أعادت تصريحات إعلامية أطلقها السياسي الشيعي بهاء الأعرجي ملف إقصاء المكون السني في العراق إلى الواجهة من جديد، وأكدت مصداقية الجهات التي ترى بأن العملية السياسية في البلاد وإدارة الدولة سياسيا وأمنيا واقتصاديا تخضع لهيمنة جهة واحدة، في إشارة إلى المكون الشيعي.
بهاء الأعرجي السياسي المقرب سابقا من زعيم التيار الصدري والمعروف بخطابه الطائفي وتصريحاته السياسية النارية، تحدث في أحد البرامج التلفزيونية عن استحقاقات المكونات في المناصب العليا بالدولة العراقية.
وذكر الأعرجي أن "المكون الأكبر وهو المكون الشيعي الذي يشكل الحكومة، يفترض أن يتولى أيضا تشكيل مجلس النواب، ولكن جرى (استعطاف السنة) فتم منحهم منصب رئاسة البرلمان لإنهاء مقاطعتهم للعملية السياسية في الفترة الأولى التي أعقبت عام 2003"، حسب قوله.
صمت سني
اللافت فيما بعد تصريحات الأعرجي، صمت اغلب القيادات السنية النشطة حاليا في العراق والتي لم تخرج بموقف أو حتى بيانات تجاه هذه التصريحات التي يصفها البعض بأنها أقل ما توصف بالإهانة والإساءة للمكون العربي السني.
فالسياسيون السنة منشغلون بمعارك داخلية لتصفية الحسابات فيما بينهم، وكان الشهر الماضي الأشد خصومة، إذ أسفرت تلك الخلافات عن الإطاحة برئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي من منصبه وأنهت عضويته في مجلس النواب بقرار سياسي من مجلس النواب.
وظهر الحلبوسي في مؤتمر صحفي كاشفا أسماء الجهات التي تقدمت بشكاوى في القضاء ضده وغالبيتهم من القوى والكتل السنية وخاصة من محافظة الأنبار التي ينتمي لها الحلبوسي.
ووصف مراقبون عراقيون التصريحات التي أطلقت مؤخرا بشأن الانتخابات المحلية واختلال التوازن المكوناتي في ما تسمى المناطق المختلطة بأنه تصعيد طائفي خطير من شأنه إعادة الأجواء المشحونة التي كانت في السنوات الماضية، فيما يعدها البعض دليل واضح على فشل منظومة الحكم في إدارة البلاد.
فشل منظومة الحكم
النائب السابق، هوشيار عبد الله أكد أن تصريحات نائب رئيس الوزراء الأسبق بهاء الأعرجي، بشأن منح منصب رئيس مجلس النواب للسنة استعطافاً، يعكس إدارة الدولة الفاشلة التي تعتمد على سياسيين يقيمون أسس الحكم على أساس الحصص والعطف والاستعطاف.
وقال عبد الله في تغريدة على منصة "X" : إن "الدولة لا تدار بفلسفة (الاستعطاف أو العطف) الذي ذكره المفكر الكبير ورجل الدولة الذي ينافس تشرتشل في عبقريته"!
وأضاف عبد الله وهو برلماني سابق عن حركة التغيير: "أي أحد يريد أن يعرف لماذا تجربة ما بعد 2003 لإدارة الدولة العراقية فاشلة بامتياز، فلينظر إلى هذه النماذج التي تقوم بتقسيم الحصص بناءً على (العطف والاستعطاف)"، مبينا أن "هؤلاء (الاستعطافيين) كانوا فاعلين رئيسيين في الدولة العراقية"، مشيرا إلى أن "الشيء الوحيد الذي يستحق العطف هو الحال الذي وصل إليه البلد بسبب انتهازية بعض السياسيين وأنانيتهم وفشلهم الكبير حتى في إدارة مناطقهم، حيث تسببوا بإعادة العراق 100 سنة إلى الوراء"، حسب وصف البرلماني.
استسلام للقرار الشيعي
السياسي السني أثيل النجيفي لم يستغرب من التصريحات التي أطلقها الأعرجي، وعدها حالة طبيعية لتراجع الدور السني في العراق وتحوله إلى أقلية، في حين يحاول بعض من يمثلون المكون كسب ود ورضا الجانب الشيعي قبل كل اعتبار.
وقال النجيفي في تصريح لشبكة "الساعة": إنه "ليس من الغريب تباهي بعض الشيعة بأن منصب رئيس البرلمان هو منة منهم على السنة".
وأضاف: أن "رئيس مجلس النواب الأسبق أسامة النجيفي رفض في عام 2018 تولي هذا المنصب عندما عرض عليه كمنة تقدم من أطراف شيعية، وفضل أن يحافظ على اسمه وسمعته بدلا من تقبل هذه المنة والخضوع لاستحقاقاتها"، حسب قوله.
وأكد النجيفي أن الوضع السياسي السني انحسر منذ العام 2018 وتحول إلى أقلية تخشى الاتهام بالـ (الدعشنة) وتريد أن ترضي الأغلبية الشيعية وتستجيب لكل شروطها".
وتابع: أن "الطرف الشيعي وللأسف انحسرت فيه سلطة العقلاء الذين يدركون مخاطر هذه الحالة السنية بينما استقوت سلطة الشيعة المندفعين الذين لا يحسبون الحسابات بعيدة المدى في غياب قيادات سنية محترمة في الوسط السني".
وبشأن إبعاد الحلبوسي عن منصب رئاسة البرلمان قال النجيفي: إن "الحلبوسي كان أحد ثمرات الاستسلام السني للقرار الشيعي والذي استغل نفوذه لدى الشيعة لضرب كل الزعامات والقيادات السنية التي تؤثر على وضعه الشخصي .. وبالتالي وقع ضحية لما زرعه هو".
وأعرب النجيفي عن "تفاؤله في المرحلة المقبلة لأنه يرى في الحالة التي مر بها السنة نتيجة الانكسار في مرحلة داعش وما اعقبها قد خفت الآن"، مبينا أن "الوضع بعد إقصاء الحلبوسي يبدو إيجابيا للحد من سلطة السياسيين السنة الذين يحاولون تدجين مجتمعهم بالاعتماد على الغير"، مشيرا إلى أن "الصراعات السياسية الحادة في انتخابات مجالس المحافظات هي الخطوة الأولى للتعافي السني الذي قد يكتمل مع الانتخابات البرلمانية القادمة"، مشددا على أنه "ليس من المهم من يتولى منصب رئاسة البرلمان حاليا ولكن ما يهم هو متابعة العودة السنية للحياة السياسية في العراق".
البديل مرهون بالانتخابات المحلية
الباحث والصحفي العراقي عمر الجنابي أكد أن الانقسام السياسي الذي تعيشه القوى السنية دفع باتجاه خضوع منصب رئاسة البرلمان وباقي المناصب الأخرى للقوى الشيعية الماسكة لزمام الحكم منذ 2003.
ورهن خضوع البديل المقبل للحلبوسي بالانتخابات المحلية ولا سيما في العاصمة بغداد، على خلفية المخاوف الإطارية من سيطرة السنة على منصب المحافظ بعد مقاطعة الكتلة الصدرية.
وقال الجنابي في حديث لشبكة "الساعة" إن "الانقسام السياسي السني سينعكس سلبا على اختيار رئيس مجلس النواب المقبل خلفا للرئيس السابق محمد الحلبوسي، لاسيما مع تصاعد التراشق والخلافات بين الجانب القريب من الحلبوسي والاتجاه المعادي له".
وأضاف: أن "انتخاب رئيس المجلس سيؤجل إلى ما بعد الانتخابات بدعم من الإطار التنسيقي ويرجع ذلك لسبب وحيد وهو أن الوضع بعد انسحاب الكتلة الصدرية بدا واضحا أن السنة العرب سيكون لهم الحضور الكبير في الحكومة المحلية ومجلس المحافظة في العاصمة بغداد".
وتابع: أن "منصب رئيس البرلمان المقبل سيخضع للمساومات من قبل الإطار التنسيقي، فالجهة العربية السنية التي ستمنح الإطار منصب محافظ بغداد هي التي ستحضى بدعم الإطار في الحصول على رئاسة البرلمان".
وأشار إلى أن "القرار الشيعي سيكون له تاثير كبير على الشخصية التي ستاتي لمنصب البرلمان وهذا يعني إضعاف كبير للموقف السني الذي يعيش حالة الانقسام السياسي"، لافتا إلى أن "استمرار ضغط التيار الصدري على الإطار ربما سيدفع نحو تأجيل الانتخابات المحلية، وبالتالي سيبقى منصب رئيس البرلمان شاغرا لحين إجراء الانتخابات المحلية لضمان حصول الإطار على منصب المحافظ في العاصمة بغداد".
ونوه الجنابي إلى "ضرورة أن يكون الضامن الدولي والإقليمي للجانب السني في العملية السياسية حاضرا في هذه المرحلة، من أجل ضمان منح المنصب قبيل الانتخابات المحلية، فضلا عن محاولة إبعاد المنصب عن الهيمنة والضغوطات من قبل الإطار التنسيقي".
ومن المقرر أن تجري الانتخابات المحلية في العراق في الثامن عشر من شهر كاون أول المقبل، وهي أول انتخابات محلية تجري منذ 2013.
ومنذ أشهر بدأت قيادات في الإطار التنسيقي تحذر مما تسميه اختلال التوازن المكوناتي في العاصمة بغداد، وذلك بسبب مقاطعة التيار الصدري واحتمالية تصدر القوى السنية المشهد الانتخابي
ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات
اشترك بقناتنا على تلغرام