على الرغم من وصف القانون العراقي لجريمة التزوير بأنها جريمة مخلة بالشرف، إلا أن هذا الوصف لم يردع الكثير من مواصلة استحصال شهادات دراسية مزورة سواء على مستوى التعليم الابتدائي أو الثانوي أو الجامعي.
وتحول موضوع التزوير في الشهادات الدراسية إلى أحد معالم عراق ما بعد 2003، إذ سجل العراق عشرات آلاف الشهادات المزورة، دون أن يثير ذلك حراكا حكوميا أو عقوبات شديدة لوقف هذه الجريمة.
ومنذ الغزو الأمريكي لجأت جهات متنفذة إلى تزوير الشهادات الدراسية والجامعية من أجل منحها لأشخاص تسلموا فيما بعد مناصب في الدولة، كما يتم منح هذه الشهادات لأشخاص مقابل مبالغ مالية.
ولعل أبرز أسباب ضعف الرقابة على موضوع الشهادات المزورة، يرجع إلى تورط قيادات عليا في الدولة العراقية في تزوير الشهادات واعتمادها للوصول إلى مناصب حساسة أمنية كانت أو عسكرية، برلمانية أو تنفيذية.
تؤكد تقارير وتحقيقات صحفية نشرت في أوقات سابقة أن عددا كبيرا من المسؤولين الحكوميين ولا سيما في السنوات الأولى لتغيير النظام العراقي عام 2003 يحملون شهادات أولية وجامعية مزورة.
وبحسب تلك التقارير فإنه عقب تدمير البنى التحتية من الاحتلال الأميركي عام 2003، وفقدان كل الوثائق، احتاجت أحزاب جاءت من خارج العراق إلى شهادات لتعيين أتباعها في مؤسسات الدولة لتغير بنية النظام الموجود، ما دفعها إلى تزوير الوثائق الدراسية والجامعية.
قلق أكاديمي
ويثير ملف التزوير في الشهادات العلمية قلق الأكاديميين والتربويين في العراق، إذ يمثل هذا الموضوع من وجهة نظرهم معول هدم لأسس الدولة التعليمية، كما أنه يؤسس لمرحلة جديدة قائمة على التزوير ومخالفة القانون وسيادة الجهلة.
وبحسب هؤلاء الأكاديميين فإن الحكومات المتعاقبة ومجلس النواب العراقي خلال السنوات الماضية حاول مرارا التغطية على هذه الظاهرة من خلال شمول مزوري الشهادات الأكاديمية، بقانون العفو العام، بل إنه أصدر قانونا عام 2020 يرتبط بمعادلة الشهادات، يتيح التغطية على تزوير الشهادات العليا نفسها.
450 شهادة مزورة جديدة
وزارة التربية العراقية كشفت مؤخرا عن ضبط مئات الشهادات الدراسية المزورة في مؤسسات حكومية عدة خلال العام 2023.
وقالت الوزارة في بيان إن "كوادرها ضبطت 450 شهادة مزورة في مختلف المؤسسات الحكومية"، وبينت أن "اللجان المختصة في المديرية العامة للتقويم والامتحانات أنهت المحاضر التحقيقية بحق المزورين والمصادقة عليها، فضلاً عن تبليغ الجهات المتضررة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق مرتكبي التزوير".
24 ألف شهادة مزورة
وأحصت وزارة التربية العراقية في سنوات سابقة آلاف الوثائق المدرسية المزورة، إذا أعلنت مفتشية وزارة التربية عن إحصائيات ناتجة عن فحص ومراجعة وتدقيق الوثائق الدراسية لمنتسبي دوائر الدولة من العام 2009 ولغاية 2018 فقط، والتي أظهرت وجود (24،167) وثيقة ثبت تزويرها وعدم وجودها ضمن القيود العامة للمدارس الابتدائية والثانوية ومعاهد المعلمين.
تزوير في الشهادات العليا
تزوير الوثائق لم ينحصر في وزارة التربية، إذ شمل الشهادات الجامعية لاسيما الشهادات العليا (الماجستير والدكتوراه) والتي تمنحها جامعات عربية وأجنبية خارج العراق.
في العام 2021، أثيرت قضية منح الجامعات اللبنانية 27 ألف شهادة مزورة لطلبة عراقيين في لبنان، مقابل مبالغ مالية، إذ كشفت مصادر عن أن أطروحة الماجستير بيعت بخمسة آلاف دولار، فيما بيعت أطروحة الدكتوراه بعشرة آلاف دولار من خلال مكاتب في بغداد وبيروت، وهو ما استدعى تحرك وزارة التعليم للتحقيق في الموضوع ومن ثم استدعاء الملحق الثقافي في السفارة العراقية ببيروت، لكن تلك التحقيقات لم تخرج بنتيجة تدين أي من المسؤولين عن هذه الجريمة لغاية اليوم.
وعلى الرغم من إصدار وزارة التعليم قرارا بتعليق قبول شهادات الطلبة الصادرة من 3 جامعات لبنانية هي: الجامعة الحديثة للإدارة والعلوم، والجامعة الإسلامية في لبنان، وجامعة الجنان، وذلك لعدم التزام هذه الجامعات بمعايير الرصانة العلمية، إلا أن الوزارة لم تفرض رقابة على الشهادات الصادرة عن باقي الجامعات ما جعل آلاف الطلبة يواصلون الحصول على شهادات عليا من جامعات قد تكون غير رصينة.
وزارات هرمة
الأكاديمي والمحلل السياسي غالب الدعمي أكد وجود تعمد في إبقاء النظام القديم بوزارة التربية العراقية فيما يخص أرشفة الوثائق الدراسية وذلك من أجل تسهيل عمليات التزوير في تلك الوثائق.
وقال الدعمي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "زيادة حالات التزوير في الوثائق الدراسية تتحمله وزارة التربية بشكل أساس، وذلك لأنها ما تزال تعتمد الإجراءات التقليدية القديمة في أرشفة البيانات"، فضلا عن "عدم اعتماد الطرق الحديثة والأرشفة الإلكترونية في هذا المجال".
وأضاف الدعمي: أن "استخراج وثيقة صحة الصدور التي تؤيد حصول شخص ما على الوثيقة الدراسية تتطلب عدة أشهر لكي تصدر، وهذا الأمر يمثل خطأ وكارثة كبيرة يساعد في تفشي حالات التزوير".
وأشار إلى أن "الوزراء المتعاقبين على التربية لم يهتم أي منهم بقضية اعتماد الطرق الحديثة في أرشفة وإصدار البيانات والوثائق الدراسية، وذلك يعكس إما جهل أو عدم فهم أساليب العمل الوزاري الحديثة"، مبينا أن "اعتماد الطرق البدائية في وزارة التربية جعلها وزارة هرمة"، حسب تعبيره.
وأكد الدعمي أن "وجود مثل هكذا بيئة معقدة يسهل من عمليات الفساد وزيادة حالات التزوير"، مشددا على أن "هناك تعمدا في إبقاء هذا الحال في وزارة التربية وباقي الوزارات المعنية من أجل خلق بيئة مناسبة للتزوير واستمراره".
من جهته أكد معاون عميد كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة البصرة نعيم صباح استمرار حالات تزوير الشهادات في العراق سواء على المستوى الدراسات الابتدائية أو الجامعية والعليا، مبينا أن معالجة مشكلة التزوير لا تتم إلا من خلال تفعيل العقوبات الرادعة بحق مرتكبي هذه الجرائم.
وقال صباح في تصريح لشبكة "الساعة" إن "تسجيل حالات التزوير في الوثائق الدراسية والجامعية سببه غياب العقوبات الرادعة بحق مزوري الشهادات"، مبينا أن "التزوير أوصل الأشخاص غير الكفوئين وغير المناسبين إلى المواقع الحكومية، بينما حرم آلاف الخريجين ممن يمتلك المؤهلات المطلوبة من فرص العمل في مؤسسات الدولة".
وأضاف أن "كشف وزارة التربية مؤخرا عن 450 حالة تزوير للوثائق الدراسية في مؤسسات حكومية مختلفة يعني أن المزورين حصلوا على وثائقهم غير الرسمية منذ سنوات ومن خلالها تمكنوا من الوصول إلى العمل الحكومي بدعم من بعض الوساطات المتنفذة".
وشدد صباح على أن "الحل الوحيد لمعالجة مشكلة تزوير الشهادات الدراسية والجامعية يتطلب تطبيق القانون بشكل صارم على المخالفين والمزورين، وفضحهم في وسائل الإعلام وفرض عقوبات مالية عليهم لاسيما الذين استغلوا هذه الشهادات في العمل بمؤسسات الدولة"، فضلا عن "تشديد الإجراءات من وزارتي التربية والتعليم في منح الشهادات الدراسية".
وأشار إلى أن "مشكلة الشهادات العليا من جامعات خارج العراق باتت هي الأخرى مشكلة كبيرة تواجه العراق لاسيما مع وجود نسب كبيرة من الشهادات المزورة التي تمنحها جامعات تصنف على أنها غير رصينة".
وتتصدر إيران قائمة الدول الأكثر استقبالا للطلبة العراقيين بنحو 20 ألف طالب، ويرجع ذلك إلى العدد الكبير للجامعات المعترف بها في إيران الذي يبلغ 12 جامعة، ونحو 15 ألف طالب في تركيا، وأكثر من 7 آلاف في الأردن، و8 آلاف في مصر، فضلا عن عدد أقل في دول أخرى مثل روسيا والهند وغيرها من الجامعات الأخرى في العالم، وتشير البيانات إلى أن عدد طلبة الدراسات العليا داخل العراق نحو 28 ألف طالب.
ويوجد في لبنان أكثر من 13 ألف طالب عراقي، من بينهم 1500 فقط مسجلون لدى الملحقية الثقافية في السفارة العراقية، وهذا العدد طبيعي قياسًا بـ 12 جامعة في لبنان، أما الطلبة غير المسجلين فلن تُعادل شهاداتهم إلا إذا استوفوا شروط المعادلة، ومن بينها الحصول على عدم ممانعة إكمال الدراسة من دوائرهم إذا كانوا موظفين.
وتبلغ تكاليف دراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في دول الاتحاد الأوروبي التي تعدّ أكثر رصانة وقبولًا وبدأت استقطاب العقول الشبابية لبناء نفسها ما بين (3 آلاف و10 آلاف يورو).
وأمّا الدراسة في الدول العربية فتختلف أسعارها من جامعة إلى أخرى وحسب التخصص، فمثلا دراسة البكالوريوس في لبنان بين (4 آلاف و16 ألف دولار) للسنة الواحدة، والماجستير والدكتوراه من (1500- 4 آلاف دولار)، وفي مصر تراوح تكاليف دراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه بين (4 آلاف و7500 آلاف دولار).
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام