تسببت الهجمات الصاروخية للفصائل المسلحة العراقية على مواقع في إقليم كردستان العراق بعودة التوتر بين حكومتي المركز في بغداد وإقليم كردستان، حيث وجهت الأخيرة اتهامات لبغداد بدعم ما أسمتها الجماعات الخارجة عن القانون في تنفيذ هجماتها على كردستان.
ويأتي التوتر الأخير على خلفية تعرض مقر لقوات البيشمركة في محافظة أربيل لهجوم بطائرتين مسيّرتين مفخختين يوم السبت الماضي.
وبحسب مصادر عسكرية فإن الهجوم الذي نفذ بطائرات مسيرة كان يستهدف مقر رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني في مصيف صلاح الدين في محافظة أربيل، وهو تسبب بإثارة الخلاف والتشنج بين حكومتي بغداد وأربيل.
وتزامن مع ذلك إعلان ما تسمى بـ"المقاومة الإسلامية" في العراق، استهداف مركز للتجسس الفني تابع للكيان الصهيوني شمال شرق أربيل، وذلك بحسب بيان وزعته منصات قريبة من الفصائل، فيما نفت حكومة الإقليم، وجود أي مقر أو قاعدة إسرائيلية لديها.
وتشهد الساحة العراقية منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة تصعيدا ضد الوجود الأميركي في البلاد من قبل عدد من الفصائل المسلحة، التي وسعّت أخيرا هجماتها لتشمل مواقع أميركية داخل الأراضي السورية المجاورة للعراق.
وشملت هجمات الفصائل المسلحة المعروفة بقربها من إيران قواعد عسكرية ومطارات في إقليم كردستان تتواجد فيها قوات أمريكية من التحالف الدولي، وذلك في إطار التصعيد الذي أعلنته فصائل المقاومة في العراق ردا على الدعم الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي وعدوانه على غزة.
وأحصت واشنطن حتى الآن أكثر من 106 هجمات ضدّ قواتها في العراق وسوريا منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر، أي بعد عشرة أيام على اندلاع الحرب في غزة، وفق حصيلة أفاد بها مسؤول عسكري أميركي.
وتسعى الحكومة وأطراف في التحالف الحاكم "الإطار التنسيقي" إلى وقف الهجمات ومنع التصعيد، خاصة بعد عدة ضربات جوية نفذتها واشنطن داخل العراق ضد مواقع الفصائل المسلحة، وتهديدها باتخاذ إجراءات تصعيدية أكبر.
موقف بارزاني
رئيس حكومة اقليم كردستان مسرور بارزاني أدان بشدة الهجوم على قاعدة للبيشمركة شمال شرقي أربيل، وفيما وصف الهجوم بأنه هجوم على العراق كله، وشدد على أن الحكومة الاتحادية مسؤولة عن ردع الجناة.
وقال رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني على حسابه في منصة "X": "أشعرُ بقلق عميق إزاء الهجوم الإرهابي الذي استهدف الليلة الماضية قاعدة للبيشمركة شمال شرق أربيل، وأدينُ بأشد العبارات الخارجين عن القانون والمتواطئين معهم".
وأضاف بارزاني: "نحن ندرك جيداً الألاعيب التي يمارسونها هنا، والخارجين عن القانون الذين يقفون وراءها، ولدينا الحق في الدفاع عن شعبنا".
بارزاني شدد على "وجوب أن تنظر الحكومة الاتحادية إلى أي هجوم على إقليم كردستان على أنه هجوم على العراق بأكمله، وأن تتصدى له بالإجراء المناسب، عاداً التقاعس المستمر سيشجع هؤلاء الجناة على مواصلة ارتكاب جرائمهم".
وأكد أن "الجهات التي تهاجم الإقليم يستغلون أموال الدولة وأسلحتها لمهاجمة كردستان، وزعزعة استقرار البلاد بأسره، مما يعرضه لخطر إعادة إشعال الصراع في بلد عاش ما يكفي من سفك الدماء".
وحثّ بارزاني رئيس الوزراء على "اتخاذ إجراءات عملية وفاعلة لردع هذه المجاميع ومحاسبتها وإعادة تأكيد سيطرة الدولة على الأراضي التي تستخدم منطلقاً لشن تلك الاعتداءات".
هجمات تؤدي إلى الفوضى
من جانبه أدان الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني الهجوم بالطائرات المسيرة على مقر قوات البيشمركة والذي تم تنفيذه بتاريخ 30 كانون الأول 2023 في حدود منطقة بيرمام بأربيل من قبل مجموعات وصفها بالخارجة عن القانون.
وقال الحزب الديمقراطي في بيان تلقته "الساعة": إن استقرار وسلام وأمن إقليم كردستان هو ضمان السلام والاستقرار في العراق والمنطقة"، داعيا الحكومة العراقية والتحالف الدولي إلى "مساعدة إقليم كردستان لوقف هذه الهجمات غير المسؤولة، حيث ستؤدي إلى المزيد من الفوضى في الإقليم والعراق والمنطقة بشكل عام".
وأكد بيان الحزب الديمقراطي على أن "قوات البيشمركة كما هو الحال دائما، سيكون لها حق الرد المطلوب والمناسب لحماية أراضيها وشعبها".
اتهامات صريحة لبغداد
وقبل ذلك، اتهمت حكومة إقليم كردستان الحكومة في بغداد بدعم الجهات الخارجة عن القانون التي قالت إنها "تنفذ هجمات صاروخية تستهدف مواقع مدنية وعسكرية تابعة لكردستان وآخرها استهداف موقع لقوات البيشمركة".
وقال المتحدث باسم حكومة كردستان بيشوا هورماني إن "الهجوم الأخير الذي نفذته قوة خارجة عن القانون بمساعدة (الجحوش)، والمتعاونين معهم على مقر للبيشمركة يُعد أمراً خطيراً وإيذانا بالحرب".
وحمّل المتحدث باسم حكومة الإقليم، هذه الأطراف والحكومة الاتحادية مسؤولية هذه الهجمات التي وصفها بالجبانة، معللاً ذلك بأن "هذه المجاميع الخارجة عن القانون يتم تمويلها بالرواتب وتسليحها من قبل الحكومة الاتحادية ويتحركون أمام الحكومة العراقية، وينقلون الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيّرة، وينفذون هجمات إرهابية على مؤسسات رسمية وعسكرية".
وزاد بالقول: إنه "في حين أن الحكومة العراقية صامتة وعاجزة ضدهم، لكنها تتمتع بالشجاعة الكافية في قطع قوت شعب كردستان، ويتم تمويل هذه المجاميع بنفس تلك الأموال".
بغداد ترفض التهم
وردا على اتهامات أربيل، أعرب المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي، عن استغرابه من الاتهامات التي وجهتها حكومة إقليم كوردستان إلى بغداد فيما يتعلق بصرف المخصصات المالية والاعتداءات الأخيرة.
وقال العوادي في بيان تلقته شبكة "الساعة" إن "الحكومة الاتحادية تعبر عن استغرابها من تصريحات حكومة إقليم كردستان العراق، التي تضمن شتى الاتهامات غير الواقعية وغير المسؤولة، لما ورد فيه من خلط لمعلومات مضللة وأكاذيب باطلة، خصوصاً الادعاء بتجويع المواطنين في الإقليم، متناسياً الأرقام الرسمية للتمويلات المالية وباعتراف موظفي الإقليم".
وأضاف العوادي: أن "ما صدر يمثل تحاملاً غير مبرر على السلطات الدستورية، ومسؤوليتها الحصرية في حماية سيادة البلد"، ونؤكد أنّ "التسرع في إطلاق الأحكام والإدلاء بتصريحات تفتقر للدقة، يسهم في تعقيد المشهد السياسي والحكومي، كونها تصريحات غير بناءة تضر بحالة الاستقرار السياسي والاجتماعي، ولا تتوافق مع سياسة الحكومة ومنهجها وبرنامجها الوطني، الذي التزمت فيه بالدفاع عن مصالح العراقيين في جميع أنحاء العراق وبلا تفرقة".
وشدد على أن "الحكومة الاتحادية من واجباتها حفظ الأمن والاستقرار في عموم العراق ولا تفرق بين مواطنيها، وقد اتخذت بالفعل جملة من الإجراءات، وفتحت تحقيقاً بالاعتداء الأخير لكشف ملابساته، وإن مثل هكذا تصريحات تعقّد مسار التحقيق الذي أنيط بالجهات الأمنية الاتحادية، بالتنسيق مع الجهات المختصة في حكومة إقليم كردستان العراق".
وأكد العوادي أن "الحكومة العراقية وانطلاقاً من واجباتها وصلاحياتها الدستورية، تجدّد موقفها الرافض للاعتداءات التي تستهدف أي أرض عراقية، سواء في الإقليم أو باقي المحافظات، وتؤكد مضيها بملاحقة المتورطين؛ من أجل تسليمهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل".
تواطؤ الحكومة الاتحادية
الصحفي والمحلل السياسي محمد زنكنة المقرب من الحزب الديمقراطي الكردستاني شبه تصريحات المتحدث باسم حكومة بغداد بتصريحات قادة "الميليشيات المسلحة" التي تستهدف إقليم كردستان، مبينا أن الهجوم الأخير على مواقع البيشمركة يؤكد وجود تواطؤ من الحكومة العراقية مع منفذي هذه الهجمات.
وقال زنكنة في تصريح لشبكة "الساعة" إن "تصريحات المتحدث باسم الحكومة الاتحادية يشبه إلى درجة كبيرة تصريحات متحدثي الميليشيات الذين يهاجمون إقليم كردستان في كل مناسبة".
وأضاف: أن "هناك منظومة دفاعية عراقية يترأسها رئيس الوزراء، وفي نفس الوقت هناك ميليشيات غير منضبطة تمارس الهجمات على القوات العراقية وقوات البيشمركة وتسببت في كثير من الأحيان الحرج للحكومة التي عادة ما تلتزم الصمت تجاه هذه الهجمات"، مستائلا "إذا لم تكن الحكومة الاتحادية متواطئة مع منفذي الهجمات الصاروخية فلماذا السكوت عنها؟ ولماذا يسمح لهذه "الميليشيات" بالتمدد والنفوذ والسيطرة؟ وأين هي هيبة الحكومة، بل وأين الحكومة نفسها من حماية السيادة العراقية؟
وأوضح زنكنة أن "تصريحات متحدث حكومة بغداد عن ملف رواتب الإقليم تمثل تصريحات منقولة (بالكربون) من قيادات (الميليشيات)"، مبينا أن "الزيارات المتبادلة واللقاءات بين حكومتي بغداد وأربيل عادة ما تصل إلى نقطة الحسم وحل الخلافات، إلا أن الجهات الحكومية العراقية تنقلب على نتائج تلك اللقاءات وتحول تصريحاتها إلى مواقف عدائية ضد كردستان".
وتابع بالقول" إن "التصريحات العدائية ضد إقليم كردستان لا يمكن وضعها إلا في إحدى الاحتمالات الثلاثة، الأول أن الحكومة المركزية لا تستطيع أو لا تعرف كيف تتصرف في الأزمات مع كردستان، والثاني أن الحكومة لا تستطيع أن تتصرف بالملفات الخاصة بالإقليم دون موافقة الميليشيات، والثالث أن الحكومة متواطئة مع هذه الميليشيات".
وأشار المحلل السياسي الكردي محمد زنكنة إلى أن "استمرار تعامل الحكومة الاتحادية بهذه الطريقة سيدفع خلال الأشهر المقبلة إلى تحول الدولة إلى ثكنة عسكرية ميليشياوية"، حسب تعبيره.
اتهامات انفعالية دون دليل
من جهته يرى المحلل السياسي حيدر البرزنجي المقرب من فصائل المقاومة في العراق أن حكومة إقليم كردستان أطلقت اتهامات انفعالية ضد بغداد دون أن تقدم أي دليل يثبت صحة ادعائها، مؤكدا أن تجاوز هذا الموضوع ينبغي أن يكون عبر التواصل والعمل المشترك بين قيادات الإقليم والحكومة الاتحادية بعيدا عن التأجيج في وسائل الإعلام.
وقال البرزنجي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "تصريحات حكومة الإقليم الأخيرة انفعالية وغير موفقة وبيانها يحمل بشكل واضح وصريح اتهاما لبغداد دون دليل ودون وجود أي تحقيق في الموضوع".
وأضاف: أن "اتهام حكومة إقليم كردستان ليس بالجديد، فهي ليست المرة الأولى التي تهاجم فيها السلطات المركزية رغم أن رئيس الوزراء عمل وعمد منذ تسلمه السلطة إلى تصفير الملفات والمشاكل مع أربيل وعمل بحرص على عدم تاجيج أي خلاف مع حكومة إقليم كردستان".
وتابع: أنه "لا يوجد أي دليل على أن فصائل المقاومة هي التي استهدفت مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل، كما أنه لا يوجد أي دليل على أن الحكومة العراقية هي التي تمول وتدعم مثل هذه الهجمات"، مؤكدا أن "الحكومة العراقية من المستحيل أن تمويل وتدعم هكذا هجمات من شأنها أن تدفع نحو زعزعة استقرار العراق".
ولفت البرزنجي إلى أن "بغداد عملت على تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن استهداف مواقع عسكرية في مصيف صلاح الدين في أربيل"، مشددا على أن "تجاوز وحل تداعيات هذا الموضوع كان ينبغي أن يكون عبر الاتصال المباشر بين قيادات إقليم كردستان مع رئيس الوزراء العراقي بعيدا عن الإعلام لتجنب أي تصعيد في الموضوع".
احتكار القوة القاهرة
من جهته يرى السياسي العراقي نديم الجابري أن وقف الهجمات الصاروخية في العراق يتطلب تحركا من الحكومة العراقية باتجاه احتكار الفصائل المسلحة من جهة، والحديث بقوة من الولايات المتحدة وإيران الذين يسيطران على المشهد في العراق من جهة أخرى.
وقال الجابري في تصريح صحفي تابعته "الساعة": إن "الهجمات المتكررة على إقليم كردستان بالطائرات المسيرة، مستمرة قبل حكومة محمد السوداني لذلك فإنه من المستبعد أن يكون المقصود بها إحراجه".
وأضاف: أنه "إذا ما أرادت بغداد معالجة هذا الملف، فعلى الدولة أن تحتكر القوة القاهرة لتجنب تحول العراق إلى ساحة صراع إقليمية ودولية، وهذا مبدأ مقبول واعتقد أن جميع الأطراف تقبله، ولن نكون دولة إن لم تكن الدولة تسيطر على القوة القاهرة".
وشدد الجابري على "الحكومة العراقية أن ترتب علاقتها بشكل أفضل سواء الدولية أو الإقليمية، فالعراق ساحة صراع بين أمريكا وإيران ولكل منهما تطلعات لا علاقة للعراق بها، فالملف النووي الإيراني هو محور الصراع، وكل من الطرفين المتنازعين يضغط على الآخر لانتزاع مصالحه، لذلك على الحكومة العراقية أن ترتب علاقتها".
وبين الجابري أن "الحسم في الشأن العراقي ما زال بيد الولايات المتحدة الأمريكية، والتأثير الأقوى في دول الإقليم لإيران، فإيران تؤثر بالعراق لكن ليس لديها القدرة على الحسم، الولايات المتحدة لديها القدرة على الحسم"، لافتا إلى "أهمية أن يكون هناك حديث صريح مع الولايات المتحدة يتضمن عدم حقها في الرد العسكري على الأرض العراقية"، مشددا على "ضرورة أن يكون فتح حوار صريح مع إيران أيضا بضرورة إبعاد العراق عن صراعها مع الولايات المتحدة، حتى يخرج العراق من هذه اللعبة الدولية والإقليمية التي يدفع ثمنها العراق فقط".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام