تمر اليوم العاشر من كانون الأول / ديسمبر 2023، الذكرى السادسة لإعلان السلطات العراقية النصر على تنظيم "داعش" وإنهاء وجوده وسيطرته على المدن العراقية التي استمرت منذ العاشر من حزيران 2014.

ففي مثل هذا اليوم عام 2017، أعلن رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي انتهاء المعارك ضد داعش وتحقيق النصر عليه بعد معارك استمرت لأكثر من 3 سنوات.

واعتمدت السلطات العراقية هذا التاريخ عطلة رسمية في عموم أنحاء البلاد، عدا إقليم كردستان الذي يعتبر نفسه في كثير من الأحيان جزءا مستقلا عن الدولة العراقية.

وبمناسبة يوم النصر على "داعش"، تبادل المسؤولون العراقيون والسياسيون التهاني والتبريكات عبر بيانات رسمية أكدت صمود القوات العراقية ونجاحها في كسر وهزيمة التنظيم الإرهابي الأخطر في العالم.

وقال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في كلمته بمناسبة الذكرى السادسة للانتصار على "داعش": إن "العراقيين حققوا النصر التاريخي على تنظيم داعش نيابةً عن العالم والإنسانية جمعاء".

وأضاف: أن "العراقيين اليوم يخوضون معركة الإعمار والبناء، ومحاربة الفساد، وتحدّي تأمين الخدمات، انطلاقاً من الاستقرار المتحقق بفضل التضحيات التي بذلت خلال المعارك ضد الإرهاب".

لكن بيانات المسؤولين العراقيين لم تتطرق لضحايا تلك المعارك من المدنيين، فعشرات آلاف المدنيين قضوا بسبب عمليات القصف التي سبقت اقتحام القوات العراقية، وأغلب هؤلاء الضحايا لم يتم احتسابهم كشهداء ولم يتم تعويض ذويهم ماديا لغاية اليوم.

ورغم مرور 6 سنوات على انتهاء العمليات العسكرية وإعلان النصر إلا أن تداعيات الحرب وآثارها ما تزال شاخصة وقائمة على الحجر والبشر، فآلاف البنايات في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وكركوك وديالى ما تزال مدمرة، فيما تسببت الحرب بتغييب وإخفاء آلاف العراقيين من أبناء هذه المحافظات قسرا وما يزال مصيرهم مجهولا لغاية اليوم.

 

جهات متورطة بتغيب الآلاف

ويمثل ملف المختفين قسرا أبرز الملفات السنية العالقة التي عجزت 4 حكومات متعاقبة عن إيجاد الحلول لها حكومات حيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني.

ولا توجد إحصائية رسمية بأعداد المغيبين من المدن المحررة لكن معلومات أدلت بها منظمات حقوقية عراقية ودولية، ولجان برلمانية وإدارة المحافظات التي ُغيب أبناؤها أوضحت أن العدد يتراوح ما بين (25 – 30) ألف مغيب.

وبحسب شهادات أدلى بها ذوو المغيبين فإن 3 جهات تقف وراء عمليات تغييب المدنيين من المدن المحررة، الجهة الأولى: هي تنظيم داعش خلال سيطرته على تلك المدن ويرجح أن جميع المختطفين الذين غيبهم التنظيم قد تمت تصفيتهم.

أما الجهة الثانية فهي الفصائل المسلحة المنخرطة ضمن الحشد الشعبي، إذ أظهرت مقاطع مصورة خلال فترة العمليات العسكرية اختطاف عراقيين واقتيادهم إلى جهة مجهولة، فيما أظهرت مقاطع أخرى تصفية المختطفين جماعيا.

أما الجهة الثالثة، فهي القوات الرسمية الحكومية ومنها قوات الجيش العراقي وقوات الشرطة الاتحادية والرد السريع، بحسب شهادات قدمها ذوو الضحايا.

ويعرّف القانون الدولي الإخفاء القسري على أنه توقيف شخص ما على يد مسؤولين في الدولة أو وكلاء للدولة، أو على يد أشخاص أو مجموعات تعمل بإذن من السلطات، أو دعمها أو قبولها غير المعلن، وعدم الاعتراف بالتوقيف أو الإفصاح عن مكان الشخص أو حالته.

 

26 ألف مغيب

مرصد أفاد الحقوقي العراقي كشف عن تسجيل أكثر من 26 ألف حالة إخفاء وتغييب لمواطنين في المدن التي شهدت عمليات عسكرية.

وقال المتحدث باسم المرصد حسين دلي في تصريح لشبكة "الساعة": إن " قضية المغيبين كانت ومازالت إحدى أبرز معالم الاحتقان في المجتمع العراقي وسط اتهامات لفصائل مسلحة وبعض المنتسبين للأجهزة الحكومية بالمشاركة في اختطاف الآلاف من المدنيين خلال سنوات استعادة المناطق المحررة من قبضة تنظيم داعش بعد العام 2014".

وأضاف دلي: أن "ما زاد من تعقيد هذا الملف ما قاله رئيس البرلمان العراقي السابق محمد الحلبوسي العام الماضي بشأن مصير المختطفين والمغيبين في العراق بعد سنوات من المطالبة بحسم مصيرهم، بإعلانه رسمياً أن أغلب المختطفين تم إعدامهم على يد المليشيات المسلحة خلال عمليات طرد تنظيم داعش في العراق، حيث استخدم وصف المغدورين للآلاف ممن جرى خطفهم بين أعوام 2014-2017".

وأشار دلي إلى أن "قضية المغيبين امتدت لتشمل مئات من شباب ثورة تشرين الذين تُتهم ذات الفصائل المسلحة باختطافهم وقتلهم، وتشمل كثيراً من الشباب الذين تظاهروا بين 2019-2021 للمطالبة بوقف الفساد ومحاسبة سُراق المال العام وإصلاح وتغيير العملية السياسية في العراق".

وأوضح أن "قضية المغيبين تعود لما بعد أيام الاحتلال عام 2003، إذ شهدت المحافظات العراقية خلال فترة السنوات الأولى للاحتلال الأمريكية، وما تلاها من اندلاع أعمال عنف طائفي واسعة عقب تفجير مرقدي سامراء عام 2006 أعمال تغييب واختطاف وقتل واسعة، حتى وصلت أعداد المفقودين إلى نحو مليون عراقي".

وشدد المتحدث باسم مرصد أفاد على أن "الحكومات العراقية المختلفة والبرلمان ومجلس القضاء وممثلي الأمين العام للأمم المتحدة المتعاقبين شركاء في التستر على عواقب هذا الملف ويتحملون مسؤولية كبيرة بسبب التقاعس عن كشف هوية تلك الفصائل التي مارست عمليات الخطف والإعدام للآلاف من المدنيين الأبرياء والجرائم التي ترقى إلى عمليات تطهير عرقي".

 

مغيبون من نينوى

رئيس المنظمة المتحدة لحقوق الإنسان الناشطة في الموصل سامي الفيصل أكد توثيق 8200 مغيب من محافظة نينوى منهم من غُيّب خلال سيطرة "داعش" ومنهم خلال محاولة الفرار من المدينة، فيما غيّب آخرون عقب العمليات العسكرية لاستعادة المحافظة.

وقال الفيصل لشبكة الساعة: إن "مصير هذه الأعداد ما يزال مجهولاً منذ سنوات، وإن بعض العائلات تدعي بأن ذويهم المغيبين موجودون في سجون حكومية سرية، ولكن لم يتم التأكد من صحة تلك المعلومات". 

وأضاف أن "المنظمة وثقت فقدان 420 شخصاً خلال هروبهم من مناطق داعش في الموصل إلى مناطق القوات العراقية خلال عامي 2015 و2016".

وأكد الفيصل أن "المشكلة التي تظهر إضافة إلى مشكلة التغييب هي أن هؤلاء المفقودين لا توجد أوراق رسمية تؤكد وفاتهم، ما تسبب بتعليق جميع الملفات التي تخصهم في دوائر الدولة وتركها بدون حسم ومنها قضايا الطلاق والميراث، والحقوق المالية، والتعويضات، وغيرها".

وانتقد موقف الحكومة المركزية وصمتها تجاه ملف المغيبين والمختطفين في نينوى. وقال إن "السلطات تلتزم الصمت ولا تجرؤ على فتح الموضوع، داعياً إلى تدخل دولي لحسم هذا الأمر".

 

مغيبون من صلاح الدين

مجلس شيوخ عشائر صلاح الدين، كشف عن وجود أكثر من ثمانية آلاف مغيب من أهالي المحافظة خلال الحرب مع داعش.

وقال المتحدث باسم مجلس الشيوخ، مروان الجبارة إن "أعداد المغيبين في صلاح الدين يفوق 8 آلاف شخص مسجلين لدى الدوائر القضائية والشرطة والمفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق".

وأكد أنه "تم تزويد الحكومات المتعاقبة بأسماء المغيبين من محافظة صلاح الدين لكن لم تقدم الجهات الرسمية أي معلومات بشأن مصيرهم".

ولفت الجبارة إلى أن "هناك مواطنين غيبهم تنظيم داعش الإرهابي أو اعتقلوا واختفوا في عمليات التحرير من قبل جهات مسلحة تعمل مع الأجهزة الأمنية"، منتقدا "عجز الحكومات السابقة عن حل وإنهاء ملف المغيبين رغم المآسي الإنسانية التي تعرضت لها أسرهم".

 

مغيبون من الأنبار

وفي الأنبار، يتجاوز عدد المغيبين الـ 6 آلاف بحسب مجلس محافظة الأنبار المنحل، وبحسب إفادة المرصد العراقي لحقوق الإنسان.

وتوزع مختطفو الأنبار بين مختطفين لدى تنظيم داعش، ومختطفي الرزازة الذين يزيد عددهم عن ألف مغيب تتهم الفصائل المسلحة بتصفيتهم، ومختطفي الصقلاوية وعددهم يزيد عن 600، اختطفوا خلال العمليات العسكرية من قبل قوة مشتركة من الشرطة الاتحادية والحشد الشعبي.

وبعد هذه السنوات يطالب ذوو المغيبون من المدن المحررة بحسم هذا الملف والكشف عن مصير أبنائهم ومصيرهم إن كانوا أمواتا أو أحياءً، فيما تحذر جهات حقوقية من تجاهل السلطات العراقية لهذا الملف الإنساني الحساس من جهة، واستغلاله من جهات سياسية في الدعاية الانتخابية من جهة أخرى.