يبدو أن مصطلحات العفو العام وحقوق الإنسان ومعالجة الانتهاكات في السجون التي رفعتها الحكومة العراقية ستبقى شعارات لن تجد طريقها للتنفيذ في خضم المشهد السياسي المعقد والأزمات المتعاقبة التي تواجه العراق، فعلى الرغم من تبني حكومة محمد شياع السوداني لملف العفو العام إلا أنه لن يرى النور قريبا بحسب المؤشرات والمعطيات على الواقع.
فالعراق تحول في الأسابيع الماضية إلى ساحة للقصف المتبادل بين الفصائل المسلحة القريبة من إيران والقوات الأمريكية، كما أن الكتل السياسية منشغلة حاليا في تشكيل الحكومات المحلية وضمان سيطرتها على تلك الحكومات من أجل ضمان أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وذلك كله يجعل طرح ملف العفو العام في الوقت الحالي أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا.
كما أن الإطار التنسيقي الذي يشكل الكتلة الأكبر في البرلمان ما يزال متحفظا على بنود قانون العفو، فيما ترفضه أطراف في التحالف الإطاري الحاكم لأنها تعده يشمل المتورطين بقضايا الإرهاب، وهو ما تنفيه القوى السنية التي تطالب بإقرار القانون.
وينص تعديل قانون العفو العام على ما يلي "إجراء مراجعة قانونية للقانون، بهدف تعريف جريمة الانتماء للتنظيمات الإرهابية، لتشمل كل من ثبت أنه عمل في التنظيمات الإرهابية أو قام بتجنيد العناصر لها أو قام بأعمال إجرامية أو ساعد بأي شكل من الأشكال على تنفيذ عمل إرهابي أو وُجد اسمه في سجلات التنظيمات الإرهابية".
قدمت الحكومة العراقية مؤخرا التعديل الخاص بقانون العفو العام إلى مجلس النواب، وقدمت مسودة التعديل من اللجنة القانونية إلى رئاسة البرلمان بانتظار إدراجه في الجلسات المقبلة وقراءته والتصويت عليه، لكن الأحداث التي شهدها البرلمان المتمثلة بإنهاء عضوية رئيسه السابق محمد الحلبوسي بقرار من المحكمة الاتحادية سيدفع نحو تأجيل تشريع قانون العفو العام أو ربما عدم تمريره أصلا، وهو ما صرح به عدد من النواب.
تشكيك بوعود السلطات
وتطالب مراكز حقوقية عراقية ومنها مركز توثيق جرائم الحرب ومرصد أفاد إلى تفعيل قانون العفو العام وإعادة المحاكمات لمن صدرت ضدهم أحكام جائرة نتيجة تشابه الأسماء أو بلاغات المخبر السري، وذلك لضمان إطلاق سراح الأبرياء.
ورغم المطالبة بإقرار وتنفيذ قانون العفو العام، يشكك المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب بجدية السلطات في العراق بإنهاء ملف المعتقلين في السجون الحكومية قريبا.
وقال مدير المركز عمر الفرحان في تصريح لشبكة "الساعة": إن "قانون العفو الذي تتحدث عنه القوى السياسية لا يعدو كونه قانونا (خاصا) دافعه سياسي، ولا يرقى لأن يكون قانون (عفو عام) بسبب رهنه بشروط من القوى السياسية".
وأضاف الفرحان: أن "عدد المعتقلين في السجون الحكومية التابعة لوزارة العدل يتراوح ما بين 60 ألف – 75 ألف معتقل أغلبهم محكومون بتهم الإرهاب، والباقي محكوم بتهم المخدرات والقتل والجرائم الجنائية الأخرى".
ولفت إلى "وجود أعداد أخرى من المعتقلين لدى القوات الأمنية لم يتم إصدار الحكم القضائي عليهم وهم منذ فترات طويلة في السجون خلافا للقانون الذي يوجب إصدار الحكم عليهم خلال فترة محدودة، بعد عرضه على القاضي خلال 24 ساعة من توقيفه".
وتابع: أن "المشكلة الرئيسية في ملف السجون الحكومية تكمن في ملف المعتقلين بقضايا الإرهاب، لأن اعتقالهم جرى بدوافع طائفية ودون وجود أدلة قانونية على تورط المعتقلين بارتكاب جرائم الإرهاب"، إضافة إلى أن "أغلب المعتقلين بهذه القضايا صدرت أحكام قضائية عليهم استنادا على الاعترافات التي انتزعت منهم بالقوة والإكراه".
وأوضح الفرحان أن "تصريحات وزارة العدل بخصوص شمول 9 آلاف محكوم فقط بقانون العفو العام يثير الكثير من الشكوك حول جدوى القانون، كما يطرح التساؤلات عن الفئات التي سيشملها القانون، لأن هذا العدد لا يمثل إلا النسبة القليلة من أعداد المعتقلين".
وأكد أن "السمة في السجون العراقية هي الاكتظاظ وانحدار المستوى الصحي والخدمي ومخالفة القوانين العراقية والدولية في مجال التعامل مع نزلاء السجون"، مشيراً إلى أن "أبواب السجون موصدة دائما بوجه المنظمات العراقية والدولية وذلك لضمان عدم الكشف عن فضائح التعذيب التي تجري داخلها".
ركيزتان للعفو العام
الخبير القانوني علي البياتي أكد أن أبرز الانتهاكات التي تسجل في السجون العراقية هي نتيجة الاكتظاظ وعدم قدرة السجون والمراكز الإصلاحية على استيعاب الأعداد الكبيرة من المعتقلين.
وقال البياتي في حديث لشبكة "الساعة" إن "الاكتظاظ في السجون هو نتيجة لغياب التوازن ما بين الأعداد الكبيرة التي تزج بالسجون ومابين طاقة استعياب السجون التي من المفترض أن تكون مؤسسات إصلاحية".
وأضاف: أن "الاكتظاظ هو انتهاك لحقوق السجناء وهو يمثل بداية لانتهاكات جديدة داخل تلك السجون"، مبينا أن "الاكتظاظ يرجع إلى الإجراءات السريعة والشكلية التي اتخذتها الجهات المعنية بإنفاذ القانون في فترة حرجة للغاية تتمثل بفترة الحرب على تنظيم داعش"، مشيرا إلى أن "الرقابة على المؤسسات الخاصة بمتابعة ملف المعتقلين والتحقيق معهم لحين إصدار الأحكام القضائية ضدهم كانت معدومة في تلك الفترة، وبالتالي تم الحكم على الكثير بناء على وشاية المخبر وانتزاع الاعتراف بالتعذيب والإكراه".
وشدد البياتي على "ضرورة أن يرتكز موضوع العفو العام في العراق على ركيزتين: الأول يتمثل بمعالجة الأخطاء التي ارتكبت سابقا خلال التحقيقات مع المعتقلين واعتماد التعذيب في انتزاع الاعترافات وإسقاط الأحكام القضائية التي صدرت استنادا إلى ذلك أو تخفيفها.
وأشار إلى أن "الركيزة الثانية التي يجب أن يعتمد عليها العفو العام هي عملية إيجاد عقوبات بديلة عن السجن، خاصة للمحكومين الذين ثبت عدم تورطهم بارتكاب جرائم قتل أو جرائم إرهابية، أو الذين انخرطوا في تنظيم داعش فقط دون تنفيذ عمليات إرهابية أو الذين تعاملوا مع التنظيم خلال سيطرته على المدن المحررة تحت الإكراه وبشكل قسري على اعتبار أن تنظيم داعش أصبح القوة الوحيدة في تلك المناطق عندما تخلت الدولة عنها، أو للمحكومين بتهم لا علاقة لها بأمن الدولة والإرهاب أو جرائم الفساد الكبيرة".
وأوضح البياتي أن "السلطات يجب أن تفعل العقوبات البديلة ضد المحكومين المذكروين سابقا، وذلك من خلال فرض المبالغ المالية عليهم أو استغلالهم في الأعمال الحكومية في المصانع ومنشآت الدولة بدل وجودهم في السجون".
ولفت الخبير القانوني إلى ضرورة التفريق بين المحكومين بتهم ارتكاب جرائم إرهابية فعلا، أو المحكومين بناء على انتزاع الاعترافات بالقوة أو المحكومين بسبب الانتماء لداعش فقط بالإكراه دون تنفيذ أي جريمة إرهابية.
اكتظاظ السجون
بقاء ملف المعتقلين في العراق وانعدام فرص الإفراج عن المحكومين الذين أدينوا تحت التعذيب والإكراه دفع جهات حقوقية إلى الدعوة لإنشاء مدينة إصلاحية كحل أمثل لمعالجة مشكلة الاكتظاظ في السجون والذي وصل إلى نسبة 300% بحسب المركز الاستراتيجي العراقي لحقوق الإنسان.
وقال رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان فاضل الغراوي في بيان: إن "أغلب السجون ومراكز الاحتجاز تعاني من مشكلة الاكتظاظ حيث بلغت النسبة في بعض منها إلى 300 %".
وبين أن "عدد السجناء والموقوفين في السجون ومراكز الاحتجاز كافة يصل إلى 100 ألف سجين وموقوف وهذا رقم يفوق بشكل كبير الطاقة الاستيعابية للسجون ومراكز الاحتجاز"، مشيرا إلى أن "أغلب البنى التحتية لهذه السجون قديمة جدا ومصممة لاستقبال 30 ألف سجين وموقوف في حين أن عدد السجناء والموقوفين الآن يفوق الطاقة الاستيعابية لهذه السجون ومراكز الاحتجاز".
وتابع الغراوي: أن "الاكتظاظ أدى إلى انتشار الأمراض الصدرية والجرب، فضلا عن اضطرار إدارات السجون إلى إيداع السجناء والموقوفين من أصحاب الجرائم البسيطة مع أصحاب الجرائم الخطرة وأهم مثال لذلك إيداع المتعاطين مع تجار المخدرات"، داعيا إلى "إنشاء مدينة إصلاحية كحل أمثل لمعالجة مشكلة الاكتظاظ في السجون".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام