انتهت الانتخابات المحلية في العراق، وأعلنت المفوضية النتائج الأولية التي حددت بشكل واضح مقاعد القوى السياسية في مجالس المحافظات، لكنها لم تحدد شكل الحكومات المحلية المقبلة لغاية الآن، نتيجة عدم تحقيق أي من القوى المتنافسة الأغلبية التي تؤهلها لذلك، سواء على مستوى العاصمة بغداد أو على صعيد المحافظات الـ 14 الأخرى.

ويبدو مشهد التنافس في تشكيل الحكومات المحلية في العاصمة بغداد والمحافظات السنية أقوى من المحافظات الجنوبية، حيث أن غياب التيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر إضافة إلى انقطاع بعض القوى المدنية عن المشاركة في الانتخابات سمح للقوى الشيعية بتحقيق تقدم في مناطق جنوب العراق.

وجرت في العراق الاثنين الماضي 18 كانون الأول 2023 الانتخابات المحلية في عموم العراق باستثناء إقليم كردستان، وبلغت نسبة المشاركة في التصويت العام 41 % بحسب أرقام مفوضية الانتخابات، فيما بلغت نسبة المشاركة في التصويت الخاص الذي جرى يوم السبت الماضي 16 كانون الأول 67 %.

وتتولى المجالس المحلية المنتخبة في العراق مسؤوليات تتمثل باختيار المحافظ ومسؤولي المحافظة التنفيذيين، وتمتلك صلاحيات الإقالة والتعيين، بالإضافة إلى إقرار خطة المشاريع وفقاً للموازنة المالية المخصصة للمحافظة من الحكومة المركزية في بغداد، وفقاً لأحكام الدستور العراقي.

 

نتائج الانتخابات المحلية

تجسد هذه الانتخابات المحلية الأخيرة الفرصة الأولى من نوعها في العراق منذ إبريل/نيسان 2013، وتُعَدّ الثالثة من نوعها بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

ووفقاً للمفوضية، فإن حزب تقدم بزعامة الحلبوسي حصل على المرتبة الأولى في بغداد بأكثر من 132 ألف صوت، متفوقاً على ائتلاف رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي حصد نحو 130 ألف صوت.

لكن فوز الحلبوسي، ورغم أنه سيشكل مفاجأة لقوى الإطار التنسيقي، سيبقى يحمل رمزية سياسية مهمة لأن القوى الشيعية بإمكانها تشكيل تحالف كبير لمواجهته وتشكيل أغلبية في المجلس المحلي.

وفي محافظة البصرة جنوبي العراق، حقق تحالف تصميم، الذي يتزعمه المحافظ الحالي أسعد العيداني ، المرتبة الأولى. وفي محافظة ذي قار، حقق تحالف نبني المرتبة الأولى، وفي محافظة ميسان حقق التحالف نفسه المرتبة الأولى. بينما حقق تحالف دولة القانون، برئاسة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، المرتبة الأولى في محافظة المثنى.

وفي محافظة الأنبار حقق تحالف تقدم المرتبة الأولى، في الجهة الشمالية من العراق حقق حزب الجماهير بزعامة أحمد الجبوري أبو مازن المرتبة الأولى في محافظة صلاح الدين ، تلاه حزب تقدم، أما في محافظة نينوى، حقق تحالف نينوى لأهلها بزعامة المحافظ السابق نجم الجبوري المرتبة الأولى، تلاه الحزب الديمقراطي الكردستاني بالمرتبة الثانية.

وفي مدينة كركوك، جاءت النتائج لتجعل عملية اختيار محافظ للمحافظة المتنازع عليها الغنية بالنفط أمراً معقداً للغاية بسبب تقارب المقاعد التي حصلت عليها القوى العربية والكردية في المحافظة، خصوصاً إذا لم يجرِ التوصل إلى تحالف كبير داخل مجلس المحافظة لتحديد المناصب الرئيسية.

وحصلت القوائم الانتخابية المدعومة من الفصائل المسلحة على مقاعد غير مسبوقة في المحافظات السنية، ففي نينوى حققت تحالفات تابعة لنوري المالكي وهادي العامري وفالح الفياض وريان الكلداني 7 مقاعد، بينما لم يحسم مصير 3 مقاعد للكوتا من ضمن المقاعد الـ 29 المخصصة لنينوى والتي من الممكن أن تحصل الفصائل عليها باسم المكونات.

 

تنافس على بغداد

فيما يخص العاصمة بغداد، يرى الخبير الاستراتيجي سرمد البياتي أن التحالفات التي ستشكل في بغداد ستكون ذات صبغة طائفية من أجل الوصول لتحقيق الأغلبية، مبينا أن القوى الشيعية صاحبة الحظ الأعلى في تشكيل الأغلبية والسيطرة على الحكومة المحلية في بغداد.

وقال البياتي في حديث لشبكة "الساعة": إن "القوى السياسية في مختلف المحافظات ومنها بغداد بدأت فور إعلان نتائج الانتخابات المحلية بالتوافقات والتحالفات استنادا على النتائج التي أعلنت والأصوات التي حصلت عليها كل كتلة".

وأضاف: أن "التوقعات تشير إلى شكل التحالفات المقبل في بغداد سيكون باتجاهات طائفية وهي عادة ما تلجأ إليها القوى السياسية منذ سنوات"، مبينا أن "القوى الشيعية هي الأقرب لتشكيل الحكومة المحلية المقبلة في بغداد".

واستبعد البياتي: "وصول الخلافات السياسية بشأن تشكيل الحكومات المحلية حد الصراعات، لاسيما وأن الأطراف الشيعية بعد انسحاب الصدر أصبحت تقتصر على قوى الإطار التنسيقي".

 

تحالفات مقبلة

أستاذ العلوم السياسية عصام الفيلي أكد أن التفاهمات والتحالفات التي ستجريها الكتل والقوى الفائزة في الانتخابات هي التي ستحدد شكل الحكومات المحلية المقبلة لاسيما في العاصمة بغداد.

وقال الفيلي في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الصراع على منصب المحافظ لاسيما في بغداد زاد من تعقيد المشهد، لأنه في السابق كان الثقل السياسي المكوناتي في بغداد لصالح الأوزان التي من لون واحد (مكون واحد)، ولكن هذه الأوزان لم تبقَ موجودة حاليا"، بعد انسحاب التيار الصدري ومقاطعته للانتخابات"، مبينا أن "الثقل السياسي للأوزان السياسية داخل المكون الشيعي في بغداد كانت تعطي مساحة للتفاهمات حول تشكيل الحكومات المحلية في المحافظات الجنوبية والفرات الأوسط، ولكن هذه التفاهمات والتنازلات التي كانت تحصل داخل المكون الشيعي لم تعد موجودة اليوم".

وأضاف الفيلي: أن "التوافقات السياسية اليوم في باقي المحافظات تختلف من محافظة إلى أخرى، فالتوافقات في المحافظات الجنوبية تختلف عن التوافقات في بغداد ومحافظات الغربية والشمالية"، مؤكداً أن "هذه التوافقات هي التي ستحدد شكل المحافظين المقبلين"، لافتا إلى أن "هذه التوافقات لم تحسم أي من مناصب المحافظين لغاية الآن".

وبشأن كركوك أوضح الفيلي أن نتائج الانتخابات وعدم تحقيق أغلبية من جميع القوى والمكونات سيجعل من حسم التفاهمات بخصوص منصب المحافظ أمرا صعبا.

واستبعد الفيلي حدوث صراع قادم بين القوى السياسية لاسيما الشيعية بسبب غياب التيار الصدري وبقاء قوى الإطار التنسيقي وحدها في الساحة، لكنه لم يستبعد حدوث خلافات في تشكيل الحكومات المحلية"، مبينا أن "التحدي الأكبر في الانتخبات المحلية يكمن في كونها الاختبار الحقيقي للقوى السياسية لاسيما في موضوع الخدمات، لأن نجاحها او فشلها سيكون بوابة الدخول إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة".

 

إدارة المحافظات المحررة

وفي المحافظات السنية، يؤكد الصحفي العراقي زياد السنجري أن حسم التحالفات في المحافظات السنية لتشكيل الحكومات المحلية مرهون إلى حد ما بموافقة بعض الكتل السياسية المرتبطة ببغداد، في أشارة إلى قوى مرتبطة بالفصائل المسلحة.

وقال السنجري في حديث لشبكة "الساعة" إن "الكتل السياسية والقوى السنية بانتظار مصادقة النتائج بشكل نهائي وتوزيع الكوتات وبعدها ستبدأ مرحلة التوافقات والتحالفات بين التحالفات"، مبينا أن "القوى السياسية المتنفذة في بغداد ستكون صاحبة القرار في هذه التوافقات على اعتبار أن تحالفات عدة داخل المناطق السنية تتابع كتل سياسية من خارج تلك المحافظات.

وأضاف السنجري: ان "الخارطة السياسية متشابكة حاليا في عموم العراق، وأن الصورة ستتضح أكثر خلال الأيام المقبلة، حيث ستظهر التحالفات وتتبلور من أجل تشكيل الحكومات المحلية المقبلة في نينوى وصلاح الدين والأنبار وديالى وكركوك".

 

تنافس على ديالى

وفي محافظة ديالى تتنافس القوى الشيعية والسنية لتحقيق الأغلبية عبر التحالفات السياسية للظفر بمنصب المحافظ.

وحققت القوى السنية (العزم، تقدم، السيادة) 8 مقاعد في مجلس ديالى من أصل 15 مقعدا، بينما حقق تحالف ديالتنا بزعامة هادي العامري 4 مقاعد، ما يجعل حراك السنة نحو منصب المحافظ أمرا ليس بعيدا في حال ضمان وحدة تحالف القوى السنية والانفتاح على التحالفات الأخرى لتحقيق الأغلبية.