاد الجلسة لصالح شعلان الكريم.
انتهت الجولة الأولى من التصويت على رئيس مجلس النواب الجديد، بتقدم مرشح الحلبوسي، شعلان الكريم بـ 152 صوتاً، وجاء خلفه النائب سالم العيساوي مرشح تحالف السيادة بـ97 صوتاً، ثم النائب محمود المشهداني 48 صوتاً، وحصل النائب عامر عبدالجبار على 6 أصوات، وحصل النائب طلال الزوبعي على صوت واحد، بينما عدّت 10 أوراق باطلة.
وعقدت الجولة الثانية لانتخاب رئيس مجلس النواب العراقي بحضور 232 نائبا، بعد تأخير امتد لـ5 ساعات، بعد أن أخفق البرلمان بحسم الملف في جولة التصويت الأولى التي لم يحصل أي من المتنافسين على المنصب فيها على الأغلبية المطلقة من الأصوات.
وسادت الجلسة أجواء غير مستقرة ومشاجرات من قبل نواب في الإطار التنسيقي سعوا لمنع فوز مرشح حزب تقدم الذي يتزعمه رئيس البرلمان المقال، محمد الحلبوسي، ما دفع رئاسة البرلمان إلى رفع الجلسة.
تفاصيل من داخل الإطار
من جهته كشف النائب عن الإطار التنسيقي مصطفى سند عن وجود خلافات سنية – سنية وشيعية – شيعية بشأن المرشح لمنصب رئاسة البرلمان.
وقال سند في تصريح صحفي تابعته شبكة "الساعة": إن "القوى السنية دخلت الجلسة دون أن تحسم مرشحها للمنصب حيث قدم للترشيح 5 مرشحين وذلك السبب الأبرز لعدم تمرير المرشح".
وأضاف: أن "نواب الإطار التنسيقي توزعت أصواتهم بين المرشحين شعلان الكريم ومحمود المشهداني وسالم العيساوي"، مشيرا إلى أن "كتلتي بدر والحكمة دعمت ترشيح الكريم على اعتبار أن حزب تقدم يمتلك أعلى المقاعد بين القوى السنية"، لافتا إلى أن "العصائب وجهات أخرى دعمت مرشح السيادة سالم العيساوي، أما دولة القانون فكانت داعمة لمحمود المشهداني".
وأوضح النائب سند أن "جلسة السبت شهدت بحسب الأحاديث المتداولة عرض مبالغ مالية كبيرة للنواب الذين يصوتون لمرشحين محددين دون تسميتهم، كما أكد أن الحديث عن وجود مزاد وأموال لم يتم مشاهدته بشكل مباشر لكن سمع أغلب الحاضرين للجلسة به".
وفاجأ رئيس البرلمان بالنيابة الحاضرين بإضافة فقرة إلى جدول الأعمال، وهي تعديل النظام الداخلي مما يتيح التصويت على أن تكون للبرلمان هيئة رئاسة لا رئيس ونائبان.
وترى القوى السنية أن إضافة هذه الفقرة كان بمثابة طعم ابتلعته القوى السنية وفخ منصوب وقعت فيه في حالة من الفوران والغليان بسبب المماطلة في عدم حسم الجولة الثانية بالطريقة التي ينص عليها النظام الداخلي، كما ترى أن رفع الجلسة يعني العودة إلى المربع الأول، وهو ما يعني صعوبة التوصل إلى توافق جديد خلال فترة قريبة.
هيئة رئاسة البرلمان
وعندما أعلن رئيس البرلمان بالنيابة عن إضافة هذه الفقرة اعترض النواب السنة بشدة من منطلق أن منصب رئيس البرلمان من حصة المكون السني، وبالتالي للبرلمان رئيس لا هيئة رئاسة، الأمر الذي جعل الرئيس يهدد برفع الجلسة وهو ما حصل فعلا.
عضو مجلس النواب فيصل العيساوي علق على مسألة تعديل النظام الداخلي وتحجيم صلاحية رئيس البرلمان قائلا: إن "ترك الترشيح للمنصب أولى من إرجاع هيئة الرئاسة".
وأضاف العيساوي مخاطبا النواب السنة: أن "إقرار هيئة الرئاسة يعني إفشال العمل البرلماني"، حسب تعبيره.
أما عضو مجلس النواب سروة عبد الواحد، فقالت في تغريدة على منصبة "X" إن "بدعة تعديل النظام الداخلي وإلغاء صلاحيات رئيس المجلس في أثناء فقرة التصويت على اختيار الرئيس أدت لرفع الجلسة إلى إشعار آخر".
بينما أكد الخبير القانوني أمير الدعمي في تصريح خاص لشبكة "الساعة" أن "جدول الأعمال عندما يوزع على النواب يعتبر لازم التطبيق وبالتالي فإن إضافة فقرة هيئة الرئاسة يعد خرق قانوني لأن المحكمة الاتحادية في القرار 87 لسنة 2010 بين أن وجود هيئة الرئاسة غير قانوني ولا وجود له واعتبر إضافة هذا الفقرة هو محاولة لخلخلة توازن الجلسة وجعلها غير دستورية".
تحجيم القوى السنية
رئيس مركز الفكر السياسي إحسان الشمري أكد أن ما شهدته الجلسة الأخيرة لاختيار رئيس مجلس النواب كان يهدف لتعطيل الجلسة وعدم المضي في اختيار رئيس للمجلس خلفا للحلبوسي.
وقال الشمري في حديث لشبكة "الساعة": إن "ما حصل في الجلسة كان له عدة أهداف أبرزها تعطيل الجلسة وعدم المضي في انتخاب رئيس جديد".
وأشار إلى أن "ما حصل يرجع أيضا إلى قلق الإطار التنسيقي الحاكم من إمكانية وجود نموذج متمرد على آليات الحكم المعروفة (عرفا)".
وكشف عن "محاولات للإطار التنسيقي لتحجيم القوى السنية برمتها على اعتبار أن هذا المنصب من ناحية العرف السياسي هو للمكون السني، وبالتالي فإن ما جرى من عرقلة للجلسة فضلا عن إضافة فقرة تعديل النظام الداخلي للمجلس بتحويل صلاحيات رئيس البرلمان إلى هيئة الرئاسة هو محاولة لتحجيم دور السنة في العملية السياسية".
وأوضح الشمري أن "تعديل النظام الداخلي وتحجيم صلاحيات الرئيس وتحويلها إلى هيئة الرئاسة يعتبر تجاوز على المحكمة الاتحادية وقراراتها، عادا إياها بالخطوة الغير دستورية، لكن أشار إلى وجود تعمد في طرحها من قبل الإطار على الرغم من معرفتهم بأنها مخالفة لقرارات المحكمة الاتحادية".
تهميش السنة
السياسي العراقي المعارض عبد القادر النايل، أكد أن الإطار التنسيقي يحاول تجريد المكون السني من أي منصب وإن كان هذا المنصب شبه شكلي، لافتا إلى ممارسات الإطار الحاكم بشأن رئاسة البرلمان وجعل صلاحيات الرئيس بيد هيئة الرئاسة تصب في خانة التهميش والإقصاء الذي يتعرض له المكون السني خلال العملية السياسية الحالية.
وقال النايل في حديث لشبكة "الساعة": إن "عملية تأجيل وتأخير رئيس مجلس النواب لا علاقة له بالتوافق والاختلاف بين القوى السنية، وسببه يرجع إلى تعمد القوى الشيعية (الإطار التنسيقي) عرقلة الجلسة وعدم اختيار المرشح للمنصب".
وأضاف: أن "الإطار يهدف من العراقيل ابتزاز الرئيس المقبل للبرلمان وتجريدية من الصلاحيات وفرض الشروط عليه وتقديم المرشح الذي يقدم تنازلات أكثر".
وأشار النايل إلى أن "قوى الإطار الفاعلة تسعى لتجريد المكون السني من استحقاقه العرفي في العملية السياسية، والمتمثل برئاسة البرلمان وجعل صلاحياته رغم محدوديتها صلاحيات معدومة ومنصبه إلى منصب شبه شرفي بسبب القيود المفروضة عليه".
وأوضح أن "الأحزاب الشيعية التقليدية القريبة من إيران جردت المكون السني من استحقاقه السياسي خلال العملية السياسية الحالية، فالمكون الذي تصل نسبته إلى 42 % لا يحصل على أقل من 20 % من الاستحقاق السياسي، ورغم ذلك تمارس هذه القوى التضييق وفرض الشروط على هذه النسبة القليلة من الاستحقاق".
ولفت النايل إلى أن "قوى الإطار تحاول من خلال خطوتها (الخبيثة) الرامية لتعديل النظام الداخلي وتحديد صلاحيات رئيس البرلمان ونقلها إلى هيئة الرئاسة إلى تحويل القوى السنية إلى قوى شكلية بكل ما تعني الكلمة من معنى، كما تحاول أن تجعلها عناصر تكمل مسرحية النظام الحالي في البلاد".
وحذر النايل القوى السنية من "قبول هذا التعديل أو التنازل عن حقوق وصلاحيات رئيس مجلس النواب لصالح هيئة الرئاسة"، مشددا على "ضرورة عدم تقديم التنازلات للإطار وبدل ذلك عليها أن تقدم التنازلات فيما بينها لتدارك الموقف وعدم تحويل المنصب المتبقي للسنة إلى منصب شرفي وشكلي".
ودعا النايل القوى السنية إلى "تقديم طلبات تدعو لتحويل صلاحيات رئيس الوزراء إلى هيئة رئاسة الوزراء، كما طالبها العمل على تحويل صلاحيات رئيس الجمهورية إلى هيئة رئاسة الجمهورية ليتسنى للجميع المشاركة في صنع القرار إن كان الإطار مصرا على مشاركة الجميع في قرار رئاسة البرلمان".
ومنذ قرار المحكمة الاتحادية القاضي بإنهاء عضوية محمد الحلبوسي، تعيش القوى السياسية العراقية خلافات وصراعات بشأن اختيار رئيس للبرلمان، فيما أخفق مجلس النواب باختيار بديل الحلبوسي في نهاية الشهر الماضي، ما دفعه لتأجيل الاختيار إلى إشعار آخر.
وكانت المحكمة الاتحادية قد قررت في نوفمبر الماضي، إنهاء عضوية الحلبوسي إثر دعوى قضائية أقامها ضدّه النائب ليث الدليمي اتّهمه فيها بالتزوير.
غموض بشأن الرئاسة
ويبقى الغموض سيد الموقف بشأن تقديم مرشح جديد لرئاسة البرلمان أم الإبقاء على ذات المرشحين لا سيما بعد التحفظ الكبير من قبل نواب "إطاريين" على المرشح للرئاسة شعلان الكريم، إذ وجهت له تهم بالتعاون والترويج لحزب البعث المحظور في البلاد، وتنظيم "داعش"، على الرغم من أن انطلاق العمليات العسكرية في صلاح الدين بدأها الحشد الشعبي وأبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق انطلاقا من منزل الكريم في سامراء.
والأحد الماضي، تسلمت المحكمة الاتحادية العليا دعوى ببطلان ترشيح شعلان الكريم لرئاسة مجلس النواب، وتضمنت طلباً بإصدار أمر ولائي بإيقاف جلسة الانتخاب لحين حسم الدعوى.
هذه الدعوى قد تكون بداية لإبعاد الكريم واللجوء لمرشح تسوية جديد يحظى بقبول القوى السنية والشيعية، وهو ما تحدثت عنه مصادر سياسية عندما أشارت إلى طرح مرشح تسوية لرئاسة البرلمان.
وبحسب المصادر فإن حراكاً سياسياً يجري في العاصمة بغداد من أجل اختيار مرشح تسوية لرئاسة مجلس النواب، بشخصية مقبولة من جميع الأطراف السياسية السنية والشيعية، مبينة أن الاسم المطروح حاليا هو ياسين العيثاوي، والذي كان يشغل سابقاً وكيل وزير التعليم العالي.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام