تلاشت آمال ذوي المغيبين من أبناء كركوك في سجون إقليم كردستان العراق بعد توقف أعمال اللجنة الخاصة المشكلة لمتابعة هذا الملف بشكل مفاجئ قبل البدء بأي إجراءات من شأنها الكشف عن مصير آلاف المغيبين وأغلبهم من المكون العربي في المحافظة ذات التواجد السكاني المختلط العربي والكردي والتركماني.
محافظ كركوك راكان سعيد الجبوري اتهم الجهات الكردية وتحديدا وزير العدل في الحكومة العراقي خالد شواني وهو قيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، "اليكتي" بعرقلة عمل اللجنة الحكومية المركزية وتأجيل عملها إلى ما بعد الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في الـ 18 من كانون الأول / ديسمبر الجاري.
وقال الجبوري خلال كلمة في مؤتمر انتخابي بمحافظة كركوك وتابعته شبكة "الساعة": إن "اللجنة الخاصة بمتابعة ملف المغيبين يفترض أن تبدأ أعمالها بجمع المعلومات اعتبارا من يوم 15 تشرين الثاني، وكان من المفترض أن تنهي أعمالها خلال فترة زمنية محددة بشهرين فقط".
وأضاف الجبوري: أن "اللجنة زارت محافظة كركوك وزارت إقليم كردستان، لكن تفاجأنا بتوقف عمل اللجنة بناء على توصية من وزير العدل خالد شواني الذي رهن الموضوع بالانتخابات المحلية".
وأكد محافظ كركوك رفضه لربط قضية المغيبين والتي تعد من أبرز الملفات الإنسانية في كركوك بموضوع الانتخابات، متهما أطرافا كردية بالعمل على مواصلة سياستهم السابقة تجاه العرب، متهما تلك الجهات بأنها ما تزال تحمل نفس الفكر الذي على أساسه هدمت القرى العربية ونهبت الأموال وغيب الأبناء ومورست سياسية الإذلال للمكون العربي".
تحديد مدة زمنية
وبحسب اللجنة المركزية الخاصة بالمغيبين فكان من المفترض إعلان نتائج عمل اللجنة منتصف شهر كانون الثاني المقبل، لكن بسبب التأخير والتوقف الحاصل فإن بداية العمل في اللجنة ربما ينطلق في هذا التاريخ.
ومنتصف شهر تشرين الثاني / نوفمبر الماضي، بدأت لجنة حكومية عمليات البحث والتقصي عن المئات من المفقودين من أهالي محافظة كركوك شمالي البلاد، والتي توجه أصابع الاتهامات لسلطات إقليم كردستان بالوقوف وراء عمليات اعتقالهم خلال سيطرة قوات البيشمركة على المحافظة قبل عمليات فرض القانون في 16 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
وبحسب نواب وممثلين عن العرب في كركوك فإنه وخلال فترة سيطرة الجهات السياسية والأمنية الكردية على كركوك جرى اعتقال وتغييب أعداد كبيرة من أبناء المحافظة، وأغلبهم من المكون العربي بذريعة أنهم مطلوبون للقضاء بتهم إرهابية، فيما يتهم ممثلو المكون التركماني الأحزاب الكردية بتصفية واغتيال العديد من قياداته في كركوك في تلك الحقبة.
وبعد احتلال العراق عام 2003، خضعت كركوك، المحافظة الأبرز ضمن المناطق المتنازع عليها بين حكومتي بغداد وأربيل، لسيطرة ونفوذ الأحزاب الكردية وقوات أمنية تابعة لإقليم كردستان، وامتد ذلك النفوذ لغاية تشرين الأول 2017.
وخلال حكومتي حيدر العبادي ومصطفى الكاظمي، 2014 ولغاية 2022 الماضي، شُكلت لجان حكومية لمتابعة هذا الملف، لكن تلك اللجان لم تقم بأي إجراءات فعلية على الأرض، وظلت قرارات على الورق، وفقا لما أكده محافظ كركوك راكان سعيد الجبوري، الذي اتهم صراحة سلطات الإقليم بتغييب الآلاف من أبناء كركوك طيلة السنوات التي سبقت عمليات فرض القانون.
الاتحاد يرد
وردا على تصريحات محافظ كركوك راكان الجبوري، أكد الاتحاد الوطني الكردستاني أن ما يروج له السياسيون العرب من كركوك بشأن ملف المغيبين لا يعدو كونه دعاية انتخابية.
وقال عضو المجلس القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني ستران عبد الله: إن "ملف المغيبين تحول إلى قضية "أسطورة" لا أساس لها من الصحة، مبينا أن هذا الموضوع يتم تداوله في الإعلام من قبل السياسيين العرب في كركوك من أجل كسب تعاطف العرب والحصول على الأصوات الانتخابية".
وأضاف: أن "حقيقة الأمر تؤكد وجود معتقلين من كركوك في سجون السليمانية وإقليم كردستان وهؤلاء يخضعون للقانون والقضاء العراقي ولا يمكن تسليمهم إلا بقرارات قضائية"، حسب تعبيره.
وأعلنت اللجنة المركزية الخاصة بالمغيبين الشهر الماضي، البدء بجمع المعلومات وتسجيل أسماء المُغيبين، وفق ما أفاد سعيد الجياشي رئيس اللجنة ومستشار رئيس الوزراء، الذي أكد أن هذه اللجنة ستكون مختلفة عن اللجان السابقة التي شكلت بهذا الخصوص لكنها لم تتوصل إلى أي نتيجة.
وقال الجياشي إن "اللجنة الخاصة بكركوك عقدت اجتماعات في بغداد وتسلمت قوائم بأسماء المعتقلين المغيبين من إدارة كركوك، ولكن اللجنة قررت وضع آلية جديدة لجمع المعلومات عبر تشكيل لجنة فرعية في كركوك تتولى إدارتها الحكومة المحلية، وتضم في عضويتها كل الأجهزة الأمنية ومفوضية حقوق الإنسان".
وأوضح رئيس اللجنة الحكومية أن اللجنة الفرعية ستبدأ بتسجيل أسماء المغيبين وبياناتهم اعتبارا من يوم الأربعاء المقبل الموافق الخامس عشر من تشرين الثاني الجاري، وستتواصل أعمالها لمدة شهرين وبعدها يتم رفع تلك الأسماء إلى اللجنة المركزية، والتي بدورها ستتحرك نحو السلطات في إقليم كردستان، للحصول على إجابات وافية عن مصير المعتقلين والمغيبين المسجلين رسميا.
وفي وقت سابق، حذر رئيس لجنة حقوق الإنسان البرلمانية أرشد الصالحي من ممارسة ضغوط سياسية على عمل اللجنة الحكومية الخاصة بمغيبي كركوك.
وقال الصالحي في تصريح لشبكة "الساعة": إنه يدعو لأن تكون اللجنة الحكومية الحالية مختلفة عن اللجان السابقة التي سبق وأن شكلت دون نتائج.
وأضاف الصالحي: أن لجنة حقوق الإنسان قدمت للحكومات السابقة استمارات خاصة بالمغيبين في كركوك وصلت إلى اللجنة عبر ذوي الضحايا والشخصيات المجتمعية والجهات السياسية في كركوك، لكن الحكومات السابقة لم تتعامل مع تلك الطلبات والاستمارات بجدية
الصالحي وهو الممثل التركماني في البرلمان عن كركوك أعرب عن أمله بأن تكون هذه اللجنة مختلفة عن سابقاتها، مبينا أن توصل اللجنة إلى نتائج إيجابية بخصوص المغيبين سيترك رسالة إيجابية لعموم العراقيين من جهة وللمجتمع الدولي من جهة ثانية.
أعداد المغيبين
مكتب مفوضية حقوق الإنسان في كركوك أعلن أنه يواصل العمل على جمع قاعدة البيانات الخاصة بالمغيبين من كركوك من أجل تقديمها للجنة المركزية حال عودتها للعمل من جديد.
وأكدت مديرة مكتب مفوضية حقوق الإنسان في المحافظة ظمياء محمد في تصريح لشبكة "الساعة" أن كوادرها سجلت بشكل رسمي نحو ألف حالة تغييب وإخفاء قسري في كركوك في الفترة الماضية.
وقالت ظمياء محمد إن "مكتب المفوضية يتلقى الشكاوى والمناشدات من الأفراد والجماعات ومنظمات المجتمع المدني عن كافة عن الانتهاكات السابقة واللاحقة وهي من صميم عمل المفوضية العليا لحقوق الإنسان والواردة في قانونها المرقم 53 لسنة 2008 الفقرة 5 و6، حيث إن كوادر المفوضية في مكتب كركوك استقبلت (934) ادعاء بالفقدان والاختفاء القسري".
وأضافت محمد: أن "إدارة محافظة كركوك سجلت ما يقارب 1800 ادعاء بالفقدان والاختفاء القسري حسب ما ذكر شفهيا، وحاليا سوف يتم العمل على توحيد تلك الطلبات بعد الاستلام الجديد لشكاوى المغيبين من قبل اللجنة الحكومية".
وأوضحت مسؤولة مكتب مفوضية حقوق الإنسان في كركوك أن "تشكيل اللجنة الحكومية الحالية تعد مبادرة وخطوة ايجابية نحو الأمام لحل مشكلة المغيبين وعوائلهم الذين ينتظرون معرفة مصير ذويهم. وإنهاء معاناتهم كون أن جرائم التغييب تعتبر من الجرائم ضد الإنسانية ولا تسقط بالتقادم"، حسب تعبيرها.
وأشارت محمد إلى أن "عمل اللجنة المركزية من المفترض أن يشمل البحث عن المغيبين في كركوك سواء في سجون إقليم كردستان أو في السجون العراقية الاتحادية".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام