في خطوة نادرة الحدوث، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تفعليه للمادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة لأول مرة منذ توليه منصبه.
ودعا غوتيريش مجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ إجراءات لتجنب وقوع كارثة إنسانية أكبر في قطاع غزة الذي يشهد منذ أكثر من شهرين عدوانا "إسرائيليا" حرق الأخضر واليابس، دون أن تلوح لهذا العدوان أي إشارة للتوقف.
بينما قال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمم المتحدة، في بيان للصحافيين: إن هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها غوتيريش أنه مضطر إلى الإشارة إلى هذه المادة منذ توليه منصبه عام 2017.
وفي الفصل الخامس عشر من الميثاق التأسيسي للأمم المتحدة، تنص المادة (99)، والتي نادراً ما تُستخدم، على أنه يحق للأمين العام أن "ينبّه مجلس الأمن إلى أي مسألة يرى أنها قد تهدد حفظ السلم والآمن الدوليين".
حرب غزة تهدد الأمن الدولي
ورداً على أسئلة الصحافيين حول معنى ومغزى الخطاب، قال دوجاريك: إن "الأمين العام يُفعّل بذلك السلطة التي يمنحها له الميثاق فيما يمكن أن يُوصف بالخطوة الدستورية الكبرى".
وأضاف: أن "تلك المادة تعد أقوى أداة يمتلكها الأمين العام في إطار مـيثاق الأمم المتحدة، حيث إن الأمم المتحدة تقترب من نقطة الشلل التام لعملياتها الإنسانية في غزة في مكان قُتل فيه نحو 17 ألف شخص، و130 من العاملين بالأمم المتحدة".
وتابع دوجاريك أن "الأمين العام لا يستخدم كلمة كارثة باستخفاف"، وأعرب عن الأمل في أن يستمع مجلس الأمن لدعوة الأمين العام وينهي الكارثة الموجودة في قطاع غزة.
وأكد المتحدث باسم الأمم المتحدة أن ما تشهده غزة اليوم فعلا وواقعا يدخل ضمن إطار تهديد السلم والأمن الدوليين.
موقف غوتيريش الأخير جاء عقب دعوات متكررة وجهها لوقف إطلاق في غزة لأسباب إنسانية، منذ اندلاع الحرب بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس، عقب عملية طوفان الأقصى التي نفذتها المقاومة الفلسطينية يوم السابع من تشرين الأول / أكتوبر الماضي.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة في رسالته إلى مجلس الأمن: "في مواجهة خطر شديد بانهيار النظام الإنساني في غزة، أحث المجلس على المساعدة في تجنب كارثة إنسانية، وأدعو إلى إعلان وقف إطلاق النار الإنساني".
وأضاف: "أحث أعضاء مجلس الأمن على الضغط من أجل تفادي وقوع كارثة إنسانية، وأكرر ندائي من أجل إعلان وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية، فهذا أمر عاجل، ويجب تجنيب السكان المدنيين المزيد من الأذى".
ماذا تتضمن المادة 99؟
وردت المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة في الفصل الـ 15 الذي يتعلق بالأمانة العامة للمنظمة ومهام الأمين العام.
وتقول المادة 99: "يحق للأمين العام أن ينبه مجلس الأمن إلى أي مسألة يرى أنها قد تهدد حفظ السلم والأمن الدوليين".
وهذه المادة واحدة من بين خمس مواد في ميثاق الأمم المتحدة تحدد مهام الأمين العام، وهي أكثرها أهمية في سياق السلام والأمن الدوليين.
وتسمح المادة 99 للأمين العام ببدء مناقشة في مجلس الأمن بخصوص السلم والأمن الدوليين، فالأمين العام السابق، داغ همرشولد، شدد على أن المادة 99 هي التي حولت منصب الأمين العام من مسؤول إداري بحت إلى مسؤول يتمتع بمسؤولية سياسية واضحة.
ونادراً ما يتم اللجوء إلى المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة، إذ سبق واستخدمت لمرة واحدة في ستينات القرن الماضي بشأن الكونغو، وأدى اجتماع مجلس الأمن إلى عملية عسكرية تابعة للأمم المتحدة لمساعدة حكومة الكونغو.
رفض "إسرائيلي"
لكن "إسرائيل" كعادتها تواصل ضرب المنظومة الأممية عرض الحائط وتصر على مواصلة عدوانها على غزة، إلى جانب شنها هجوما غير مسبوق على الأمين العام للأمم المتحدة.
ودعا وزير الخارجية الإسرائيلي، إيلي كوهين، إلى استقالة غوتيريش، قائلا إن ولاية الأمين العام للأمم المتحدة "تشكل خطرا على السلام العالمي".
وكتب كوهين، على منصة "X": إن "قرار غوتيريش بتفعيل هذا المادة هو "تأييد لقتل كبار السن واختطاف الأطفال واغتصاب النساء"، حسب زعمه.
وقال مندوب إسرائيل، غلعاد إردان عبر منصة "X": إن "غوتيريش بلغ مستوى جديدا من التدني الأخلاقي لاستخدامه المادة 99".
وأضاف أن "الأمين العام قرر تفعيل هذه المادة بشكل نادر من أجل أن يُسمح له فقط بالضغط على إسرائيل".
ووصف إردان خطوة غوتيريش بأنها "دليل إضافي على الانحراف الأخلاقي للأمين العام وانحيازه ضد إسرائيل".
أما نائب المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، روبرت وود فقال: إن "الولايات المتحدة لا تدعم أي إجراء آخر من جانب مجلس الأمن في الوقت الحالي".
وكان خلاف دبلوماسي قد اندلع بين إسرائيل والأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول، حين دعا مسؤولون إسرائيليون إلى استقالة غوتيريش بعد أن قال إن هجمات "حماس" في 7 أكتوبر/تشرين الأول "لم تحدث من فراغ".
تأييد عربي
وتسعى الدول العربية إلى استخدام هذا التنبيه في دفع مجلس الأمن إلى الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غضون أيام، إذ قدمت دولة الإمارات إلى المجلس مشروع قرار يطالب، بناء على رسالة غوتيريش، "بوقف إنساني فوري لإطلاق النار" في الصراع بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية.
الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، عبر عن تأييده لمبادرة غوتيريش، وقال في تدوينة على منصة "X": إن "لجوء الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن وفق المادة 99 من الميثاق لأول مرة منذ توليه منصبه يشهد على فداحة الموقف، ولابد أن يتحمل المجلس مسؤوليته بعد هذا الإفشال المتكرر".
وأعلن مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس غيبريسوس، دعمه لتفعيل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة.
وقال غيبريسوس إن "النظام الصحي في غزة على وشك الانهيار"، وأكد على وجود حاجة للسلام من أجل الصحة.
موقف العراق
الحكومة العراقية أكدت موقفها الداعم لموقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إزاء ما يحدث من انتهاكات صارخة في غزة.
وقال المتحدث باسم الحكومة باسم العوادي في بيان ورد لشبكة "الساعة": إن "الحكومة العراقية تعرب عن دعمها موقف الأمين العام للأمم المتحدة إزاء ما يحدث من انتهاكات صارخة في غزة، وقيامه بتفعيل المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تمنح الأمين العام صلاحية (لفت انتباه مجلس الأمن إلى أية مسألة يرى أنها قد تهدد حفظ السلم والأمن الدوليين)، لافتاً الى أن "العراق يؤكد أن الكوارث التي حصلت بسبب العدوان قد أدت إلى مأساة إنسانية تستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لوقفها".
هل المادة ملزمة؟
من جانبه يرى الخبير القانوني علي التميمي أن تفعيل غوتيريش المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة يحمل جانبا من الإلزام لمجلس الأمن، وذلك من أجل تدارك المخاطر التي تهدد السلم العالمي جراء القتال في غزة.
وقال البياتي في حديث لشبكة "الساعة": إن "استخدام الأمين العام للأمم المتحدة صلاحياته الممنوحة له في المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة والتي لم تستخدم منذ 1989، هي إشارة واضحة إلى خطورة الوضع من حيث تهديد السلم العالمي".
وأضاف: أن "هذه المادة تمنح الأمين العام سلطة إخطار مجلس الأمن بأي حالة يعتقد أنها قد تعرض السلام والأمان العالميين للخطر، وهي أحد الأحكام الرئيسية في ميثاق الأمم المتحدة التي تمكن الأمين العام من لعب دور نشط في التعامل مع التهديدات المحتملة للسلام الدولي".
وتابع: أن "هناك جانبا إلزاميا لمجلس الأمن وفقاً للمادة 99، فإذا قام الأمين العام بإحالة مسألة معينة إلى مجلس الأمن بسبب اعتقاده بأنها قد تهدد السلام الدولي والأمان، فإن مجلس الأمن مطالب بالنظر في هذه المسألة واتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل معها"، وبالتالي، فإن "مجلس الأمن يتحمل مسؤولية التصرف واتخاذ القرارات المناسبة لحفظ السلام والأمان الدوليين في حالات الطوارئ المحتملة".
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام