من جديد، يعود ملف سحب القوات الأمريكية من العراق إلى الواجهة، وذلك عقب استهداف وقصف وتهديدات متبادلة بين الجانب الأمريكي والفصائل المسلحة القريبة من إيران، التي أعلنت الحرب على المصالح الأمريكية في المنطقة على خلفية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والدعم الأمريكي المفتوح لذلك العدوان.
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني فجر مؤخرا قنبلة بشأن التواجد الأمريكي في العراق عندما أعلن عن المضي بإجراءات سحب قوات التحالف الدولي من البلاد.
السوداني قال في مؤتمر صحفي مع نظيره الإسباني بيدرو سانشيز في بغداد إن "بلاده ماضية باتجاه إنهاء وجود التحالف الدولي"، وأوضح أن "الحكومة العراقية في طور إعادة ترتيب العلاقة مع التحالف في ظل قوات عراقية متمكنة".
وأضاف رئيس الوزراء: "أكدنا أهمية الالتزام بالتفويض القانوني الممنوح من الحكومات العراقية السابقة لهذا الوجود، الذي يجب أن يكون ضمن إطار الدعم للقوات الأمنية في مجالات التدريب، وألا يتجاوز حد القيام بأعمال عسكرية، كونها تمثل مساسا بالسيادة العراقية وهو أمر مرفوض".
وتعكس تصريحات السوداني الذي وصل سدة الحكم بدعم الإطار التنسيقي محاولة لطمأنة القوى والفصائل المسلحة الموالية لإيران التي تطالب بين فترة وأخرى بمغادرة القوات الأجنبية العراق، معتبرة أن حضورها يهدّد أمن المنطقة.
ولم يحدد السوداني موعد خروج القوات الأجنبية من البلاد، لكن خطابه موجها بالأساس إلى الداخل العراقي في ظل الضغوط المسلطة على حكومته من الفصائل الداعمة لها في وقت يسعى هو إلى احتواء التصعيد.
العامري يدعو للجدولة
وبالتزامن مع ذلك شدد الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري على ضرورة تحديد جدول زمني لإخراج القوات الأمريكية من العراق.
وقال العامري في مهرجان أقيم ببلدة الضلوعية بمحافظة صلاح الدين: إن "العدوان الأمريكي ما يزال يتكرر كما حصل قبل يومين لذلك نطالب ولا نجامل أحدا بخروج القوات الأميركية"، داعيا الحكومة إلى "تحديد جدول زمني لإخراج هذه القوات من العراق".
وأضاف العامري: أن "الحفاظ على دماء (أبناء المقاومة) والحفاظ على استقرار العراق يكمن بتحديد جدول زمني واضح لخروج الأمريكان"، مؤكدا أن "القوات الأمنية والجيش العراقي قادران على حفظ الأمن دون الحاجة لقوات أجنبية".
هجمات أمريكية
والثلاثاء الماضي (26 كانون الأول 2023) قال البيت الأبيض، إن الجيش الأميركي استهدف 3 منشآت تابعة لـكتائب حزب الله في العراق، ردا على هجوم أصاب قاعدة عسكرية للتحالف الدولي.
وبينما أكدت السلطات الأميركية حينها أن الاستهداف لم يمسّ بأي مدني، أدانته الحكومة العراقية في بيان ووصفته بأنه فعل عدائي واضح ومساس مرفوض بالسيادة العراقية، مؤكدة أنه أدى إلى مقتل منتسب للقوات العراقية وإصابة 18 آخرين بضمنهم مدنيون.
وفي (22 تشرين الثاني 2023) استهدف قصف أمريكي مقرات تابعة لكتائب حزب الله في ناحية جرف الصخر ما أسفر عن مقتل 8 مقاتلين على الأقل.
وفي (3 كانون أول الجاري) استهدف قصف أمريكي مسلحين من حركة النجباء في قضاء الدبس في محافظة كركوك خلال محاولتهم مهاجمة قاعدة التحالف الدولي في أربيل بطائرة مسيرة.
ونهاية الأسبوع الماضي، أبلغ الرئيس الأميركي جو بايدن، الكونغرس أن إدارته ردّت على الهجمات المتزايدة مؤخرا على القواعد الأميركية في العراق وسوريا في إطار القانون الدولي، وأنها مستعدة لاتخاذ المزيد من الخطوات عند الضرورة.
بقاء طويل الأمد
رئيس مركز الفكر السياسي إحسان الشمري توقع أن الحديث عن سحب القوات الأمريكية من العراق لن يجد صداه على الواقع لأن واشنطن حسمت أمرها بالبقاء طويل الأمد في العراق.
وقال الشمري في حديث لشبكة "الساعة" إن "التصريح الأخير لرئيس الوزراء بشأن سحب قوات التحالف يعكس مستوى الضغط الذي يمارس ضد حكومته لأجل وضع جدول زمني لسحب القوات الأجنبية وفي مقدمتها الجيش الأمريكي"، مبينا أن "هذه التصريحات هدفها الدفع برسائل للفصائل المسلحة تفيد بعدم رغبة السوداني بالتواجد الأمريكي في العراق والخروج بهدنة ما بين الطرفين (الفصائل والأمريكان)".
وأضاف الشمري: أن "الإطار التنسيقي يحاول التركيز على وضع جدول زمني لسحب القوات الأمريكية على اعتبار أن هذا الجدول سيسجل إنجازا له"، وأشار إلى أن "موضوع الجدولة والانسحاب ينبغي أن يخضع قبل كل شيء لتقييم القيادات العسكرية والأمنية، ولا سيما أن العراق ما يزال بحاجة للتواجد الدولي لتقديم الدعم اللوجستي والاستشارة والتدريب لتمكين قواته من السيطرة الأمنية الكاملة على اعتبار أن الملف الأمني ما يزال يشكل التحدي الكبير أمام الدولة"، لافتا إلى أنه "ليس من الصحيح والمنطقي القبول بهذا المستوى من الضغوط الذي تمارسه قوى قريبة من إيران".
وتوقع رئيس مركز الفكر السياسي أن "واشنطن قد تندفع باتجاه مفاوضات وحوار مع الجانب العراقي حول الجدول الزمني، لكنه استبعد الذهاب نحو الانسحاب الثابت والكامل لأن واشنطن حسمت أمرها في وقت سابق وأعلنت صراحة أن وجودها في العراق طويل الأمد".
انهيار الحكومة العراقية
من جهته يرى الخبير العسكري والباحث في مركز راسام حاتم الفلاحي أن إصرار الحكومة العراقية على سحب القوات الأمريكية من العراق قد يؤدي إلى انهيار الحكومة الحالية وتدهور الوضع السياسي والأمني والاقتصادي.
وقال الفلاحي في حديث لشبكة "الساعة": إن "تطور الأحداث في العراق وتبادل القصف بين الفصائل والجانب الأمريكي يعكس الإشكال الكبير ما بين قوى الإطار وحكومة السوداني والولايات المتحدة ".
وأضاف: أن "وجود الجيش الأمريكي في العراق يأتي استنادا على اتفاقيات مع الحكومات العراقية السابقة، ومنها اتفاقية الإطار التي وقعت عام 2008 في فترة حكم نوري المالكي، والاتفاقية التي وقعت عام 2014 التي أعادت القوات الأمريكية لمحاربة تنظيم داعش".
وأوضح الفلاحي أن "المشكلة بين الفصائل المسلحة والقوات الأمريكية ليست وليدة اليوم، لكنها ترجع لما بعد انتهاء العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش"، مشيرا إلى أن "الفترة الماضية كانت أشبه بفترة هدنة بين الجانبين لكنها انتهت قبل أشهر".
ولفت إلى أن "إخلال الحكومة وعجزها عن حماية القواعد التي تتواجد فيها القوات الأمريكية دفع الجانب الأمريكي إلى تبني خيار الرد على الهجمات التي يتعرض لها من جانب الفصائل والتي تصاعدت عقب العدوان على قطاع غزة".
واكد الفلاحي أن "إنهاء التواجد الأمريكي الذي تحدث به السوداني مؤخرا سيؤدي إلى مشاكل وعقوبات اقتصادية أمريكية على العراق، على اعتبار أن مردودات النفط العراقية توضع في البنك الفدرالي الأمريكي قبل وصولها للعراق، وبالتالي فإن هناك إشكالية كبيرة ستحصل إذا ما تم سحب القوات الأمريكية وقد يؤدي إلى انهيار الحكومة في العراق".
وأشار إلى أن "تداعيات الانسحاب الأمريكي من العراق ستشمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية، خاصة وأن العراق يواجه مشاكل سياسية في الداخل، إضافة إلى تعرضه إلى تدخلات إيرانية مستمرة وعمليات تركية من الشمال، فضلا عن تواجد منظمات إرهابية على أراضيه كداعش وحزب العمال الكردستاني، وكل ذلك سيؤدي إلى تدهور الوضع السياسي والأمني في العراق إذا ما انسحبت القوات الأمريكية في الوقت الحالي"، حسب تعبيره.
اتفاقات وجود القوات الأمريكية
ويعود تواجد القوات الأمريكية في العراق إلى الغزو الأمريكي عام 2003، وبعدها أخذ هذا التواجد نوعا من الشرعية عبر اتفاقيات شكلية بين بغداد وواشنطن تنظم نشر القوات الأجنبية في البلاد.
1 - أول الاتفاقيات التي عقدت بين الجانبين لتنظيم تواجد القوات الأمريكية هي اتفاقية الإطار الاستراتيجي عام 2008 والذي وقعته حكومة نوري المالكي من الجانب العراقي، ونص على تواجد القوات الأمريكية خارج المدن في قواعد عسكرية تابعة للجانب العراقي، وأن تقتصر مهمة القوات الأمريكية على التدريب والمشورة والإسناد لحين الانسحاب الكامل من البلاد نهاية العام 2011.
2 - في أيلول 2014 أعلنت 86 دولة بقيادة الولايات المتحدة تشكيل التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش في العراق وسوريا.
وبطلب من الحكومة العراقية (يرأسها حيدر العبادي) انتشرت قوة دولية في العراق قوامها نحو 9 آلاف مقاتل بينهم أكثر من 5 آلاف عسكري أمريكي، واستمر وجودها لغاية هزيمة التنظيم بشكل كامل نهاية 2017.
3 - عقب التصعيد الأمريكي – الإيراني في المنطقة نهاية عام 2019، واقتحام السفارة الأمريكية في بغداد ومقتل قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس مطلع 2020، رفعت القوى الشيعية القريبة من إيران شعار سحب القوات الأمريكية، أعقبها تصويت البرلمان على طلب لسحب القوات الأجنبية، لكن الولايات المتحدة أكدت موقفها الرافض للانسحاب من العراق تحت أي ظرف، وأعلنت وبشكل رسمي خلال إدارتي (دونالد ترمب وجو بايدن) أن تواجدها في العراق طويل الأمد.
ومع الرفض الأمريكي الصريح لمغادرة العراق أعلنت حكومة بغداد برئاسة مصطفى الكاظمي في تموز 2021 توقيع اتفاقية مع الجانب الأمريكي تنص على تحويل دور القوات الأجنبية من الدور القتالي إلى التدريب والاستشارة، وذلك تجنبا للحرج الذي وقعت فيه الحكومة العراقية من جهة بسبب الرفض الأمريكي لمغادرة العراق، ولإرضاء الفصائل المسلحة القريبة من إيران التي تضغط باتجاه إنهاء الوجود الأمريكي في العراق.
سعي برلماني
سياسيا تسعى القوى الإطارية إلى استغلال وجودها في البرلمان للدفع نحو خطوات من شأنها سحب القوات الأمريكية من العراق.
كتلة حقوق البرلمانية طالبت باستدعاء السفيرة الأمريكية لدى العراق وتسليمها مذكرة احتجاج على قصف معسكرات الحشد الشعبي، وكذلك تدويل عملية اغتيال نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق أبي مهدي المهندس.
وذكرت الكتلة في بيان، أن "رئيس الكتلة سعود الساعدي وجه عدة أسئلة نيابية إلى وزارة الخارجية مطالباً إياها ببيان أسباب عدم قيام الوزارة باستدعاء السفيرة الأمريكية في بغداد وتسليمها مذكرة احتجاج رسمية عن انتهاك السيادة العراقية المتكرر وقصف مقرات الحشد الشعبي في بابل الثلاثاء الماضي، والذي أسفر عن وقوع العديد من القتلى والجرحى".
وتساءل الساعدي عن "الإجراءات الدولية والقانونية المتخذة من قبل وزارة الخارجية أمام الأمم المتحدة والمحافل الدولية بشأن ما وصفه انتهاك السيادة العراقية من قبل القوات الأمريكية فيما يتعلق بجريمة اغتيال رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي وضيوف العراق في الثالث من كانون الثاني/ يناير 2020".
وأكد على ضرورة بيان النتائج النهائية للجهود والإجراءات المتخذة من وزارة الخارجية بشأن تدويل حادثة مطار بغداد المرتكبة من القوات الأمريكية لعام 2020 والتي أسفرت عن مقتل سليماني والمهندس.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام