يبدو أن حالة التشظي والانقسام باتت السمة الأبرز للقوى السياسية العربية السنية في العراق، إذ بلغت الخلافات بين أطراف البيت السني حد الصراع من أجل السلطة والسيادة على قرار المكون، الأمر الذي انعكس جليا على ضعف تمثيله الفعلي في الدولة العراقية.
خلال السنوات الأولى التي أعقبت تغيير النظام السياسي في العراق عقب الغزو الأمريكي عام 2003، افتقر المكون السني إلى ممثلين سياسيين مقارنة بالمكون الشيعي الذي مثله حزب الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري، والمكون الكردي الذي مثله الحزبان الكرديان (الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني).
وفي أول محاولة لتقديم قوى سياسية تمثل العرب السنة في الانتخابات البرلمانية عام 2006، ظهرت جبهة التوافق التي سرعان ما تفرقت بسبب الخلافات الداخلية من جهة والضغط الذي مارسته القوى الشيعية ممثلة برئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.
في الانتخابات البرلمانية عام 2010، توحدت القوى السنية ضمن قائمة واحدة (العراقية) وحققت بالتعاون مع القوى الليبرالية الشيعية الأغلبية البرلمانية بـ 91 مقعدا مقابل حصول القوى الشيعية التقليدية على 89 مقعدا، وهي المرة الأولى والأخيرة التي حقق فيها المكون السني هكذا نتائج، ورغم ذلك لم تفلح محاولاته بتمثيل تلك النتائج في تشكيل الحكومة التي انتزعها المالكي مجددا بدعم من رئيس المحكمة الاتحادية مدحت المحمود وعبر فتوى الكتلة الأكبر.
تراجع دور العرب السنة سياسيا بشكل ملحوظ في الانتخابات البرلمانية لعام 2014، لكنها بقيت محافظة إلى الحد الأدنى على تماسكها مقابل القوى الشيعية والكردية، لكن مرحلة داعش وسيطرته على المدن السنية ساهم بشتات القوى السنية إلى مرحلة غير مسبوقة وهو ما بدا واضحا في انتخابات البرلمان عام 2018.
وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2021، استمرت الخلافات السنية لمرحلة يصعب إعادة توحيدها من جديد، وكانت أبرز القوى الممثلة للسنة سياسيا هي تحالفات تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، وتحالف العزم بزعامة خميس الخنجر، لكن سرعان ما تفرقت تلك التحالفات وانقسمت إلى أطراف عديدة بسبب الخلاف على زعامة المكون والمناصب الحكومية.
صراعات مستمرة
وعلى الرغم من تحالف القوى السنية المؤقت باسم تحالف (السيادة) الذي ضم تحالفي تقدم والعزم، إلا أن الخلافات الداخلية ظهرت عقب فترة وجيزة من إعلان هذا التحالف.
ومن خلال قراءة الخلافات السنية، فإن مصدر تشظي القوى السنية يرجع في الأزمة الأخيرة إلى الخلافات بين السياسيين الممثلين عن محافظة الأنبار، فالصراع بين رئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي من جهة، ورئيس حزب الحل جمال الكربولي ووزير المالية الأسبق رافع العيساوي، من جهة أخرى قاد إلى صراع أوسع بين القوى السنية في عموم الساحة العراقية.
تطور صراع الحلبوسي ليشمل قيادات سياسية سنية كمثنى السامرائي الذي أسس تحالف العزم، وأسامة النجيفي وثابت العباسي اللذان شكلا فيما بعد تحالف السيادة، الأمر الذي أدى إلى تغيير الخارطة السياسية في المناطق السنية.
وكانت تداعيات الخلاف داخل البيت السني واضحة خلال إبعاد محمد الحلبوسي من رئاسة مجلس النواب منتصف نوفمبر / تشرين الثاني الماضي، على الرغم من أن قرار الإبعاد جاء من المحكمة الاتحادية وبدفع من قوى الإطار التنسيقي.
الانتخابات المحلية
ومع اقتراب انتخابات المجالس المحلية في العراق، انقسمت القوى السنية إلى مجموعات عدة وتمحورت في تحالفات 4 رئيسية:
الأول – تحالف تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، والذي يمثل الثقل الأكبر في المحافظات السنية (الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى والعاصمة بغداد).
الثاني – تحالف الحسم بزعامة وزير الدفاع في حكومة السوداني، ثابت العباسي والذي يضم قيادات السنة التقليديين أمثال أسامة النجيفي ورافع العيساوي وجمال الكربولي، وقتيبة الجبوري.
الثالث – تحالف العزم الذي يتزعمه مثنى السامرائي ويضم قيادات كأحمد الجبوري أبو مازن ومحمود المشهداني ورئيس البرلمان الأسبق سليم الجبوري.
الرابع – تحالف السيادة بزعامة خميس الخنجر الذي يحاول حصد مقاعد في بغداد والمحاظات السنية، ويعتمد زعيمه في الأغلب على التحالف مع القوائم الأخرى بعد نتائج الانتخابات.
الخامس – تحالفات وكيانات متفرقة تعمل بعضها بشكل مستقل، فيما يتبع بعضها تحالفات كبيرة من خارج المحافظات السنية.
وتسبب الخلاف داخل البيت السني وتشظي القوى السياسية، إلى دخول تحالفات تابعة للإطار التنسيقي والفصائل المسلحة إلى المحافظات السنية، ومحاولة الحصول على مقاعد في مجالس المحافظات عبر أحزاب وكتل تدعمها من أبناء المناطق السنية.
أقلية سياسية
يؤكد السياسي السني أثيل النجيفي تراجع الدور السني في العراق وتحوله إلى أقلية، وذلك نتيجة محاولات بعض من يمثلون المكون كسب ود ورضا الجانب الشيعي قبل كل اعتبار.
النجيفي قال في تصريح لشبكة "الساعة": إن "الوضع السياسي السني انحسر منذ العام 2018 وتحول إلى أقلية تخشى الاتهام بالـ (الدعشنة) وتريد أن ترضي الأغلبية الشيعية وتستجيب لكل شروطها".
وتابع: أن "الطرف الشيعي _للأسف_ انحسرت فيه سلطة العقلاء الذين يدركون مخاطر هذه الحالة السنية بينما استقوت سلطة الشيعة المندفعين الذين لا يحسبون الحسابات بعيدة المدى في غياب قيادات سنية محترمة في الوسط السني".
وأشار النجيفي إلى أن "ما جرى للحلبوسي مؤخرا كان ثمرة للاستسلام السني للقرار الشيعي حيث استغل (الحلبوسي) نفوذه لدى الشيعة لضرب كل الزعامات والقيادات السنية التي تؤثر على وضعه الشخصي .. وبالتالي وقع ضحية لما زرعه هو".
وأعرب النجيفي عن "تفاؤله في المرحلة المقبلة لأنه يرى في الحالة التي مر بها السنة نتيجة الانكسار في مرحلة داعش وما اعقبها قد خفت الآن"، مبينا أن "الوضع بعد إقصاء الحلبوسي يبدو إيجابيا للحد من سلطة السياسيين السنة الذين يحاولون تدجين مجتمعهم بالاعتماد على الآخرين"، مشيرا إلى أن "الصراعات السياسية الحادة في انتخابات مجالس المحافظات هي الخطوة الأولى للتعافي السني الذي قد يكتمل مع الانتخابات البرلمانية القادمة".
أجيال الزعامات السنية
لكن الباحث السياسي والاستراتيجي الناصر دريد يرى في الخلافات داخل البيت السني حالة طبيعية بالمقارنة مع الأجواء السياسية السائدة في عموم العراق، إذ أن الانشقاقات والخلافات تضرب القوى السياسية الكردية والشيعية إضافة للقوى السنية.
وقال دريد في حديث لشبكة "الساعة": إن "الجماعات السياسية السنية وقياداتها في العراق خلال العقدين الماضيين تنقسم إلى 3 مجاميع وأجيال: الأول يتمثل في الزعامات الرافضة للعملية السياسية والاحتلال الأمريكي وتداعياته، والجيل الثاني المشارك في العملية الساسية مع تذمره ورفضه لتداعيات الاحتلال، أما الجيل الثالث فيمكن وصفه بالجيل المرضي عنه إيرانيا وإن تبادل أطرافه التهم بشأن هذا الرضا وعير بعضهم به".
وأكد دريد أن "الخلافات وما يمكن تسميته بالاقتتال الداخلي داخل البيت السني هو ظاهرة طبيعية إذا ما قورنت بين بحالة الانقسام والاقتتال داخل الكتل الممثلة للمكونات الأخرى الشيعية والكردية وحتى المسيحية"، مبينا أن "حالة الخلاف هذه ربما ستمتد لتشمل قوى المكونات والأقليات العراقية الأخرى".
صراع مصالح
لكن الباحث والصحفي العراقي محمد الجفال أكد أن الخلافات بين القوى الحالية في الساحة العراقية ترجع في الأساس لغياب الشرعية في عملها، فهي جاءت انعكاسا للاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، مبينا أن هذه الخلافات تأتي في إطار الخلافات المصالحية الشخصية والحزبية فقط.
وقال الجفال في حديث لشبكة "الساعة": إن "العراق يفتقر أصلا إلى وجود عملية سياسية حقيقية، والعملية الحالية هي نتاج لتنفيذ أوامر المحتل وفقا للدستور الذي سلقه بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق عقب الغزو".
وأكد الجفال أن "العملية السياسية بأجمعها ليست عملية صحية ودليل ذلك العزوف الكبير عن المشاركة في الانتخابات المحلية والبرلمانية"، مشددا على أن "القوى الحالية لا تمثل السنة ولا الشيعة في العراق، رغم ادعاء تلك القوى تمثيل هذه المكونات".
ولفت إلى أن "الطبقة السياسية الحالية مرتبطة بأجندات خارجية وأغلبها مرتبطة بالفاعل الإيراني"، مبينا أن "هذه الطبقة بدون استثناء تعمل وتتصارع وتختلف من أجل مصالحها الحزبية والشخصية فقط"، وموضحا أن "القوى السياسية المستقلة لا يمكن أن تأخذ دورها في العمل بسبب افتقار العملية السياسية برمتها للشرعية، فضلا عن تعرض هذه القوى إلى الإقصاء والضغوط وحتى التهديدات التي تمنعها من ممارسة العمل السياسي بعيدا عن سلطة ونفوذ القوى المسيطرة والمتنفذة في البلاد".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام