لم يعد نهر دجلة كما يعرفه العراقيون سابقا بسبب مستويات التلوث المرتفعة، فالنهر اليوم يفيض بالتلوث والجفاف بدلا من الخير الذي اقترن باسمه، وتحول أحد رافدي العراق الرئيسيين إلى جانب نهر الفرات، إلى مستنقع ملوث بالمياه الآسنة وما تطرحه مخلفات الصرف الصحي.

وتبدو ملامح الفوضى والتلوث البيئي والبصري في نهر دجلة واضحة للعيان، لا سيما عند المرور بالعاصمة العراقية بغداد ذات الكثافة السكانية التي تصل إلى ما يقارب 10 ملايين نسمة، فيما تزداد هذه الملامح نزولا مع مجرى النهر إلى المحافظات الجنوبية.

ولم تعد مياه النهر عذبة نقية كما كانت في الماضي، إذ لم تكترث السلطات الحكومية لما يعانيه النهر والأنهار الأخرى في البلاد من ارتفاع في معدلات التلوث والملوحة، مما جعل المياه فيه غير صالحة للاستهلاك البشري أو سقي المزارع والبساتين.

وفي أبرز دليل على تلوث مياه دجلة عدم اعتماد العراقيين على مياه الإسالة للشرب، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال انتشار معامل التعبئة وتنقية المياه في عموم البلاد.

 

مخلفات المستشفيات

صحيفة "لاكروا" الفرنسية أكدت في تقرير لها أن مياه نهر دجلة الملوثة تتسبب بآلاف الحالات المرضية سنويا وهو وضع ناتج عن نقص البنية التحتية لتصفية المياه ووعي السكان بالإضافة إلى الفساد المستشري.

وأشارت الصحيفة إلى أن "منطقة الرصافة في العاصمة بغداد وعلى مرمى حجر من المدينة الطبية، تشهد تدفق المياه السوداء ذات الرائحة الوبائية والكريهة مباشرة إلى نهر دجلة حيث امتلأت ضفافه بالنفايات".

وأضافت: أن "صور الأقمار الصناعية تظهر التدفق الأسود لمسافة كيلومترين وهي مياه مستعملة تقذفها محطة الضخ في مدينة بغداد الطبية"، (منطقة فيها العشرات من المؤسسات الطبية ومستشفيين وجامعة الطب ووزارة الصحة العراقية).

ولفتت إلى أن "مياه الصرف الصحي التي تطرحها المدينة الطبية في نهر الدجلة كما يوحي لونها تحتوي على بكتيريا بمعدل أعلى من مياه الصرف الصحي في المدينة، بالإضافة إلى مقاومتها للمضادات الحيوية وعلى الرغم من التحذيرات العديدة بشأن هذا التلوث لأكثر من عقد من الزمان، فمن الواضح أنه لم يتم القيام بأي شيء".

وتابعت الصحيفة الفرنسية أنه "في العاصمة بغداد كما هو الحال في كل مكان في العراق، حولت مكبات النفايات المنزلية والمصانع ومحطات الطاقة ومصافي النفط الأنهار (دجلة والفرات وشط العرب)  إلى مجاري عملاقة للمياه الملوثة".

ويوجد في بغداد وحدها 18 محطة للصرف تلقى خلالها المياه الثقيلة من دون معالجة في مجرى النهر، التي تتراوح بين 500 إلى مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي تطرح يومياً.

 

نسب التلوث

وفي وقت سابق كشف مدير عام الدائرة الفنية في وزارة البيئة عيسى الفياض عن نسبة تلوث الأنهر في العراق حيث بلغت 90‎% بسبب تصريف مياه الصرف الصحي فيها دون معالجة.

وأضاف الفياض أن "البنى التحتية في بغداد تستوعب من 3-4 ملايين مواطن، في حين أن العاصمة فيها ما يقارب 8 ملايين، لهذا فإن كل محطات الأمطار تحولت إلى محطات للصرف الصحي وترمي المياه إلى الأنهار دون معالجة".

 

خطة لمعالجة التلوث

لكن وزارة البيئة أعلنت عن إجراءات تنطلق خلال العام 2024 من شأنها التقليل من نسب التلوث في نهر دجلة، وبينت أنها تتضمن فرض محددات وتعليمات على المؤسسات الحكومية  تتضمن تشديد الرقابة على موضوع المخلفات التي تلقى في الأنهار.

وقال مدير عام دائرة الإعلام والتوعية بالبيئة في وزارة البيئة أمير علي الحسون في تصريح لشبكة "الساعة": إن "موضوع تلوث مياه نهر دجلة ليس بالأمر الجديد لكنه تفاقم في السنوات الأخيرة، وذلك لأسباب عدة أبرزها انخفاض الواردات المائية إلى الثلثين بسبب تداعيات الجفاف وأزمة المياه العالمية، وتحول مياه الصرف الصحي إلى الأنهر دون معالجات، إضافة إلى النمو والكثافة السكانية الكبيرة التي تشهدها المدن العراقية ولاسيما العاصمة بغداد".

وأضاف الحسون: أن "نسبة التلوث في نهر دجلة تتفاوت من منطقة لأخرى، لكنها تكون في أعلى المستويات في مناطق جنوب العراق، كما أن مستويات التلوث في مياه النهر تكون في فصل الصيف أعلى من الشتاء".

وأكد أن "وزارة البيئة عازمة على تحقيق خطورات وإجراءات مهمة في الحد من نسب التلوث خلال العام الحالي، من خلال فرض الرقابة الشديدة على مؤسسات الدولة والمصانع والمسشتفيات العامة والخاصة"، مشيرا إلى أن "خطة الوزارة تتضمن رفع مستوى الوعي لدى المواطن من أجل التقليل من استهلاك المياه المفرط والذي سيكون له أثر في التقليل من استهلاك المياه وبالتالي التقليل من نسب التلوث".

وكشف الحسون أن "خطة وزارة البيئة تتضمن أيضا فرض محددات على مؤسسات الدولة بشأن استخدام الطاقة واستهلاك المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي والمخلفات الثقيلة قبل تحولها إلى نهر دجلة"، لافتا إلى أن "الوزارة بدأت هذه الإجراءات من خلال الرقابة على المستشفيات في العاصمة بغداد الحكومية والخاصة"، مبيناً أن "كميات الملوثات التي تلقيها المستشفيات الخاصة أعلى بكثير من الملوثات التي تلقيها المستشفيات الحكومية".

وبشأن العقوبات التي ستلجأ إليها الوزارة في حال مخالفة التعليمات بشأن تلوث المياه، قال الحسون: إن "وزارة البيئة تعمل من خلال القانون رقم 27 لعام 2009 والذي يخولها بإنذار الجهات المخالفة ثم التوصية بغلق تلك الجهة المخالفة في حال لم تستجب للانذارات".

وشدد الحسون على "أهمية الوعي الشعبي في الحد من تلوث مياه نهر دجلة، كما عول على مجالس المحافظات والحكومات المحلية القادمة في دعم جهود الوزارة من ناحية التقليل من تلوث النهر.

 

مؤسسات الدولة مصدر التلوث

من جهته أكد المتحدث باسم وزارة الموارد المائية خالد شمال أن التلوث في مياه الأنهر ومنها دجلة ترجع إلى المصادر التي تصب فيها، وأولها مياه المجاري ومياه الصرف الصحي سواء كانت من أمانة بغداد أو المحافظات أو دوائر البلدية كافة، والمياه الراجعة من المؤسسات الحكومية كالمؤسسات الصحية والمستشفيات والمراكز الطبية، والمجاري المرتبطة بها أيضا، فضلا عن المياه الراجعة من محطات إسالة المياه من مجمعات البتروكيماويات، ومن الدوائر الصناعية ومن دوائر الكهرباء، ومن نشاط القطاع الخاص، ومن المواطنين مجتمعين ومنفردين.

وأوضح الشمال في تصريح لشبكة "الساعة": إن الإشكالية الكبيرة هي أن مصادر التلوث في الغالب هي مصادر حكومية مرتبطة بأمانة بغداد وبالمحافظات وبالدوائر الصناعية وبدوائر البتروكيماويات وبدائرة النفط، والماء والمجاري، وبالمؤسسات الصحية التابعة لوزارة الصحة، ووزارة الزراعة باعتبار أن مياه البزل راجعة وقد تكون مياها ملوثة.

وقال المتحدث باسم وزارة الموارد المائية: إن "رئيس الوزراء وجه مؤخرا بعدم إقرار الموافقة على أي مشروع فيه تصريف إلى مياه النهر مهما كان هذا المشروع ما لم تكن هناك محطة للمعالجة متطورة ومرفقة مع تصاميم المشروع وتنفذ قبل تنفيذ المشروع نفسه".

وبشأن استخدام الخزين المائي في العراق وفتح السدود من أجل التقليل من نسب التلوث أكد الشمال أن "الخزين المائي الحالي أقل ما يمكن وحرج، لذلك لا يمكن التضحية بمياه الشرب لإصلاح ضرر التلوث، ونوه إلى أن معالجة مشكلة التلوث في الوقت الحالي تتلخص في أمور أبرزها زيادة الوعي وتعزيز مفهوم استدامة المياه ومفهوم ترشيد استهلاك المياه".

 

ضرورة القوانين الرادعة

الخبير في الشأن البيئي والصحي حيدر معتز محي يؤكد أن معالجة نسب التلوث المرتفعة في نهر دجلة وباقي الأنهر والروافد في العراق يتطلب وضع محدات وقوانين تلزم المؤسسات الحكومية والخاصة والمعامل والمنشآت الصحية والنفطية وغيرها وعدم وجود محددات وقوانين بإجراءات من شأنها الحد من التلوث.

وقال محي في حديث لشبكة "الساعة": إن "تلوث مياه دجلة والذي يصل نسبته إلى 50% يرجع إلى اختلال التوازن البيئي نتيجة لزيادة نسبة المركبات الكيميائية في النهر وبتراكيز غير اعتيادية والتي تكون في الغالب ناتجة عن أنشطة الإنسان الذي يعد العامل الرئيسي للتلوث".

وأضاف: أن "المخلفات التي تلقى في الأنهر والروافد في العراق سواء كانت زراعية او صناعية أو منزلية أدت إلى زيادة أنواع المركبات الكيميائية في النهر الأمر الذي يجعل مياه الأنهر غير آمنة على البيئة المائية والثروة السمكية والإنسان بشكل مباشر".

وأشار الخبير المائي والصحي حيدر معتز إلى "ضرورة اعتماد الحلول والإجراءات التي من شانها الحد من تلوث المياه وتحويلها إلى مياه نقية"، مبينا أن "الحد من تلوث المياه يتطلب أولا وضع محددات وقوانين بيئية تلزم المؤسسات الحكومية والخاصة والمعامل والمستشفيات والمنشآت النفطية القريبة من نهر دجلة بعدم إلقاء المخلفات إلا بعد معالجتها بشكل يضمن عدم وجود أضرار من حجم المركبات الكيمائية التي ستطرح في النهر".

وتابع أن "الحلول الأخرى تتضمن إلزام المؤسسات الحكومية التي تشكل أكثر من 90 % على اعتماد معالجات ووحدات معالجة المياه والمخلفات قبل طرحها في النهر"، فضلاً عن "تحرك العراق دبلوماسيا نحو دول الجوار لزيادة الإطلاقات المائية التي من شأنها التقليل من نسب التلوث".

وبين معتز أن "الحكومة الحالية جادة في وضع استراتيجية لمعالجة مشاكل الثروة المائية ومعالجة الإخفاق في موضوع المطروحات في نهر دجلة والفرات"، فضلا عن "تفعيل محطات المعالجة بتقنيات حديثة في المؤسسات المختلفة".