يحيي العالم اليوم الأحد الذكرى الـ75 لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948.
ويعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وثيقة تاريخية هامة في تاريخ حقوق الإنسان، حيث اعتمدت الجمعية العامة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948 بموجب القرار 217 ألف بوصفه المعيار المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم، ويحدد هذا الإعلان وللمرة الأولى حقوق الإنسان الأساسية التي يتعين حمايتها عالميا.
وألهم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومهد الطريق لاعتماد أكثر من سبعين معاهدة لحقوق الإنسان، مطبقة اليوم على أساس دائم على المستويين العالمي والإقليمي.
وبينما تمر هذه الذكرى يشاهد العالم الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي تجري في قطاع غزة، جراء استمرار العدوان الإسرائيلي منذ أكثر من شهرين.
كما تشهد العديد من دول العالم انتهاكات واسعة لملفات حقوق الإنسان دون أن تحظى تلك البلدان بفرصة الظهور أمام الرأي العام العالمي، كما يجري في العراق الذي يسجل انتهاكات خطيرة على مدار العقود الأخيرة.
في آخر تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر العام الماضي 2022، أكدت فيه استمرار الإفلات من العقاب، وعدم معاقبة أي من المسؤولين عن جرائم القتل والاختطاف والتعذيب في البلاد.
وذكرت المنظمة في تقرير أن "سبل الحماية التي قدمتها الدولة بقيت متدنية، وأن الإفلات من العقاب كان هو السائد"، مبينة أن "أوضاع احتجاز السجناء، الذين ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيهم، انتهكت في السجون جرّاء تعرضهم للضرب المتكرر، وحشرهم في زنازين مكتظة وقذرة".
كما اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش السلطات العراقية بعدم الوفاء بوعودها بشأن ملاحقة منتهكي حقوق الإنسان، ومنهم قتلة المتظاهرين عامي 2019 – 2020.
وترصد منظمات حقوقية عراقية عبر بياناتها جملة انتهاكات لحقوق الإنسان في السجون الحكومية ومخيمات النازحين وملف الإخفاء القسري لآلاف العراقيين بدوافع طائفية، فضلا عن كبت الحريات والتضييق على حرية الصحافة وغيرها.
انتهاكات السجون
وتتصدر الانتهاكات في السجون العراقية ملفات انتهاكات حقوق الإنسان في العراق في السنوات الأخيرة بسبب فضاعة ما يجري فيها من تعذيب وانتزاع للاعترافات، فضلا عن الاعتقال خارج القانون من خلال الاعتماد على وشاية المخبر السري والبلاغ الكاذب.
وتركزت الاعتقالات التي خفت وتيرتها في الوقت الحالي في محافظة نينوى وصلاح الدين والأنبار وديالى، فضلا عن محافظة كركوك المختلطة قوميا، والعاصمة بغداد المختلطة طائفيا.
واستبعد المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب إنهاء ملف المعتقلين في السجون قريبا، واتهم السلطات الحكومية بالتعامل الطائفي مع هذا الملف.
وقال مدير المركز عمر الفرحان في تصريح لشبكة "الساعة": إن "عدد المعتقلين في السجون الحكومية التابعة لوزارة العدل يتراوح ما بين 60 ألف – 75 ألف معتقل أغلبهم محكومون بتهم الإرهاب، والباقي محكوم بتهم المخدرات والقتل والجرائم الجنائية الأخرى".
ولفت إلى "وجود أعداد أخرى من المعتقلين لدى القوات الأمنية لم يتم إصدار الحكم القضائي عليهم وهم منذ فترات طويلة في السجون خلافا للقانون الذي يوجب إصدار الحكم عليهم خلال فترة محدودة، بعد عرضه على القاضي خلال 24 ساعة من توقيفه".
وتابع: أن "المشكلة الرئيسية في ملف السجون الحكومية تكمن في ملف المعتقلين بقضايا الإرهاب، لأن اعتقالهم جرى بدوافع طائفية ودون وجود أدلة قانونية على تورط المعتقلين بارتكاب جرائم الإرهاب، إضافة إلى أن أغلب المعتقلين بهذه القضايا صدرت أحكام قضائية عليهم استنادا على الاعترافات التي انتزعت منهم بالقوة والإكراه".
وأكد أن "السمة في السجون العراقية هي الاكتظاظ وانحدار المستوى الصحي والخدمي ومخالفة القوانين العراقية والدولية في مجال التعامل مع نزلاء السجون"، وأشار إلى أن "أبواب السجون موصدة دائما بوجه المنظمات العراقية والدولية وذلك لضمان عدم الكشف عن فضائح التعذيب التي تجري داخلها".
التغييب القسري
الخبير القانوني علي البياتي أكد من جهته على استمرار الانتهاكات لحقوق الإنسان في العديد من المجالات، وأبرزها الانتهاكات داخل السجون الحكومية والتغييب القسري والعنف الأسري وضعف التعليم والصحة والتضييق على حرية الرأي والصحافة واستهداف أصحاب الرأي.
وقال البياتي في حديث لشبكة "الساعة": إن "السجون التابعة لوزارة العدل وحدها تضم أكثر من 60 ألف سجين وهي مكتظة بالنزلاء"، مبينا أن "التقارير الواردة من السجون تؤكد وجود عمليات تعذيب وابتزاز وسوء معاملة، وذلك يرجع لغياب الرقابة على السجون العراقية".
وأضاف: أن "ملف المغيبين هو الآخر من الملفات التي تؤكد استمرار الانتهاكات لحقوق الإنسان في العراق، ففي السنوات الأخيرة سجل العراق أكثر من 12 ألف مغيب لا يعرف مصيرهم لغاية اليوم"، مبينا أن "المشكلة في موضوع الإخفاء القسري تتمثل من خلال غياب الحلول المؤسساتية وغياب القانون الوطني لمعالجة المشكلة".
وتابع: أن "الانتهاكات الأخرى تتمثل بالعنف الأسري وتصاعد حالات العنف اليومية في البلاد، حيث تسجل حاليا في العاصمة بغداد وبشكل يومي 100 حالة تعنيف"، مبينا أن "مشكلة العنف الأسري لا يمكن حلها إلا عبر تفعيل القوانين الخاصة بذلك والتي تفرض عقوبات على مرتكبي جريمة التعنيف"، مشيرا إلى أن "حرية الصحافة والرأي أيضا في العراق تتعرض لانتهاكات واضحة سواء بالاعتداء التي تنفذها مجاميع خارجة عن القانون، أو انتهاكات تمارسها مؤسسات الدولة عبر تقديم ملاحقة الصحفيين والناشطين من خلال تقديم شكاوى في المحاكم ضدهم.
تجميد عمل المفوضية
وبشأن تجميد عمل مفوضية حقوق الإنسان في العراق، فأشار إلى البياتي إلى المخاطر التي تحيط بمصير حقوق الإنسان في البلاد في ظل غياب هذه المؤسسة المهمة التي من شأنها الكشف عن الانتهاكات لتلك الحقوق.
وقال البياتي: إن "المفوضية متخصصة بمراقبة عمل الحكومة فيما يخص حقوق الإنسان، وتمتلك صلاحية التحقيق في الانتهاكات والإحالة إلى المحاكم وتحريك المؤسسات الرسمية عبر عملها".
وزاد: أن "غياب هذه المؤسسة عن المشهد يعني غياب المساءلة وغياب التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، محملا القوى السياسية المسؤولية الكاملة عن توقف عمل المفوضية منذ أكثر من عامين".
ولفت البياتي إلى أن "الحكومات المتعاقبة والطبقة السياسية التي تشكل تلك الحكومات هي المستفيد الأول والأخير من تعطل عمل المفوضية، لأن عملها سيؤدي إلى كشف الانتهاكات التي تمارسها مؤسسات الدولة، وبالتالي ستكشف الانتهاكات التي تقف ورائها الجهات السياسية المعينة التي من حصتها هذه الوزارة أو تلك".
وفي تموز 2021، جُمّد عمل مفوضية حقوق الإنسان العراقية، ولم يُتَّفَق على اختيار مجلس أمناء جديد للمفوضية، التي انتهت ولايتها الحالية في 20 يوليو/ تموز 2020 بعد إكمال مدة أربع سنوات، وفقاً لما ينص عليه القانون المنظم لعملها.
وطوال المدة الماضية، لم تنجح القوى السياسية العراقية في التوصل إلى اختيار تشكيلة أعضاء المجلس الجديد، البالغ عددهم 11 عضواً ورئيساً للمفوضية، فيما يؤكد أعضاء سابقون فيها أن الاستغناء عن مفوضية حقوق الإنسان العراقية أدّى إلى توسع في الظواهر العنيفة والتعسفية بحق فئات من المجتمع، جرّاء غياب الرقابة، بالإضافة إلى تعطيل دور نحو 550 مراقباً وعضو رصد في البلاد.
وتُعَدّ مفوضية حقوق الإنسان العراقية من الهيئات المستقلة التي تأسّست في عام 2008، وهي ترتبط عملياً بالبرلمان مثل الهيئات المستقلة الأخرى، مثل هيئة الإعلام والاتصالات ومفوضية الانتخابات وهيئة النزاهة.
ومرّ أكثر من عامين ونصف عام على تجميد مفوضية حقوق الإنسان العراقية، من دون أن تشكل مفوضية جديدة، بسبب إشكالية المحاصصة الحزبية التي تسعى مختلف الأطراف السياسية لنيل أكبر عدد من مقاعدها، ما ترتب عن ذلك سلسلة من الانتهاكات التي لم تسجل، وهو ما أثّر بمتابعة ومراقبة الملفات الإنسانية في البلاد.
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام