انطلقت عملية التصويت في الاقتراع العام لانتخابات مجالس المحافظات العراقية صباح اليوم الاثنين، والتي تجري لأول مرة منذ 10 سنوات، حيث كانت آخر انتخابات محلية شهدها العراق عام 2013.

وأنهى العراق السبت (16 ديسمبر / كانون الأول) الاقتراع الخاص، وجاءت نسبة التصويت فيه 67 % بحسب ما أفادت مفوضية الانتخابات العراقية.

وبحسب أرقام مفوضية الانتخابات فإن 17 مليون ناخب يحق لهم المشاركة في الاقتراع وسيدلون بأصواتهم في 7166 مركزاً، للاختيار من بين 6000 مرشح يتنافسون على 285 مقعداً في جميع المحافظات، أكبرها عدداً مجلس محافظة بغداد الذي يضم 49 عضواً، يليه مجلس محافظة نينوى بـ 29 مقعدا، ثم البصرة ويضم 22  مقعداً.

تأتي الانتخابات المحلية في ظل اتهامات لمفوضية الانتخابات وشكوك بقدرتها على إدارة العملية الانتخابية بالصورة التي تحدثت بها سابقا، وذلك على خلفية تعطل عدد كبير من أجهزة إرسال نتائج التصويت إلكترونيا إلى المركز العام للجمع الأصوات، الأمر الذي دفع بمفوضية الانتخابات إلى اعتماد العد والفرز اليدوي وهو ما يراه البعض فرصة لتوجيه التهم لها بالتزوير والتلاعب بالنتائج لاسيما إن كانت نتائج الانتخابات لم تصب في مصلحته.

كما تأتي الانتخابات المحلية بالتزامن مع خلافات سياسية عراقية غير مسبوقة داخل البيوت الشيعية والسنية والكردية، إذ وصل الخلاف بين القوى السياسية داخل هذه المكونات إلى نقطة اللا عودة، وهي حالة غير مسبوقة في الانتخابات السابقة التي كانت تحصل قبلها حالة من التوافق السياسي على الأقل لحين الانتهاء من الانتخابات وتوزيع المناصب.

وأيضا تشهد الانتخابات المحلية في العراق ولأول مرة مقاطعة التيار الصدري الذي كان سباقا في جميع المشاركات الانتخابية منذ العام 2005، وهو ما يعكس صورة الخلاف بين قطبي البيت الشيعي (التيار والإطار التنسيقي).

وبينما تعهدت مفوضية الانتخابات بمعالجة المشاكل التي سُجلت يوم الاقتراع الخاص السبت الماضي، وأكدت أن نتائج الانتخابات ستعلن خلال 24 ساعة من انتهاء التصويت العام، إلا أن الأمر لن ينتهي مع إعلان النتائج، بل سيمهد لمرحلة جديدة تتضمن العديد من المفاجآت والتصعيد وتحشيد الشارع وربما التدخل الدولي كما حصل عقب الانتخابات البرلمانية عام 2021.

 

أقل نسبة مشاركة

يؤكد الباحث السياسي العراقي غالب الدعمي أن الانتخابات المحلية الحالية ستكون الأقل مشاركة على مستوى الانتخابات التي جرت منذ العام 2003.

وقال الدعمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "نسبة المقاطعين للانتخابات هذه ستكون عالية مقارنة بباقي الانتخابات، وذلك نتيجة لمقاطعة التيار الصدري"، مبينا أن "7 ملايين ناخب لم يستلموا بطاقاتهم الانتخابية وهذا يعني أن هؤلاء لم يشاركوا في العملية الانتخابية".

وتوقع الدعمي أن "تمضي نتائج الانتخابات المحلية رغم المقاطعة من جهة ورغم وجود من سيطعن بها ويشكك بها، واستبعد أن تتدخل المحكمة الاتحادية العراقية في إلغاء نتائج الانتخابات وإن قدمت شكاوى بهذا الصدد لها".

 

إدارات إطارية

الباحث والمحلل السياسي مجاشع التميمي توقع سيطرة قوى وأطراف الإطار التنسيقي على الحكومات المحلية في العاصمة بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية في المرحلة المقبلة، نتيجة لمقاطعة التيار الصدري من جهة ولعدم وجود قوى منافسة يمكن أن تبعد قوى الإطار عن المشهد.

وقال التميمي في حديث لشبكة "الساعة": إن "نسبة الأقبال في الاقتراع الخاص دائما ما تكون أكبر من الاقتراع العام لأن القوى الأمنية والعسكرية تستجيب للأوامر العليا أكثر، خاصةً مع صدور توجيهات من قيادات أمنية بضرورة المشاركة واختيار قوائم بعينها".

وأضاف: أن "الاقتراع العام سيكون مختلفا عن الخاص وستكون نسبة المشاركة فيه أقل من الخاص، وربما تصل نسب التصويت إلى حدود الـ 40 %، وذلك بسبب الاستقطابات الطائفية والقومية والمناطقية حيث تم حشد الجمهور البسيط من الشعب العراقي بخطاب هوياتي فرعي ضيق، فضلا عن الصراعات السنية التي ستلزم القوى العراقية السنية الضغط على جمهورها للمشاركة بقوة؛ فضلا عن كركوك التي تشهد صراعات سياسية سنية وكردية وشعية وتركمانية ، كل هذا سيدفع بالأخير للمشاركة بقوة".

واستبعد أن يلجأ الإطار التنسيقي لرفض الانتخابات وإن كانت النتائج ليست في مصلحته، كما استبعد حدوث تغيير في خارطة القوى السياسية في المحافظات المختلطة كبغداد وديالى لأن العرف السياسي هو الذي سيمضي وبالنهاية محافظ بغداد حدد واتفق عليه أن يكون شيعي وسيعوض السنة بمجلس المحافظة".

كما رجح أن "يهيمن الإطار التنسيقي على نتائج الانتخابات في المحافظات الوسطى والجنوبية،  لانعدام وجود أي كتلة ستستطيع منافسة الإطار في تلك المحافظات بعد غياب الصدريين، إضافة إلى أن باقي القوى المستقلة فهي أما واجهه للإطار أو ضعيفة لا تستطيع المنافسة، مستبعدا بذلك فرضيات لجوء الإطار إلى القضاء لإبطال نتائج الانتخابات لأنها في الغالب ستكون في صالحه".

 

تشكيك بشرعية الانتخابات

من جهته يرى مدير مركز كلواذا للدراسات باسل حسين أن نسب المشاركة في الانتخابات المحلية ستختلف من محافظة إلى أخرى.

وقال حسين في حديث لشبكة "الساعة": إن "محافظات الوسط والجنوب ستكون نسبة المشاركة ضعيفة متأثرة إلى حد ما بمقاطعة التيار الصدري، لكنها ستكون مرتفعة في المحافظات السنية المحررة، كما أن مناطق الأرياف ستكون نسب المشاركة فيها أكثر من المدن"، كما توقع أن "تكون كركوك الأعلى نسبة في المشاركة في الانتخابات المحلية على صعيد المحافظات العراقية".

لكن حسين توقع أن يلجأ الخاسرون في الانتخابات المحلية لاسيما من الأطراف الشيعية داخل الإطار التنسيقي إلى التشكيك بنتائج الانتخابات ومشروعيتها.

وأوضح أنه "على الرغم من أن هذه الانتخابات ذات الوجه الواحد لأن الإطار سوف ينافس نفسه،  لكن هذا لا ينفي وجود صراع خفي حول الزعامة الشيعية وما تخلقه المقاعد من قوة سياسية واقتصادية، وبالتالي سيدفع ذلك الخاسرين إلى التشكيك بنتائج الانتخابات  ومشروعيتها".

 

الانتخابات تمهد لصراع جديد

أما الباحث والناشط السياسي العراقي عبد القادر النايل فيؤكد أن الانتخابات المحلية الحالية ستكون الأفشل في البلاد بين الانتخابات السابقة، وشدد على أن نتائجها ستكون بداية لمرحلة جديدة من الصراع السياسي في العراق.

وقال النايل في حديث لشبكة "الساعة": إن "الخرق الأول للانتخابات المحلية يظهر من خلال فشل أجهزة المفوضية في نقل بيانات الاقتراع في يوم التصويت الخاص، وذلك نتيجة لتعاقد المفوضية مع شركة كورية غير مؤهلة ورديئة لاعتماد أجهزتها في الانتخابات"، مبينا أن "فشل أجهزة المفوضية سيجعل الانتخابات في مرمى التهم والشكوك، كما سيجعلها الأفشل في العراق منذ 2005".

وأشار النايل إلى أن "الانتخابات المحلية لن تكون عامل تهدئة في البلاد كما تروج أحزاب السلطة، بل ستكون نتائجها بداية لصراع سياسي جديد في العراق، لاسيما وأن الساحة السياسية تشهد العديد من الصراعات والتي وصلت لمرحلة تكسير العظم وإلغاء الثاني عن المشهد".

وأوضح أن "مقاطعة التيار الصدري للانتخابات المحلية لن يكون النهاية فالمقاطعة لها ما بعدها، ولن يسمح التيار الصدري لقوى يتحكم بها المالكي أو قادة الفصائل المسلحة التي تمتلك أجنحة سياسية من التحكم بإدارات المحافظات كما يشاؤون وأن يستهدفوا التيار في المرحلة المقبلة كما حدث في سنوات حكم المالكي".

ولفت النايل إلى أن "الساحة السنية ستكون هي الأخرى ساحة للصراع عقب نتائج الانتخابات، وستكون مسرحا للتصفيات بين الخصوم السياسيين".

وبشأن كركوك قال النايل إن "نتائج الانتخابات فيها ستكون كالقنبلة الموقوتة عليها وذلك نتيجة للصراع الدائر فيها بين الأحزاب الكردية والعربية والتركمانية من جهة والصراع الكردي – الكردي على تمثيل الكرد فيها من جهة أخرى".

وبشأن مستقبل العملية الانتخابية على العاصمة بغداد، أكد النايل أن "الصراع القادم سيكون على العاصمة بغداد، وأن بعض الأطراف المسلحة التي تمتلك أجنحة سياسية بدأت تمهد للتصعيد في بغداد وهو ما يعكس تخوفها المسبق من نتائج الانتخابات"، مبينا أن "تلك الجهات ستعمل على اللجوء إلى الشارع أو الانقلاب على نتائج الانتخابات إن لم تكن النتائج على مقاسهم".

وختم النايل حديثه بتوقعه ألا تشكل نتائج الانتخابات الحكومات المحلية، بل التوافقات السياسية التي يفرضها رعاة العملية السياسية الدوليين وفي مقدتهم الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

 

مشاكل وانقسامات جديدة

يتفق مع ذلك الباحث السياسي العراقي غانم العابد، الذي أكد أن الانتخابات المحلية ستحمل مفاجآت عديدة على صعيد النتائج والمشاركة.

وأشار العابد في حديث لشبكة "الساعة" إلى أن "نسبة المشاركة ستختلف من منطقة إلى أخرى، فالمناطق ذات الثقل الصدري لن تشهد مشاركة واسعة، على عكس المناطق ذات الثقل الإطاري".

وقال العابد: إن "نتائج الانتخابات إذا جاءت على عكس ما يرغب الإطار التنسيقي فسيضعه بموقف محرج لأنه الطرف الأكثر إصرارا على إجراء الانتخابات طيلة الفترة الماضية".

وفيما استبعد إمكانية الطعن وإلغاء نتائج الانتخابات المحلية بالعموم، توقع أن تتسبب النتائج بمشاكل سياسية وانقسامات جديدة في الساحة العراقية.