لم تحسم التحالفات السياسية تشكيل الحكومات المحلية المقبلة في أغلب المحافظات العراقية، ولعل حسم هذه التحالفات في نينوى يأخذ صورة أعقد نتيجة لنتائج الانتخابات التي لم تمنح أي جهة الأريحية في تحقيق الأغلبية داخل مجلس المحافظة الجديد.

وفي تطور جديد تشهده الساحة السياسية في نينوى، عقدت التحالفات الانتخابية ذات الهوية العربية السنية اجتماعا هو الأول عقب نتائج الانتخابات، في محاولة لتوحيد هذه القوى التي كانت الخلافات فيما بينها العنوان الأبرز طيلة الفترة السابقة.

الاجتماع الأخير ضم تحالفات نينوى لأهلها (5 مقاعد) والحسم الوطني (مقعدان) وتقدم (مقعدان) والسيادة (مقعدان) والعزم وتجديد (مقعد لكل منهما).

لم يخرج الاجتماع بأي إعلان رسمي عن تشكيل تحالف بين هذه القوى السنية العربية،  وفيما لو كتب النجاح لهذه القوى في إعلان تحالف وكتلة موحدة في مجلس نينوى فإنها ستكون الأكثر حظا بتشكيل الأغلبية لا سيما وأن مجموع مقاعدها سيكون 13 مقعدا من مجموع 29 مقعدا.

أما القوى الإطارية فإن تحالفها أصبح محسوما في نينوى، ليكون مجموع المقاعد التي حصلت عليها في مجلس المحافظة 10 مقاعد، (3) مقاعد للعقد الوطني و (مقعدان) لتحالف الحدباء والهوية الوطنية، إضافة لـ(3) مقاعد ستمنح للكوتات التي ستكون قريبة من تحالف قوى الإطار.

أما تحالف أهل نينوى التابع للاتحاد الوطني الكردستاني والذي حصل على مقعدين فإن الطرف الأقرب له هو تحالف قوى الإطار التنسيقي، فيما لم تعرف توجهات الحزب الديمقراطي الكردستاني في التحالفات المقبلة، بالرغم من أن المؤشرات تذهب باتجاه استحالة تحالفها مع قوى الإطار لوجود خلافات كبيرة بين أربيل وبعض أطراف الإطار لاسيما الكتل التابعة لوعد القدو وريان الكلداني ونوري المالكي مع أربيل.

 

نينوى يحكمها أبناؤها

وترفض غالبية القوى السياسية الإفصاح عن موقعها الصريح من خارطة التحالفات المقبلة لتشكيل الحكومة المحلية المقبلة في نينوى، لكن أطرافا من المشاركين في اجتماع القوى العربية السنية أشاروا إلى وجود تحرك لتشكيل كتلة عربية سنية قوية داخل مجلس المحافظة بعيدا عن توجه هذه الأغلبية بمفردها لتشكيل الإدارة المقبلة، وهو ما أكده النائب عن نينوى ومسؤول تحالف العزم محمد نوري العبد ربه الذي أكد في منشور بموقع التواصل الاجتماعي عقب الاجتماع بأن نينوى لن تحكم إلا من خلال أبنائها.

 

تحالفات غير محسومة

لكن النائب عن نينوى والقيادي في تحالف نينوى لأهلها نايف الشمري رجح توجه القوى السياسية الفائزة في الانتخابات إلى تشكيل حكومة توافقية وائتلافية في المرحلة المقبلة لصعوبة تحقيق الأغلبية من أي التحالفات التي ستشكل.

وقال الشمري في حديث صحفي تابعته شبكة "الساعة": إن "الكتل الفائزة من الصعب جدا أن تتحالف وتشكل الأغلبية في المجلس المقبل"، مبينا أنه "لغاية الآن لم يتضح شكل التحالفات بشكل نهائي باستثناء قوى الإطار التنسيقي والمتحالفين معها (الاتحاد الوطني الكردستاني) الذين يبلغ عدد مقاعدهم جميعا 12 مقعدا".

وأشار الشمري إلى أن "التوجه الحالي سيكون نحو تشكيل حكومة توافقية على الرغم من أن الأفضل لنينوى أن يكون هناك أغلبية تشكل الحكومة المحلية ويقابلها المعارضة التي تصحح المسار"، لافتا إلى أن "تحالف نينوى لأهلها ما يزال يجري المناقشات مع الكتل الأخرى لصياغة شكل التحالفات المقبلة".

وعن منصب المحافظ، أكد الشمري عدم وجود أي توافق أو قرار لغاية الآن على بقاء المحافظ الحالي عبد القادر الدخيل في المنصب، لكنه أشار إلى احتمالية بقائه محافظا في حال توافقت الكتل السياسية على ذلك.

وفي وقت سابق أكدت مصادر سياسية في نينوى لشبكة "الساعة" وجود اتفاق على بقاء الدخيل في منصب محافظ نينوى طيلة العام 2024 على أقل تقدير، مبينة أن هذا الاتفاق رعته قوى الإطار التي تدعم بقاء الدخيل في منصب محافظ نينوى.

 

المحاصصة تشمل نينوى

الباحث السياسي الموصلي فواز الطيب رجح أن يقوم شكل الحكومة المحلية في نينوى على أساس الشراكة بين القوى الفائزة في الانتخابات، لأن النظام السياسي في العراق نظام محاصصة حسب المقاعد، حيث إنه من المستبعد أن تختلف مجالس المحافظات عن طبيعة النظام القائم في البلاد.

وقال الطيب في حديث لشبكة "الساعة": إن "القوى العربية السنية الأقرب لها كشراكات وتحالفات محلية هم الكرد ويستند ذلك على الشراكات القديمة المتوالية، والذي تجدد في الموضوع هو دخول تحالف خارجي من بغداد باسم الإطار وهو يمثل الحكومة الاتحادية الحالية وداخل البرلمان يمثل القوة الرئيسية، ومع ذلك خصوصية الموصل تفرض نفسها حتى على الفائزين باسم قادة الإطار"، لافتا إلى أن "التحالف الأقوى هو التحالف المحلي للعرب السنة والكرد ولأن ممثلي الإطار كأعضاء هم عرب سنة كأغلبية ".

وأضاف: إن "إعلان الكتلة الأكبر في نينوى يعتمد على الاتفاقات بين جميع القوائم هل سيذهبون للتحدي بتحالفين حكومي ومعارضة، أم باتفاقات سياسية كل حسب حصته من الأعضاء؟، ورجح أنهم سيذهبون باتجاه الاتفاق السياسي كما حصل في الانتخابات البرلمانية ونتائجها".

وتابع: أن "النظام السياسي في العراق نظام محاصصة حسب المقاعد التي تحصل عليها ولا أعتقد في مجالس المحافظات سيختلف الوضع وعلى مستوى جميع محافظات العراق ".

وتوقع الطيب أن "الحكومة المحلية المقبلة التوافقية امتدادا لما يحصل في البرلمان العراقي، وذلك لأن قادة أغلب التحالفات والقوائم هم نواب، مستبعدا خروجهم عن هذا النهج السياسي الذي أصبح عرف أقرب إلى القانون وبمظلة إقليمية دولية ".

كما توقع الطيب: "الإبقاء على عبد القادر الدخيل محافظا لنينوى حسب ما يصل من تسريبات في الحراك السياسي، ولكن لا يمكن استبعاد طرح أسماء منافسة للدخيل كمنافسة ديمقراطية وطموح لبعض الأحزاب وهذا حق مشروع، فمن الصعب في مثل هذا الوضع المعقد للفائزين الحصول على الأغلبية لمنصب المحافظ بأريحية، ولم يستبعد احتمالية الاتفاق على شخصية أخرى كمحافظ ضمن التوافقات، ولا يمكن الجزم بمن سيكون محافظ لحين التصويت عليه بالأغلبية داخل مجلس محافظة نينوى".

 

الأغلبية تهدد استقرار نينوى

استاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل محمود عزو أكد أن توجه أي تحالفات لإعلان الكتلة الأكبر سيؤدي إلى حرمان تحالفات أخرى ويضعها خارج المعادلة وهذا يشكل خطرا على استقرار نينوى السياسي في المرحلة المقبلة.

وقال عزو في حديث لشبكة "الساعة" إن "شكل التحالفات الحالية في نينوى ما تزال ضبابية وذلك نتيجة طبيعية لنتائج الانتخابات والتي انعكست أيضا على المستوى الوطني من خلال ارتباط النتائج في نينوى مع نتائج الانتخابات في باقي المحافظات العراقية".

وأضاف: أن "التحالفات في نينوى بدأت تتجه نحو الهويات التقليدية للداعمين، فباتت تتمحور حول 3 قوى (إطارية شيعية، عربية سنية، كردية)"، وبين أن "هذه القوى الثلاث يبدو انها ستحكم نينوى في الفترة القادمة".

وبشأن التقارب الأخير بين الكتل العربية السنية أوضح عزو أن "إعلان هذه القوى للكتلة الأكبر سيعرضها للصدام مع الكتل الأخرى، بينما نينوى لا تتحمل مثل هذا الصدام"، مشيرا إلى أن "الكرد يحاولون البقاء كبيضة القبان من خلال استغلال مقاعدهم المحدودة للحصول على مكاسب أكبر في نينوى".

ورجح عزو أن "تتجه نينوى  نحو الحكومة التوافقية بعيدا عن كتلة الأغلبية، لأن الاتفاق بين طرفين سيحرم الطرف الآخر من المعادلة السياسية وهذا سيعرض استقرار نينوى السياسي للخطر"، مبينا أنه "في حال تحالف القوى السنية والكردية فسيحرم أهالي نينوى من مناطق غرب نينوى وفي حال تقارب القوى السنية مع القوى الإطارية فستحرم أهالي نينوى من مناطق شمال وشرق الموصل"، مشددا على أن "نينوى لا تتحمل أي صراعات سياسية مقبلة وهو ما سيدفع نحو إدارة المحافظة بالتوافقات وإعادة توزيع دوائر صنع القرار بالشراكة بين القوى الفائزة".