منذ استعادة السيطرة على مدينة الموصل في تموز 2017، انطلقت أنشطة المكاتب الاقتصادية التابعة للفصائل المسلحة، حيث المدينة في مرحلة ما بعد داعش كانت بلا قانون ولا جهات رقابية، وهو ما سهل عمل تلك الفصائل في الأنشطة الاقتصادية.
ورغم إثارة ملف المكاتب الاقتصادية في أكثر من مناسبة ولاسيما خلال حكومتي عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، إلا أن تلك المكاتب استمرت في مزاولة أنشطتها وبوتيرة متصاعدة، وهو ما يفسر عجز الدولة العراقية عن مواجهة هذه الفصائل ومكاتبها الاقتصادية.
بدأت أنشطة المكاتب الاقتصادية في الموصل بالسيطرة على الحديد والسكراب وأنقاض المباني المدمرة، التي استمرت لأكثر من عام تعمل لمصلحة فصائل محددة، ثم تطور نشاطها لتشمل عمليات تهريب النفط من حقول القيارة جنوب الموصل، والكبريت من منطقة المشراق، وصولا إلى فرض نسب على المشاريع التي تحال للاستثمار، وفرض أتاوات على سيارات الحمل التي تدخل الموصل من دهوك وأربيل.
كما شملت أنشطة هذه المكاتب فرض نسب من الأرباح على المعامل المنتجة في الموصل ولاسيما معامل الإسمنت، فضلا عن الاستيلاء على عقارات وأملاك المواطنين وأملاك الدولة عبر التلاعب بسجلات التسجيل العقاري، إضافة إلى دخولها كشريك في المشاريع المربحة بالمدينة كالمطاعم الكبيرة وقاعات الأعراس والمتنزهات ومعارض بيع السيارات والأماكن السياحة كجزيرة أم الربعين التي حدثت بها فاجعة العبارة عام 2018.
في السنوات الـ 3 الأخيرة، لم يعد ملف المكاتب الاقتصادية حكرا على الفصائل المسلحة، فجميع الأحزاب السياسية التي تمتلك نفوذا في نينوى بات لها مكاتب اقتصادية تدير من خلاله أموال الحزب من خلال الاستيلاء على المشاريع ومنحها مقابل نسب مالية تزيد عن 15 % من قيمة المشروع، وهو ما كشف عنه محافظ نينوى السابق نجم الجبوري.
ونظرا لكون موازنة نينوى بإقرار الحكومة المحلية السابقة كانت 3.5 تريليون دينار خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فإن المبالغ التي منحت للمكاتب الاقتصادية من خلال المشاريع تزيد عن نصف تريليون دينار عراقي خلال 3 سنوات فقط.
منتصف شهر تشرين الثاني الماضي، شهدت نينوى تغييرا إداريا تمثل بإبعاد نجم الجبوري عن منصب المحافظ وتكليف عبد القادر الدخيل بالمنصب بديلا عنه، والذي كان سابقا يعمل عضوا في فريق الجهد الخدمي الحكومي ورئيسا للجنة إعمار الموصل.
إعلان الحرب
بدأ الدخيل مشواره في إدارة المحافظة من خلال إعلان الحرب على المكاتب الاقتصادية، حيث فتح النار عليها وتوعدها بالملاحقة عبر الطرق القانونية.
وحذر محافظ نينوى عبد القادر الدخيل في تصريح صحفي تابعته شبكة "الساعة" مديري دوائر المحافظة المتعاونين مع المكاتب الاقتصادية للأحزاب السياسية في الموصل.
وقال الدخيل "سنحاسب وبشدة أي مدير دائرة أو موظف يثبت تعاونه مع المكاتب الاقتصادية على حساب المال العام وأهلنا في الموصل".
وأضاف أن "هناك العديد من المتعاونين مع تلك المكاتب، من الذين مهدوا لها الطريق للدخول بالمزايدات والاستيلاء على العديد من المشاريع والمحال والأراضي".
وتابع محافظ نينوى: "سنتخذ كل الطرق القانونية للحد من هذه الظاهرة ولدينا المعلومات الكاملة عن المتعاونين معهم والذين سمحوا لهم باستباحة أملاك الموصل".
الخزعلي يتوعد
التطور المفاجئ في حرب الدخيل على المكاتب الاقتصادية يتمثل في تعهد زعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي بدعم محافظ نينوى في كبح جماح هذه المكاتب ومحاسبتها ووقف استغلالها للأموال في المحافظة.
تصريحات الخزعلي جاءت خلال زيارة إلى محافظة نينوى التقى خلالها المحافظ عبد القادر الدخيل وأعلن دعمه الكامل للإدارة المحلية الجديدة في مجال الإعمار والاستقرار وإنهاء تواجد المكاتب الاقتصادية.
والغريب في تعهد الخزعلي الأخير، أن المكاتب الاقتصادية التابعة لحركة العصائب في نينوى هي من أبرز المكاتب التي تستحوذ على الأملاك والمشاريع وتدخل في الاستثمارات، ولكن دخولها في هذه المجالات يكون عبر وكلاء محليين من مدينة الموصل.
كما أن موقف الخزعلي هو الأول من نوعه من قادة الفصائل المسلحة التي كانت توجه لها التهم بإدارة أنشطة تلك المكاتب، الأمر الذي يثير علامات استفهام عن طبيعة العلاقة بين إدارة نينوى الجديدة بالفصائل، وهل كانت هذه الفصائل ومن ورائها الإطار التنسيقي الداعم الأبرز لوصول الدخيل إلى منصب المحافظ.
وبحسب مصادر محلية في نينوى فإن المكاتب الاقتصادية التي تنشط في نينوى تتبع لجهات عدة، منها العصائب وحركة بدر وكتائب سيد الشهداء والحشود المحلية في نينوى ولا سيما في مناطق جنوب الموصل، وكتائب بابليون، وحشد الشبك، فضلا عن كافة الأحزاب السياسية العاملة والمتنفذة في محافظة نينوى.
من يدعم الدخيل؟
المدون والكاتب الموصلي محمد جمعة يرى في التصريحات الأخيرة للدخيل بأنها لن تخرج عن المألوف وأنها تخضع للاستثمار السياسي لاستمالة عواطف السكان المحليين.
وأشار جمعة في تصريح لشبكة "الساعة" إلى أن “ملف المكاتب الاقتصادية أصبح كملف النازحين والمقابر الجماعية والتعويضات وغيرها من الملفات التي لا تعدو كونها تصريحات إعلامية فحسب”، مبينا أن "تصريحات الدخيل بشأن الحرب على المكاتب الاقتصادية تندرج ضمن هذا النوع من التصريحات والملفات".
وتوقع أن "نينوى في ظل إدارة الدخيل ستذهب إلى المزيد من الخسائر في المرحلة المقبلة، كون الإدارة الحالية بقيادة الدخيل جاءت بدعم من الفصائل والإطار التنسيقي، وبالتالي فإن الموصل ستبقى تنزف مواردها على الطريقة السابقة وربما أكثر في المرحلة المقبلة".
وأوضح جمعة أن "المشكلة في موضوع المكاتب الاقتصادية أنها اسم لا وجود لكيان ثابت له ولا توجد جهة تتبناه سواء من الفصائل أو من الأحزاب السياسية المتنفذة، لكنها واقع قائم ويمارس نشاطه في عمليات الاستيلاء والهيمنة الاقتصادية بشكل لا يخفى على الجميع".
رغبة حقيقية
لكن الصحفي زياد السنجري والذي كشف سابقا العديد من ملفات الفساد في نينوى، يرى بأن هناك رغبة حقيقة من قبل إدارة المحافظة الحالية لمواجهة المكاتب الاقتصادية وإضعافها تمهيدا لإنهائها.
وقال السنجري لشبكة "الساعة": إن "نينوى ومنذ استعادتها من سيطرة داعش تواجه مشكلتين رئيسيتين، الأولى تتمثل بالفساد المستشري في مؤسسات الدولة، والثانية تتمثل بهيمنة المكاتب الاقتصادية للفصائل والأحزاب السياسية".
وأضاف: أن "تصريحات الدخيل تكشف عن رغبة في معالجة هذه المشكلة، لكنه رهن ذلك بترجمة ذلك حرفيا على أرض الواقع وألا تبقى مجرد تصريحات لا تأخذ طريقها للتنفيذ"، مبينا أن "البدء الفعلي بمحاربة هذه المكاتب يعني تعافي الموصل من أبرز المشاكل التي تواجهها في المرحلة الحالية".
هل تصدق الوعود؟
ويتفق مع ذلك الناشط الموصلي سيف آلحمدان الذي أكد ضرورة دعم أي جهود صادقة وحقيقية لمحاربة ظاهرة الاستيلاء على موارد وأموال نينوى عبر المكاتب الاقتصادية للجهات المسلحة والأحزاب.
وأشار آلحمدان في حديث لشبكة "الساعة" إلى أن المكاتب تغلغلت مؤخرا في جميع مفاصل ومؤسسات المحافظة وباتت تستولي على نسب من المشاريع تصل إلى 25 % من قيمة المشروع".
وبين الناشط الموصلي أن "وعود المحافظ الجديد بهذا الملف إن صدقت ونفذت على الواقع فإن أبناء نينوى سيكونون الداعم الأكبر لهذا الجهد"، لافتا إلى أن "مكافحة أنشطة المكاتب الاقتصادية سينعكس إيجابا على الموصل من خلال زيادة عدد المشاريع وارتفاع مستوى كفاءة التنفيذ".
وتداول الإعلام لأول مرة موضوع أنشطة المكاتب الاقتصادية في نينوى عقب حادثة غرق العبارة في نهر دجلة والتي راح ضحيتها نحو 200 شخص بسبب غياب إجراءات السلامة والأمان ومخالفة التعليمات، حيث أظهرت المعلومات عقب الحادثة أن مشروع الجزيرة السياحية مملوك للعصائب، ليتضح فيما بعد المئات من المشاريع التي تسطير عليها هذه الفصائل والجهات السياسية المتنفذة.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام