عادت زعامات شيعية إلى طرح خطاب الطائفية السياسية مع اقتراب الانتخابات المحلية في العراق المقرر إجراؤها في الثامن عشر من شهر كانون الأول 2023.

يأتي ذلك بالتزامن مع موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر والقاضي بمقاطعة الانتخابات المحلية وعدم المشاركة فيها، في محاولة لسحب غطاء الشرعية منها.

خطاب القيادات الشيعية الأخير يعيد إلى الذاكرة خطابها السابق في الفترة التي أعقبت سقوط النظام العراقي واحتلال العراق في 2003 والقائم على التحشيد الطائفي الداعي لمسك السلطة من قبل المكون الشيعي على اعتبار أنه استحقاق له.

أبرز تلك الدعوات وآخرها صدرت من قيادات الإطار التنسيقي المتمثلة بعمار الحكيم زعيم تيار الحكمة، ونوري المالكي زعيم ائتلاف دولة القانون، إذ دعا الحكيم والمالكي إلى عدم مقاطعة الانتخابات لأنه يسبب اختلال التوازن المكوناتي في المناطق التي يعيش فيها خليط من الشيعية والعرب السنة وفي مقدمتها العاصمة بغداد.

وتشمل تحذيرات القيادات الشيعية من مقاطعة الانتخابات محافظات نينوى وصلاح الدين وكركوك ثم ديالى التي أغلبية سكانها من العرب السنة، حيث ترى تلك القيادات أن هذه المحافظات تضم خليطا من الشيعة والسنة ومقاطعة المكون الشيعي للانتخابات يعني سيطرة المكون السني على جميع المقاعد المحلية.

وتأتي تحذيرات شيعة السلطة ومخاوفهم على "التمثيل المكوناتي" على الرغم من تحكم الإطار التنسيقي بزمام السلطة في البلاد، فالحكومة هي حكومة إطارية، والكلمة العليا في البرلمان إطارية أيضا، إلى جانب نفوذهم في جميع الهيئات والمؤسسات التي ينبغي أن تكون مستقلة وفي مقدمتها المؤسسات الأمنية والعسكرية.

 

الحكيم يحذر

رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم، حمل دعاة مقاطعة الانتخابات وعدم المشاركة فيها مسؤولية اختلال التوازن المكوناتي وحالة عدم الاستقرار التي ستترتب عليه في عموم العراق.

الحكيم أكد في مؤتمر انتخابي للتيار على أهمية ما وصفه "المشروع الرسالي" والتهيئة لظهور صاحب العصر والزمان، حسب تعبيره.

وأشار الحكيم في كلمة له إلى "العقبات التي تجاوزها العراق بصمود أبنائه ومواقف المرجعية الدينية العليا والقيادات السياسية والاجتماعية"، مشددا على أن "العراق دفع ضريبة لهذا الاستقرار من أمواله وفرصه ودماء أبنائه".

ولفت إلى أن "التحديات التي تجاوزها العراق، تتمثل في التحديات الأمنية والسياسية والاجتماعية، ما جعل التحدي الأهم اليوم هو التحدي الاقتصادي والخدمي وتنويع مصادر الدخل ومغادرة الدولة الريعية".

ودعا زعيم تيار الحكمة إلى "المشاركة الواسعة والفاعلة والواعية في الانتخابات المحلية المقبلة"، مبينا أن "المشاركة حق لكل فرد كما أن عدم المشاركة حق لكل ناخب، محذرا من دعوات عدم المشاركة ومنع الناس من المشاركة كونها ستخلق نتائج غير متوازنة في تمثيل المكونات الاجتماعية ولا سيما في المحافظات ذات التمثيل المكوناتي المتنوع، كالعاصمة بغداد ومحافظات نينوى وصلاح الدين وديالى وكركوك"، حسب وصفه.

وحمل الحكيم من وصفهم دعاة منع الناس من المشاركة، في إشارة واضحة لزعيم التيار الصدري، مسؤولية اختلال التوازن المكوناتي وحالة عدم الاستقرار التي ستترتب عليه.

 

المالكي يهاجم

أما زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي فهاجم دعاة مقاطعة الانتخابات، ووصف دعوات المقاطعة بأنها دعوة لفسح المجال أمام الفاسدين للوصول إلى مواقع المسؤولية.

وقال المالكي في كلمة له خلال الملتقى الموسع لمرشحي ائتلاف دولة القانون الذي أقيم في بغداد مؤخرا: إن "الانتخابات هي الطريق الأمثل للوصول إلى الأهداف المرجوة، وإن الدعوة لعدم المشاركة في الانتخابات تعني فسح المجال للفاسدين للوصول إلى مواقع المسؤولية في مجلس المحافظة أو البرلمان".

وأضاف: أن "صناديق الاقتراع هي من تحدد إرادة الناس، وإن المشاركة الواسعة في الانتخابات تمثل إرادة الشعب من خلال صناديق الاقتراع، ومن يمنع الناس عن المشاركة في الانتخابات يمنعهم عن المساهمة في صناعة مستقبلهم"، حسب وصفه.

وبحسب المالكي: فإن "التغيير والإصلاح يحصلان عبر الانتخابات لأنها استحقاق دستوري وطني، وأن الغياب عن الانتخابات لن يحقق الشراكة والإصلاح، بل يسبب خللا في التوازن بين المكونات".

وجاءت تصريحات المالكي والحكيم، أبرز القيادات الشيعية القريبة من إيران، خلافا لما دعا إليه زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذي أوصى أتباعه في أكثر من مناسبة بمقاطعة انتخابات مجالس المحافظات.

 

لا تعزفوا على وتر الطائفية

الصدر الذي حسم موقفه من إجراء الانتخابات، في وقت بدأت تتصاعد فيه حمى التنافس الانتخابي بين مختلف القوى السياسية. قال في بيان خاطب فيه أنصاره: إن "مشاركتكم للفاسدين تحزنني كثيراً، ومقاطعتكم للانتخابات أمر يفرحني، ويقلل من شرعية الانتخابات دولياً وداخلياً ويقلص من هيمنة الفاسدين والتبعيين".

وفي وقت سابق، علّق النائب المستقيل عن التيار الصدري صباح العكيلي على مخاوف الإطار التنسيقي، محذراً في بيان مقتضب بالقول: "لا تعزفوا على وتر الطائفية، فالشعب فهم لعبة الانتخابات جيداً، فلم تعد تنطلي عليه هذه الشعارات".

وأضاف العكيلي: أن "صاحب الجمهور لا يعزف هذه النغمة لأنها قديمة ولا يحتاجها"، معتبراً أن "من لا يمتلك جمهور ويخاف الفشل يستعمل هذه اللغة".

 

طائفية من نوع آخر

تحذيرات المالكي والحكيم دافع عنها سياسيون شيعة ليسوا تحت لواء الإطار التنسيقي، فالنائب السابق المقرب من التيار الصدري بهاء الأعرجي دعم ما جاء في خطاب التحذير من اختلال التمثيل المكوناتي في المناطق المختلطة، لكنه اختلف معهم بطريقة التعامل، أسباب المخاطر التي يرونها وتداعياتها.

الأعرجي وفي لقاء متلفز تابعته شبكة الساعة قال: إن "التحذيرات والمخاوف التي أعلن عنها قادة الإطار التنسيقي منطقية ولا سيما في المناطق المختلطة، وذلك بسبب مقاطعة جزء كبير من المكون الشيعي للانتخابات".

وأضاف: أن "المخاوف يجب أن تؤخد بالحسبان على اعتبار أن المكون السني هو الذي سيشغل المقاعد التي سيقاطع فيها التيار الصدري".

وتابع الأعرجي الذي عرف بتصريحات سابقة تحمل طائفية ضد المكون العربي السني: أن "مخاوف الإطار في محلها لكنها يجب أن تؤخذ من زاوية الخلل الذي سيضرب المكون الشيعي في حال غياب التيار الصدري".

وبين أن قادة الإطار معنيون باتخاذ إجراءات لمنع هذا الاختلال في التمثيل المكوناتي من خلال الاهتمام برأي وموقف التيار الصدري ومحاولة إعادته للانتخابات المحلية من جديد وتأجيل الانتخابات لحين ضمان مشاركته مع القوى الشيعية الأخرى في الانتخابات.

وذهب خبراء ومراقبون للشأن العراقي إلى أن استبعاد الحلبوسي من مجلس النواب وضربه سياسيا بقرار المحكمة الاتحادية كان نتيجة لمخاوف القيادات في الإطار التنسيقي من تصاعد نجم الشاب المبعد سياسيا وانتخابيا في العاصمة بغداد.

وفي انعكاس للمخاوف الشيعية من تداعيات مقاطعة الصدريين للانتخابات، اقترح رئيس حركة "إنجاز" الوزير الأسبق باقر جبر الزبيدي، تأجيل الانتخابات المحلية ودمجها مع الانتخابات التشريعية المقبلة

 

تحشيد طائفي انتخابي

جهات سياسية ترى في خطاب قيادات الإطار الأخير بأنه محاولة لاستخدام التحشيد الطائفي في الدعاية الانتخابية، بعد إدراك بعض الجهات بتراجع نفوذها وجماهيرها في الانتخابات المحلية.

ويرى القيادي في حزب واثقون وتحالف الأساس، كتاب الميزان في تلك الخطابات عودة للطائفية السياسية التي تستخدم مع اقتراب المشهد الانتخابي في البلاد.

وقال الميزان في تصريح لشبكة "الساعة" إنه "في كل انتخابات ومع اقتراب موعدها تلجأ بعض القوى السياسة التي خسرت مناصبها المباشرة في الدولة وتراجع حجم التأييد الجماهيري لها إلى تعبئة الجماهير واستقطابهم عبر التحشيد الطائفي".

وأضاف: أن "هذا الخطاب يمثل ميلا عن الهوية الرئيسية العراقية التي ينبغي التمسك بها من قبل جميع المشاركين في الانتخابات لضمان أمن واستقرار العراق في المرحلة المقبلة"، داعيا إلى "اعتماد الخطاب الوطني بعيدا عن الشعارات الطائفية وأن تكون الهوية العراقية هي الهوية الشاملة التي تتجاوز كل الهويات الفرعية الثانية ومنها الهوية الطائفية".

ويتنافس نحو 70 حزباً وتحالفاً سياسياً وأكثر من 6 آلاف مرشح على مقاعد مجالس المحافظات في الانتخابات المحلية المقبلة.

وتتولى مجالس المحافظات المُنتخبة مهمة اختيار المحافظ ومسؤولي المحافظة التنفيذيين، ولها صلاحيات الإقالة والتعيين، وإقرار خطة المشاريع بحسب الموازنة المالية المخصصة للمحافظة من الحكومة المركزية في بغداد، وفقاً للدستور العراقي، وستكون هذه أول انتخابات محلية تُجرى في العراق منذ إبريل/ نيسان 2013.