تتجه العلاقة بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأمريكية إلى المزيد من التوتر على خلفية الضربات والهجمات المتبادلة بين القوات الأمريكية والفصائل المسلحة واستهداف مقرات تابعة للحشد الشعبي.
ويوم الخميس الماضي تعرض مقر اللواء 12 التابع لقوات الحشد الشعبي في منطقة شارع فلسطين بالعاصمة العراقية بغداد، لضربة جوية أسفرت عن مقتل نائب قائد عمليات حزام بغداد في الحشد الشعبي، آمر اللواء 12 في الحشد مشتاق طالب السعيدي "أبو تقوى"، ومساعده، فضلا عن إصابة آخرين.
ويعد أبو تقوى السعيدي أحد القيادات في كتائب النجباء بزعامة أكرم الكعبي، وهو فصيل أقر سابقا بولائه لإيران، كما أن واشنطن تصفنه كأحد الفصائل الإرهابية.
وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والفصائل الولائية في العراق، بعد عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، إذ تم كسر الهدوء الذي صاحب شهر العسل بين الفصائل المسلحة والقوات الامريكية، الذي استمر طوال العام الأول من حكومة محمد شياع السوداني المدعومة من قوى الإطار الشيعية والفصائل المسلحة القريبة من طهران، إذ هدأت ضربات الصواريخ ورشقات الكاتيوشا والطائرات المسيرة التي كانت تضرب السفارة الأمريكية والقواعد العسكرية، التي يوجد فيها الأمريكيون إبان ولاية رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي.
سيناريوهات جديدة
ويبدو أن الضربات الأميركية على مقرات الفصائل المسلحة في العراق ستفرض سيناريوهات جديدة في شكل العلاقة ما بين حكومتي بغداد وواشنطن، وهو ما بدأت ملامحه من خلال دعوة العراق المباشرة بإنهاء وجود التحالف الدولي.
ومؤخرا أعلنت الحكومة العراقية تشكيل لجنة مهمتها تحديد ترتيبات إنهاء مهمة التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش، الذي تقوده واشنطن.
والجمعة الماضي، أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، موقف حكومته الثابت في إنهاء وجود التحالف الدولي بعد أن انتهت مبررات وجوده في العراق.
وقال السوداني إن "الحكومة بصدد تحديد موعد بدء عمل اللجنة الثنائية لوضع ترتيبات إنهاء وجود قوات التحالف الدولي في العراق بصورة نهائية"، مشدداً على أنه "لن يكون هناك تفريط بكل ما من شأنه استكمال السيادة الوطنية على أرض العراق وسمائه".
تحرك الحكومة العراقية بشأن إنهاء الوجود القتالي لقوات التحالف الدولي، لم يلقَ تفاعلا وتجاوبا من الفصائل المسلحة التي تطلق على نفسها اسم "فصائل المقاومة"، إذ واصلت الأخيرة هجماتها الصاروخية وعبر الطائرات المسيرة على القوات الأمريكية في سوريا والعراق (عين الأسد وحرير ومطار أربيل)، في إشارة واضحة على أن الفصائل لم تلتزم بالخطوات التي تسير فيها حكومة السوداني.
بالمقابل تواصل إدارة بايدن تأكيدها بالرد على هذه الهجمات، وإنها لن تقف مكتوفة الأيدي حيال ذلك، بل ستدافع عن نفسها.
الحكومة الأكثر تضررا
وبين هجمات الفصائل والردود الأمريكية تكون حكومة السوداني الأكثر تضررا وحرجا، فهو مدين بوصوله لسدة الحكم للفصائل الولائية والأحزاب السياسية المنضوية تحت إئتلاف الإطار التنسيقي الشيعي، لذلك هو مطالب بمواقف داعمة لهذه الفصائل والأحزاب القريبة من طهران، لكنه من ناحية ثانية كرئيس للوزراء مطالب بالالتزام بالاتفاقيات الأمنية التي وقعتها الحكومات العراقية المتعاقبة مع الجانب الأمريكي، والتي تتضمن حماية الوجود القانوني لقوات التحالف في العراق، لأنها قوات تقدم التدريب والمشورة للقوات المسلحة العراقية وفق المعاهدة العراقية – الأمريكية.
السوداني في خطر
وبعيدا عن تأثير الصراع المتبادل بين الفصائل العراقية القريبة من إيران والولايات المتحدة على مستقبل السوداني السياسي وبقائه في منصب الوزراء من عدمه، إلا أن التوقعات تشير إلى أن العراق مقبل على مرحلة خطيرة مظلمة بسبب الموقف الرسمي الحكومي المتوافق مع موقف الفصائل المسلحة تجاه إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق.
مصادر سياسية أكدت لشبكة "الساعة" أن "توترا بدأ يسجل بين الإطار التنسيقي وحكومة السوداني لأن عددا من القوى الإطارية تشكك في جدية الحكومة بشأن إنهاء الوجود الأمريكي في العراق".
وقالت المصادر إن "الخلافات زادت بين القوى الإطارية وحكومة السوداني بعد المعلومات التي نشرها الجانب الأمريكي بشأن التعاون بين القوات الأمنية العراقية مع التحالف الدولي بشأن الضربات التي تنفذ على مواقع الفصائل المسلحة في العراق".
وأشارت إلى أن "بعض أطراف الإطار بدأت تتحرك نحو تقديم مرشحين بدلاء عن السوداني وذلك لاستبداله في حال وصول الخلاف بين الجانبين إلى نقطة اللا عودة".
موقف موحد
لكن الباحث والمحلل السياسي حيدر الموسوي يؤكد عدم وجود خلافات بين حكومة السوداني وقوى الإطار والفصائل المسلحة بشأن القوات الأمريكية في العراق.
وقال الموسوي في حديث لشبكة "الساعة": إن "الموقف بين الإطار والحكومة بخصوص جدولة تواجد قوات التحالف الدولي على الأراضي العراقية لا يوجد فيه أي خلاف"، وبين أن "السوداني منذ آب الماضي أرسل وفدا لواشنطن من أجل بحث طبيعة التواجد وتقديم دارسة فنية حول ذلك وتشكيل اللجنة الثنائية بين البلدين لحسم هذا الأمر".
وأوضح أنه "قبيل تشكيل حكومة السوداني كان هناك اتفاق بين الجميع وهدنة للفصائل من أجل إعطاء المزيد من الوقت للحكومة لكي تذهب إلى حوار ومفاوضات بشأن هذا الأمر، غير أن أحداث ومجريات غزة فرضت على جزء من الفصائل أن تستهدف تلك القواعد".
واستبعد الموسوي: "إبعاد السوداني بسبب موقفه من التواجد الأمريكي لأن هناك رغبة مشتركة بين الحكومة وقوى الإطار ولكن الاختلاف حول التوقيت فقط"، مؤكدا أن "السوداني في الأصل رافض للهجمات الأمريكية التي تستهدف المقرات الأمنية في العراق".
العراق نحو نفق مظلم
الباحث والمحلل السياسي غانم العابد أكد أن الصراع الحالي الدائر بين الفصائل المسلحة والولايات المتحدة من شأنه إدخال العراق في مشاكل سياسية ودبلوماسية واقتصادية تعيده إلى فترة العزلة والحصار الشامل في تسعينيات القرن الماضي.
وقال العابد في حديث لشبكة "الساعة" إن "دخول الفصائل الصراع مع الولايات المتحدة تسببت برد عسكري من الجانب الأمريكي والذي ربما يتطور خلال الفترة المقبلة برد اوسع"، وبين أن "واشنطن قد تلجأ أيضا إلى فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على العراق الذي تزيد 95 % من أموال وعائدات النفط موجودة في البنك الفيدرالي الأمريكي ما سيؤدي إلى انهيار العملة وزيادة البطالة والاتجاه نحو كارثة وفوضى غير متوقعة"، مبينا أن "تطور الصراع بين الفصائل والولايات المتحدة ودخول الحكومة العراقية على الخط ومطالبتها بإنهاء وجود التحالف الدولي قد يؤدي إلى الإطاحة بحكومة محمد شياع السوداني".
وأضاف العابد أن "الفصائل جزء من حكومة السوداني والأخير هو الحلقة الأضعف داخل الإطار التنسيقي وإن دعم قوى الإطار للسوداني جاء بصفقة حددها الإطار وبإمكانها الإطاحة به وقت ما تشاء".
وتابع: أن "المشهد العراقي القادم مظلم وسيء للغاية وذلك لأن المؤشرات تدل على وجود تصادم بين الفصائل والقوات الأمريكية وما سيسفر عنه من تحرك أمريكي ضد العراق عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا".
وأشار إلى أن "الحكومة العراقية تبنت خيار إنهاء وجود التحالف العسكري في العراق لكنه توقع أن يكون العراق في عزلة وتفرض عليه عقوبات اقتصادية فضلا عن أنه سيكون ساحة بيد إيران تستخدمها في الصراع مع الولايات المتحدة"، مبينا أن "حكومة السوداني بإمكانها تجنب كل هذا التصعيد من خلال فرض وصايتها على المشهد العراقي وتحجيم دور الفصائل المسلحة ووقف الهجمات ضد المصالح الأمريكية".
عزم أمريكي على إقصاء "الميليشيات"
لكن السياسي العراقي المعارض أحمد الأبيض يرى أن الولايات المتحدة جادة وعازمة على استهداف الفصائل المسلحة في العراق وإزاحتها من المشهد السياسي والعسكري، وأكد أن النظام الحالي الذي دعمته واشنطن خلال العقدين الماضيين لن يستمر طويلا بسبب العزلة الدولية التي يواجهها جراء التبعية والتعاون مع إيران والحرس الثوري والميليشيات الإرهابية.
وقال الأبيض في تصريح لشبكة "الساعة" إن: "السوداني غير جاد في كبح الفصائل المسلحة في العراق وبالتالي هو فقد ثقة الجانب الأمريكي والأخيرة بدأت تفقده عناصر القوة وجردته منها ليكون منتهيا سياسيا وعمليا".
وأضاف: أن "السوداني أصبح في حكم المنتهي بسبب ارتهان مصيره بالميليشيات والإطار التنسيقي من جهة، وجدية الولايات المتحدة في حرب الميليشيات وإنهاء نفوذها في العراق والمنطقة من جهة أخرى".
وأشار الأبيض إلى أن "واشنطن حسمت منذ مدة مسألة بقائها في العراق، وهي قررت عدم مغادرة البلاد"، مؤكدا أن "دعوات الحكومة الحالية والإطار التنسيقي وفصائله لا تعني لواشنطن شيئاً"، مبينا أن "الرسالة التي أوصلها بايدن للكونغرس الأمريكي بعد الضربات الجوية الأمريكية على مواقع الفصائل المسلحة في العراق تشير إلى عدم وضع الإدارة الأمريكية للاتفاقات مع الجانب العراقي قيد الحسبان في هذه التحركات، بل اعتماده على التفويض الأمريكي والدولي الممنوح للولايات المتحدة في العمل على الأراضي العراقية ومواجهة المخاطر التي تهدد الأمن والاستقرار الدوليين هناك بسبب التغلغل الإيراني والميليشياوي في العراق".
وتوقع الأبيض: "استمرار تصاعد الضغط الأمريكي على الفصائل المسلحة في العراق خلال المرحلة المقبلة، كما توقع زيادة الضغط على السوداني وبالتالي قد تفضي الأمور إلى انتخابات مبكرة وإبعاد السوداني من منصب رئاسة الوزراء".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام