تترقب عيون المعتقلين في السجون الحكومية العراقية الحرية التي يئسوا الوصول إليها طيلة السنوات السابقة، لكن إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية خلال الأسبوع الأخير أحيا الآمال لدى الكثير من المعتقلين العراقيين وعائلاتهم.

منذ 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، بدأت هدنة إنسانية في قطاع غزة مدتها 4 أيام تم تمديدها عدة أيام، وذلك على خلفية اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة المقاومة الإسلامية حماس، والذي جاء عقب معارك ضاربة وعملية عسكرية شنها جيش الاحتلال على غزة يوم السابع من أكتوبر / تشرين الأول ردا على هجوم للمقاومة الفلسطينية يوم 6 تشرين الأول استهدف مستوطنات غلاف غزة.

وبموجب اتفاق الهدنة، أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلية عن مئات الأسرى الفلسطينيين من النساء والأطفال والشباب ممن قضى سنوات وأشهرا في سجون إسرائيل.

ورغم الانفراجة في ملف الأسرى الفلسطينيين، ما يزال ملف المعتقلين في السجون العراقية من الملفات العالقة التي لم تحسم رغم إدراجها ضمن المطالب الرئيسية للقوى السنية، على اعتبار أن الاعتقالات خارج القانون طالت أبناء المكون السني على وجه الخصوص.

فيما تشكك منظمات حقوقية بجدية الحكومة العراقية بإنهاء ملف المعتقلين، كما تشكك بجدية القوى السياسية لاسيما قوى الإطار التنسيقي بتمرير قانون العفو العام بمعناه الحقيقي، رغم تبني الحكومة الحالية والإطار "إعلاميا" دعم قضايا الشعب الفلسطيني ومنها إطلاق سراح الأسرى في السجون الإسرائيلية.

 

نزلاء السجون

وزارة العدل العراقية أكدت أن عدد النزلاء في سجونها يقترب من 60 ألف نزيل، فيما أقرت بوجود اكتظاظ في السجون بسبب العدد الكبير من النزلاء.

وبحسب المتحدث باسم وزارة العدل كامل أمين، فإن "نسبة الاكتظاظ بالسجون تصل إلى 300 %"، معتبراً أن "هذا الملف يعد تحدياً كبيراً كون السجون فيها اكتظاظ، وهناك تراكمات للأخطاء منذ عدة عقود، وبالتالي من الصعب معالجتها جميعاً"، لافتا إلى "الطاقة الاستيعابية تتجاوز الـ 25 ألف سجين، وهناك أكثر من 60 ألف سجين داخل سجون الوزارة، ومن الصعب السيطرة على هذه الأعداد"، حسب تعبيره.

 

أبرياء في السجون

خلال السنوات الماضية، زج بآلاف العراقيين داخل السجون بسبب التهم الكيدية أو ما يعرف بـالمخبر السري، إذ اندرجت أغلب تلك القضايا، التي أثيرت ضدهم، تحت العداوات الشخصية والتصفيات السياسية، وسط أجواء غير صحية داخل السجون وانتزاع اعترافات تحت التعذيب.

الاعتقالات التي خفت وتيرتها في الوقت الحالي تركزت بشكل كبير في السنوات الماضية في المدن المختلطة من الناحية الطائفية والقومية، كالعاصمة بغداد وديالى ونينوى وصلاح الدين وكركوك ومناطق شمال بابل، وكانت تهمة الإرهاب وفق المادة الرابعة للقانون المختص بالتعامل مع قضايا الإرهاب، هي التهمة الأبرز التي توجه للمعتقلين من تلك المدن.

مشكلة المعتقلين لم تنتهِ بمجرد الاعتقال، فالرحلة الطويلة التي لا تبدو نهايتها تبدأ من غرف التحقيق التي يستخدم فيها التعذيب المبرح والشديد لانتزاع الاعترافات بالقوة من الموقوفين، وبالتالي عرضها على القضاء الذي بدوره يصدر أحكاما قاسية تنوعت بين الإعدام والمؤبد و15 عاما وغيرها من الأحكام.

وأكدت مصادر أمنية لشبكة "الساعة" أن غرف التحقيق الخاصة بقضايا الإرهاب نخرها الفساد، حيث تحولت إلى مصدر لابتزاز ذوي المعتقلين ماليا مقابل الإفراج عن المحتجزين، أو توجيه تهم الإرهاب للموقوف "في حال لم يتم الدفع".

وفاقم مشكلة المعتقلين في العراق اعتماد بلاغات المخبر السري من قبل الأجهزة الأمنية في تنفيذ حملات الاعتقال، فضلا عن اعتقال من تتشابه أسماؤهم بمطلوبين في المدن التي خضعت لسيطرة تنظيم داعش.

 

عراقيل أمام العفو

المنظمات الحقوقية العراقية والدولية رصدت بدورها انتهاكات خطيرة في السجون العراقية، وأخطر تلك الانتهاكات تتمثل في مرحلة التحقيق، وهو ما أشارت إليه منظمات العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومركز جنيف للعدالة ومرصد أفاد ومركز توثيق جرائم الحرب والمرصد العراقي لحقوق الإنسان.

ومنذ أن تشكلت الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني نهاية العام الماضي، تنتظر القوى السنية تنفيذ الاتفاق السياسي الذي بموجه تشكلت الحكومة والذي يتضمن في إحدى بنوده تشريع قانون العفو العام والذي من خلاله يمكن إنصاف المعتقلين الأبرياء في السجون والذين يقدر عددهم بالآلاف.

 وينص تعديل قانون العفو العام على ما يلي "إجراء مراجعة قانونية للقانون، بهدف تعريف جريمة الانتماء للتنظيمات الإرهابية، لتشمل كل من ثبت أنه عمل في التنظيمات الإرهابية أو قام بتجنيد العناصر لها أو قام بأعمال إجرامية أو ساعد بأي شكل من الأشكال على تنفيذ عمل إرهابي أو وُجد اسمه في سجلات التنظيمات الإرهابية".

قدمت الحكومة العراقية مؤخرا التعديل الخاص بقانون العفو العام إلى مجلس النواب، وقدمت مسودة التعديل من اللجنة القانونية إلى رئاسة البرلمان بانتظار إدراجه في الجلسات المقبلة وقراءته والتصويت عليه.

وعلى ما يبدو فإن الأحداث الاخيرة التي شهدها البرلمان والمتمثلة بإنهاء عضوية رئيسه السابق محمد الحلبوسي بقرار من المحكمة الاتحادية سيدفع نحو تأجيل تشريع قانون العفو العام أو ربما عدم تمريره أصلا، وهو ما صرح به عدد من النواب.

وعلى مستوى ممثلي المكون السني في البرلمان، فالبعض يأمل بتعديل قانون العفو العام قريبا بما يضمن إنصاف الأبرياء في السجون، ويرهنون ذلك بالتزام الإطار التنسيقي بذلك ومن بينهم النائب عبد الكريم عبطان، فيما يستبعد آخرون حل مشكلة المعتقلين وإن مرر قانون العفو العام فإنه سيمرر خالٍ من محتواه الحقيقي، بحسب النائب رعد الدهلكي.

 

تعامل طائفي

المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب استبعد إنهاء ملف المعتقلين في السجون قريبا، واتهم السلطات الحكومية بالتعامل الطائفي مع هذا الملف.

وقال مدير المركز عمر الفرحان في تصريح لشبكة "الساعة": إن "قانون العفو الذي تتحدث عنه القوى السياسية لا يعدو كونه قانون (خاص) دافعه سياسي، ولا يرقى لأن يكون قانون (عفو عام) بسبب رهنه بشروط من القوى السياسية".

وأضاف الفرحان في تصريح لشبكة "الساعة: أن "عدد المعتقلين في السجون الحكومية التابعة لوزارة العدل يتراوح ما بين 60 ألف – 75 ألف معتقل أغلبهم محكومون بتهم الإرهاب، والباقي محكوم بتهم المخدرات والقتل والجرائم الجنائية الأخرى".

ولفت إلى "وجود أعداد أخرى من المعتقلين لدى القوات الأمنية لم يتم إصدار الحكم القضائي عليهم وهم منذ فترات طويلة في السجون خلافا للقانون الذي يوجب إصدار الحكم عليهم خلال فترة محدودة، بعد عرضه على القاضي خلال 24 ساعة من توقيفه".

وتابع: أن "المشكلة الرئيسية في ملف السجون الحكومية تكمن في ملف المعتقلين بقضايا الإرهاب، لأن اعتقالهم جرى بدوافع طائفية ودون وجود أدلة قانونية على تورط المعتقلين بارتكاب جرائم الإرهاب، إضافة إلى أن أغلب المعتقلين بهذه القضايا صدرت أحكام قضائية عليهم استنادا على الاعترافات التي انتزعت منهم بالقوة والإكراه".

وأوضح الفرحان أن "تصريحات وزارة العدل بخصوص شمول 9 آلاف محكوم فقط بقانون العفو العام يثير الكثير من الشكوك حول جدوى القانون، كما يطرح التساؤلات عن الفئات التي سيشملها القانون، لأن هذا العدد لا يمثل إلا النسبة القليلة من أعداد المعتقلين".

وأكد أن "السمة في السجون العراقية هي الاكتظاظ وانحدار المستوى الصحي والخدمي ومخالفة القوانين العراقية والدولية في مجال التعامل مع نزلاء السجون، وأشار إلى أن أبواب السجون موصدة دائما بوجه المنظمات العراقية والدولية وذلك لضمان عدم الكشف عن فضائح التعذيب التي تجري داخلها".

ونوه مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب عمر الفرحان إلى "التناقض الكبير الذي تتعامل به السلطات الحكومية والأحزاب الحاكمة في العراق من خلال الإعلان عن تأييد قضايا الشعب الفلسطيني عبر رفض تهجيرهم والتأكيد على إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، بينما السجون العراقية مليئة بالمعتقلين الأبرياء، كما أن مدنا عراقية ما يزال أهلها مهجرون طائفيا بقرار من الفصائل المسلحة والقوى الحاكمة".