يستذكر أهالي الناصرية مركز محافظة ذي قار ومعهم العراقيون جميعا مرور 4 سنوات على مجزرة جسر الزيتون التي استهدفت متظاهرين عزل خلال تظاهرات تشرين عام 2019 وراح ضحيتها عشرات القتلى ومئات المصابين.

وشهدت الناصرية مسيرة راجلة انطلقت من ساحة الحبوبي مركز المدينة، ولغاية موقع المجزرة عند جسر الزيتون، وذلك إحياءً لذكرى الحادثة، حاملين النعوش الرمزية وصورا الضحايا.

وقال مشاركون في المسيرة: إن "جمعا من شباب ذي قار أحيوا اليوم الذكرى الرابعة لحادثة جسر الزيتون، التي خرج فيها الشباب من أجل المطالبة بوطن وتحسين الخدمات والوضع العام في البلاد".

وأكدوا أن "متظاهري تشرين قتلوا وحتى الآن لم يتم القبض على القتلة ومحاسبتهم، مطالبين رئيس الوزراء بالوفاء بوعوده التي قطعها عند تسلمه السلطة بإلقاء القبض على القتلة ومحاكمتهم".

مجزرة جسر الزيتون، ارتُكبت على مدار ثلاثة أيام، وبدأت مساء الثامن والعشرين من نوفمبر / تشرين الثاني 2019 قرب جسر الزيتون في مدينة الناصرية بعد هجوم مسلح شنته قوات الأمن العراقية ضد المتظاهرين استمر يومي التاسع والعشرين والثلاثين، وخلف 70 قتيلا، ونحو 500 مصاب.

جاءت الحادثة وما تبعها من عمليات استهداف للمتظاهرين في ذي قار، عقب يوم واحد من اقتحام وحرق القنصلية الإيرانية في محافظة النجف.

ويعد الفريق جميل الشمري المسؤول الأمني على ذي قار خلال المجزرة وقائد شرطة ذي قار اللواء محمد القريشي المعروف بـ"أبو الوليد" أبرز المتهمين بالحادثة، لكنهما لم يقدما إلى المحاكمة لغاية اليوم لقربهما من جهات سياسية متنفذة وزعامات في الإطار التنسيقي، بحسب مصادر خاصة.

 

لا حساب للقتلة

وطيلة السنوات السابقة ورغم الضغوط المحلية والدولية لمحاسبة قتلة المتظاهرين في العراق، لم يصدر عن القضاء العراقي سوى حكم واحد قضى بالمؤبد على المقدم عمر نزار من قوات الرد السريع والذي وجه له تهمة قيادة الحملة على المتظاهرين عند جسر الزيتون.

وتؤكد إحصائيات رسمية في محافظة ذي قار أن الهجوم الأول الذي استهدف المتظاهرين قرب جسر الزيتون أسفر عن مقتل 50 متظاهرا، وخلال اليومين اللاحقين للمجزرة قتل 20 متظاهرا آخر بهجمات متفرقة استهدفت المتظاهرين الغاضبين  عند موقع المجزرة ومحيط قيادة شرطة المحافظة.

وكانت مجزرة الزيتون السبب المباشر وراء استقالة رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، الذي أعلن في 29 تشرين الثاني 2019 نيته تقديم استقالته إلى البرلمان والتي وافق عليها مجلس النواب عقب يومين لتكون أول استقالة يتقدم بها رئيس وزراء في عراق ما بعد 2003.

وكانت حادثة استهداف متظاهري الناصرية حلقة ضمن مسلسل استهداف تظاهرات تشرين التي راح ضحيتها أكثر من 800 قتيل وأكثر من 25 ألف مصاب، أغلبهم من العاصمة بغداد ومحافظة ذي قار جنوبي العراق.

 

من استهدف المتظاهرين؟

ووجهت التهم باستهداف المتظاهرين لثلاث جهات، الأولى تتمثل بقوات الأمن العراقية بمختلف التشكيلات من الشرطة ومكافحة الشغب وسرايا سوات والرد السريع والشرطة الاتحادية، والثانية بأمن الحشد الشعبي الذي وجهت له التهم بشكل كبير في العاصمة بغداد، أما الجهة الثالثة فتتمثل بالميليشيات المسلحة التي استهدفت بالقتل والاغتيال والاختطاف المتظاهرين والناشطين طيلة فترة الاحتجاجات التي استمرت لأشهر.

 

دعوة للسوداني

مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية دعا رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى الإيفاء بما ألزم به نفسه بإعلان نتائج التحقيق بالأحداث التي رافقت تظاهرات تشرين 2019.

وقال المركز في بيان تلقته شبكة "الساعة": إن "المركز يستذكر بكل ألم في مثل هذا اليوم الذكرى السنوية الرابعة لمجزرة جسر الزيتون في محافظة ذي قار إبان تظاهرات تشرين والتي راح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى في أسوأ موجة عنف شهدتها التظاهرات".

وذكّر المركز رئيس مجلس محمد شياع السوداني بما ألزم به نفسه بإعلان نتائج التحقيق بأحداث التظاهرات وقتل المحتجين والصحفيين قبل نهاية العام الحالي 2023، معرباً عن أمله بأن تكون نتائج التحقيق منصفة وتدين جميع المتورطين بما جرى خلال تلك الفترة.

محافظ ذي قار محمد هادي الغزي استذكر في بيان مجزرة جسر الزيتون وأكد أن المتظاهرين استهدفوا رغم التزامهم السلمية ورغم توصيات المرجعية الدينية بحرمة التعرض للمحتجين.

وقال الغزي في بيان ورد لشبكة "الساعة": إن "المجزرة لم تكن حادثة عادية إنما هي انعطافه كبيرة في تاريخ محافظة ذي قار والعراق"، وبين أن "الحادثة عجلت بتغيير واقع محافظة ذي قار وتنفيذ مشاريع مهمة وارتفاع نسبة الخدمات في جميع أقضية ونواحي المحافظة بوقت كانت ذي قار تُعد من المحافظات المهمشة والتي تفتقر إلى أبسط مقومات العيش الكريم".

 

تشكيك بجدية الحكومة

ومنذ سنوات تطالب منظمات دولية وعراقية وناشطون عراقيون بتقديم قتلة المتظاهرين إلى المحاكمة، وسط شكوك بقدرة الدولة العراقية متمثلة بالحكومة والقضاء بالقيام بذلك.

ويشكك ناشطون من محافظة ذي قار بجدية السلطات العراقية أو قدرتها على محاسبة المتورطين بارتكاب جرائم القتل التي طالت المتظاهرين في الناصرية وباقي المدن العراقية.

وقال الناشط والصحفي من مدينة الناصرية حسين العامل لشبكة "الساعة": إن "الجهد الحكومي منذ سنوات تجاه قضية قتلة المتظاهرين يتميز بالمماطلة والتسويف، فلغاية اليوم لم يقدم أحد من كبار المسؤولين عن تلك الجرائم إلى المحاكمة باستثناء القلة القليلة".

وأضاف: أنه "لغاية اليوم، ما يزال مرتكبو مجزرة الزيتون فالتين من العقاب، باستثناء أحد الضباط وهو عمر نزار الذي قدم كبش فداء لحمل القضية فيما ترك بقية المتورطين بالجريمة دون عقاب".

وأكد العامل على أن "السبب في عدم محاسبة مرتكبي جرائم قتل المتظاهرين والتي يمكن أن ترقى إلى عمليات إبادة جماعية يرجع إلى أن الجهات المتنفذة الحاكمة اليوم من الأحزاب والميليشيات هي ذاتها التي نفذت عمليات القتل بحق محتجي تشرين".

وأشار الناشط الناصري إلى أن "الحكومة الحالية ورغم قرارها بإعادة تفعيل اللجنة المشكلة بمتابعة ضحايا متظاهري الناصرية، غير جادة وغير قادرة على محاسبة من يقف وراء مجازر استهداف المتظاهرين".

وشدد العامل على أن "السلطات الحكومية والقضائية غالبا ما تسجل القضايا الخاصة بقتل المتظاهرين ضد مجهول لإغلاق الملف وعدم فتحه ثانية، موضحا أنهم لو توصلوا للقاتلين الفعليين فلا أحد يجرؤ على محاسبته، كما حصل مع قتلة الناشط سجاد العراقي الذين هم معروفون للجميع وصدرت بحقهم أوامر قضائية لكنهم حاليا في إيران لا يمكن لأحد إحضارهم وتنفيذ الحكم الصادر بحقهم".

ولفت إلى أن "مواطنين وناشطين في ذي قار فقط قدموا أكثر من 700 شكوى لدى القضاء العراقي بشأن عمليات قتل المتظاهرين، لكن القضاء تركها على الرفوف ولم ينظر إلا في عدد قليل منها، منوها إلى أن تعامل السلطات مع ملف ضحايا التظاهرات بهذا الشكل أفقد أهالي ذي قار ثقتهم بالسلطات الحكومية في محاسبة المتورطين بدماء أبنائهم ودماء باقي المحتجين في ثورة تشرين".

ودعا العامل في ختام حديثه إلى "تشكيل محكمة جنائية خاصة تنظر بقضايا قتل المتظاهرين، على أن تشارك في التحقيق جهات أممية ومحاكم دولية لضمان تنفيذ الأحكام الصادرة عنها الخاصة بمحاسبة قتلة المتظاهرين الذي ما يزالون طلقاء بعد 4 سنوات على ارتكابهم تلك المجازر".